ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 43 قراءة Nov 12, 2021
من السهل النظر إلى أمريكا الآن كقوى عظمى لها الريادة في كل المجالات تقريبًا، لكن بالعودة قليلًا إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى نجد أننا أمام دولة هشة انعزالية ليس لها تأثير سياسي يذكر، كيف تغير الوضع إلى ما صارت عليه الآن؟! وما علاقة أينشتاين وإيلون ماسك بهذا الأمر
#حياكم_تحت
في بدايات القرن العشرين كانت أمريكا مثلها مثل أي دولة أخرى تنتمي للعالم الجديد، تركيبة سكانية متعددة الأعراق يصعب سوقها، منكفئة على ذاتها وكل جهودها تصب في اتجاه حل خلافاتها الذاتية ليس أكثر، أما العالم الخارجي فلا شأن لها به ربما على الإطلاق.
دولة زراعية بامتياز، ضمن مجتمع ريفي مخلخل لا توحده جذور مشتركة، تصدر الخامات الزراعية وتستورد المصنوعات، لكن الجرأة العسكرية التي تحلت بها في حربها مع الإمبراطورية الإسبانية المحتضرة عام 1898 وانتصارها عليها، جعلها تعيد التفكير في قوتها وإمكانياتها.
مع الوصول للحرب العالمية الأولى، فضلت الولايات المتحدة الأمريكية العودة إلى الانكفاء على ذاتها والبقاء على الحياد، حيث وجدت في ذلك مستراحا لها، خصوصًا مع بعد مركز الحرب عنها، وعدم تقاطع مصالحها مع أيٍ من مصالح الطرفين.
ساهم ذلك الحياد المبدئي في حفاظ أمريكا على قوتها وإمكانياتها في مقابل دمار شامل في كافة الدول الأوروبية المنخرطة في الحرب، وهو أمر قلب موازين القوى العالمية وجعل أمريكا مرشحة كي تكون في طليعة الأمم، وهو أمر كان عليها أن تثبته حينما قررت بعد عامين ونصف من بدء الحرب الانخراط فيها.
حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ألمانيا عام 1917، ضمن ظروف استجدت، وهو انضمام كان كافيًا لترجيح كفة الحلفاء والتبشير بقوة عظمى جديدة قادمة لتقود العالم، لكن تلك الحرب لم تكن كافية لجعل أمريكا في هذا الموقع بل تضافرت معها أسباب كثيرة.
بعد الحرب كان الانفتاح الكبير لأمريكا على العالم، تركت عزلتها وبدأت ترحب بالآخر وتتفاعل معه ثقافيًا وسياسيًا وبالطبع اقتصاديًا، لكنها من اللحظة الأولى أدركت قيمة العلم وقيمة الإنسان في قطرها نحو الطليعة؛ فشرعت في جعل ذاتها مركزًا للعلم والابتكار ووفرت كل ما من شأنه الوصول لذلك.
أرض الفرص والوعود البراقة، هكذا عرفت أمريكا، حيث بدأت منذ ذلك الحين البحث عن الكفاءات والعقول الراجحة في كل أقطار العالم، فاجتذبتهم إلى أرضها وأعطتهم جنسيتها، ووفرت لهم كل الإمكانيات كي يبدعوا ويبتكروا، لم تتعجل الثمر، وإنما استمرت في هذا النهج لعقود طويلة داعمة منتظرة متريثة.
ألبرت أينشتاين ذلك العالم الأكثر شهرة في التاريخ؛ ولد في ألمانيا عام 1879، أظهر قدرات بحثية خارقة على مدى مراحله المختلفة؛ إلى أن حصل على جائزة نوبل عام 1921 كتتويج على جهوده في الفيزياء النظرية واكتشافه لقانون التأثير الكهروضوئي، لكن رويدًا رويدًا ضاقت به بلاده.
وفي أثناء زيارة له للولايات المتحدة عام 1933،وصلته الأنباء عن اقتحام النازيين لمنزله وإدانتهم لفكره وحرقهم لكتبه، على اعتبار كل هذا نابعاً من عقليته اليهودية، هنا لم تتأخر أمريكا عن الترحيب به في أرقى الوظائف، وبالفعل تخلى عن جنسيته الألمانية وشغل منصبًا رفيعًا في جامعة برينستون.
لم تمض سنوات قليلة حتى مُنح أينشتاين الجنسية الأمريكية الدائمة، ليبقى على هذه الأرض ما تبقى من حياته، مساهمًا بنظرياته ومنجزاته العلمية في تقوية شوكة أمريكا علميًا واقتصاديا، ومانحًا علوم الفضاء على وجه الخصوص فرصة لبلورة نفسها والتحليق بالبشرية جمعاء إلى مسافات خرافية لم نعتدها.
