2. فغضبتُ وأرسلت مذكّرة إحضار فأحضرتُه جبراً (وندمت على أني فعلت، فما كان مثل هذا العمل مألوفاً).فخرجنا من دوما أنا والطبيب والكاتب والدرَك (أي شرطة القرى)، ومشينا حتّى جاوزنا بساتين الغوطة وسلكنا أطراف الجبال التي يؤدّي أيسرها إلى قرية التّل وأيمنها إلى أماكن مهجورة لا أعرف أن
3. أحداً يمشي إليها، فليس فيها مصيف وليس فيها نبع ماء، فما زال بنا حتّى أمضينا على الطريق أكثر من ساعتين. وكان مع الدرك فرس هزيل يمشي ورأسه بين رجليه فعرض عليّ أن أركبه. وأنا -على ممارستي أنواعاً من الرياضة- لا خبرة لي بركوب الخيل، فاعتذرت ومشيت، حتّى انتهى بنا قُبَيل الغروب إلى
4. وادٍ مقفر ما أحسب أن الذئاب والثعالب تدنو منه. فرأينا جثّة متعفّنة، فحصها الطبيب الشرعي وقرّر أن صاحبها مقتول. فسألت المدّعي: من الذي تشكّ فيه؟ فاتهم رجلاً من أهل بلده اتهاماً صريحاً. وأراد الدرك أن يتسلّموا الأمر فقلت: دعوني أنا. فأخذته جانباً ورسمت في ذهني خُطّة هي:
5. مَن الذي دلّ وليّ المقتول على مكان جثّته؟ لأن الجثّة ليست على طريق مسلوك ولا في مكان ظاهر، بل هي في وادٍ لا يصل إليه إلاّ مَن وضع الجثّة بيده. فشككت في أن يكون هذا المُخْبِر (وهو أخو القتيل) هو الذي قتله، وبنيت أسئلتي على هذا الأساس وجعلت أسأله السؤال عقب السؤال،
6. لم أضربه كما كانوا يصنعون أحياناً ولم أمسّه بسوء ولم أوجّه إليه كلمة نابية، بل حصرته حصراً منطقياً ليخبرني كيف عرف أن جثّة أخيه ملقاة هنا؟ فلم تمضِ نصف ساعة (والكاتب يدوّن الأجوبة) حتّى تهاوى واعترف بأنه هو القاتل. وكان ذلك أول تحقيق جنائي مارستُه ونجحت فيه بحمد الله وتوفيقه،
7. ثم لأنني حكّمت العقل قبل طرح الأسئلة ومناقشة الرجال. وجاءني كِتَاب من النيابة العامّة فيه شكر وتقدير أحسب أنه لا يزال باقياً عندي.
جاري تحميل الاقتراحات...