عندما ودَّعَ من عمرهِ عقدًا مستقبلا آخر، رأتْ أسرته اللطيفة؛ القيام باحتفاليةٍ عائليةٍ تسليه عمّا فات، وتؤنس وحشته لما هو آت. جاء الحدث الموعود، فكانت ليلةً محفوفة بالوداد معمورة بالبهجة، ولكنّه فوجئ بأن أفراد أسرته -كلهم تقريبًا- نشروا أحداث هذه الليلة في حساباتهم الخاصة!
نشروا أحداث حفلة عائلية خاصة عبر حساباتهم في وسائل التواصل، ليس لأشخاص مخصوصين وأقارب معدودين، بل لغرباء لا تقرّبهم صلة، ولم يوثّقهم تواصل. لماذا نحرص دائمًا على مشاركة الآخرين مناسباتنا الخاصة؟ لماذا ننتظر من غيرنا إضفاء القيمة على ما نقوم به؟
تأمل بإنصاف تجد أن شريحة كبيرة من المجتمع لا يستطيعون الأُنس بخصوصياتهم لوحدهم، إلى درجة لم يعد لديهم أي خصوصية تُذكر! أفراحهم أتراحهم، سعادتهم أحزانهم، مشكلاتهم حلولهم، غضبهم رضاهم، منازلهم وظائفهم عائلاتهم.. كل شيء عنهم معروض للغرباء!
وأنا لا أعني توثيق لحظات الفرح للذكرى، ومشاركة بعض الأحباب طرفا منها، وإنما أعني النشر لكل أحد، وعرض خصوصياتنا للغرباء رغبةً في نيل إعجاب، أو كسب رضا، وغير ذلك. هذا الأمر سيفسد علينا حياتنا لاحقا، حتى لن نستطيع إدراك سعادة اللحظة دون نشرها للغير!
ثم إن تصوير كل حدَثٍ خاص، وإقحام الكاميرا في كل أوقات البهجة في حياتنا، يسرق الكثير من دهشة الموقف ومتعة اللحظة. لفت انتباهي قول لجلال أمين في رسالة بعثها لأخيه حسين وعائلته عندما كان في رحلته لإيطاليا [٢٠ أغسطس ١٩٥٩], بعد أن وصف جمال حديقة في بلدة «تيفولي»، قال:
وهو يتعجب من تعامل الناس مع الجمال ولحظات السعادة والمتعة: ”كل واحد يحاول أن يلتقط صورا فوتوغرافية للمناظر الجميلة بالحديقة، بدلا من تأملها والاستمتاع بها. فالجمال أصبح إذن موضوعاً للتملك بدلاً من أن يكون سببا للاستمتاع ومثارًا للتفكير“. يكتب هذا قبل أكثر من ستين سنة!
مَن يستطيع اليوم السفر دون التوثيق للآخرين مسار رحلته؟ أين سيذهب، ومن أين جاء، وفي أي فندق حط رحله، وما خطته لليوم التالي، وماذا يرتدي، وأين يأكل...! وإذا تجاوزنا الأعذار الواهية الدافعة لهذا التوثيق والعرض، وجدنا: الرغبة الملحة لكسب الإعجاب ونيل الرضا.
وأنا هنا لا أريد تشريح ظاهرة، أو تغيير عادة، أو إصلاح مفسدة بسوط الألفاظ، كل ما أريده؛ لفت النظر إلى مسألةٍ أرى بأنها سارقة لبهاء اللحظات، سالبة لجلال الخصوصية، مخلّفة لآثارٍ سيئة، وأهمّها: ”التعلّق بالآخرين وتوسّل رضاهم“.
جاري تحميل الاقتراحات...