لم يكن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ألبرت أينشتاين موقفًا ارتجاليًا بل كان نهجا متبعا في اجتذاب العلماء والمبدعين، فمن قبله وبعده اجتذب كثيرين منهم سابرامانين تشاندراسخار وهو فيزيائي فلكي هندي، أعطي الجنسية وتوفرت له السبل وبيئة العمل الخلاقة، فحصل على نوبل عام 1930.
أما إنريكو فيرمي الفيزيائي الإيطالي الشهير، فقد ضاق ذرعًا بقلة التمويل التي توفره له جامعة روما، لذلك وافق على عرضًا أمريكياً يمنحه الجنسية ويوفر له كل ما يحتاجه، حيث تلقفته جامعة كولومبيا في نيويورك، وشرع في استكمال أبحاثه حتى توصل إلى نتائج غير مسبوقة.
ضمنت له هذه النتائج الانضمام إلى مشروع مانهاتن، حيث كان له دور أساسي وفاعل في بناء نظرية الانشطار النووي، التي ترتب عليها إنتاج أول مفاعل نووي، ومن ثم إنتاج أول قنبلة نووية في العالم، رغم فداحة المنتج ومرارة استخدامه، إلا أنه ساهم جعل أمريكا مباشرة قوة عسكرية عظمى.
أما سيرجي برين الروسي الذي هاجرت عائلته من روسيا إلى أمريكا في وقت مبكر من حياته، فقد درس العلوم والرياضيات وحصل على بكالوريوس من جامعة ماريلاند، واصل دراسته الأكاديمية العليا قبل أن يقرر التفرغ تمامًا لابتكاره الجديد الذي سيغير وجه العالم.
ابتكر الرجل هو وصديق له يدعى لاري بيدج محرك بحث من شأنه الناس استخدامه لتحصيل ما يريدون الوصول إليه عبر الإنترنت بسهولة، كان هذا هو جوجل الذي طرح للاكتتاب عام 2004، ليصبح هو وصديقه من أصحاب المليارات على الفور، فضلًا عن تاريخ عظيم يلاحقهما.
لم يقف النهج الأمريكي في اجتذاب المبدعين على منطقة من العالم بعينها، فقد كان للدول العربية نصيبا من هذا الاجتذاب والتجنيس ممثلا في كثير من العلماء والكفاءات في كافة المجالات، لعل أبرزهم الكميائي المصري الأمريكي الحائز على جائزة نوبل أحمد زويل.
تلقى تعليمه بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، وعمل معيدًا بها قبل أن ينتقل إلى امريكا في منحة مجانية قُدمت له لنيل درجة الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا، نالها في علوم الليزر، ثم عمل كباحث في جامعة كاليفورنيا، قبل أن يتم تجنيسه عام 1982، مستمرًا في جهوده وصولًا لفوزه بنوبل عام 1999.
أما إيلون ماسك الجنوب أفريقي الذي قدم إلى امريكا للدراسة في جامعة بنسلفانيا، فبعد منحه الجنسية الأمريكية حاد به الطريق عن الدكتوراة والمسار الأكاديمي وركز جهوده في عالم الإنترنت، ليبني باي بال ومن بعده تسلا وسبيس إكس، وليصبح حاليًا ملء السمع والبصر والأغنى في العالم.
هناك حقيقة تلخص كل ما سبق وهو أن ما نسبته 40 في المائة من جوائز نوبل التي حصدتها أمريكا خلال العقدين الماضيين كانت لمهاجرين سابقين اجتذبتهم من شتى بقاع الأرض ومنحتهم جنسيتها، مضافًا إلى ذلك كامل الإمكانيات التي يحتاجونها كي يبدعوا ويصلوا لما وصلوا إليه من إنجازات.
ليست أمريكا وحدها من تنتهج نفس هذا النهج بل لحقتها في اجتذاب العلماء والمبدعين، بل كثير من الدول الأخرى مثل كندا وألمانيا وأستراليا وغيرهم ممتثلة لنفس المنهجية، وقد حققت هذه الدول تقدم كبير وجودة ملموسة على سبيل البحث العلمي ومخرجاته.
إن الخطو نحو تشييد الحضارات والأمم العظيمة يحتاج انفتاحًا واجتذابًا لكل الكفاءات الممكنة التي تساعد في ذلك، يوازي هذا الأمر انفتاحًا مجتمعيًا وتلاقيًا مع الآخر في مساحات من التقبل والسلام، إن هذين الأمرين كفيلين بخلق روح واعدة من الحماسة والمنافسة المحمومة ومن ثم النجاح المذهل.
من أجل كل ما سبق أحي قادتنا الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، إقدامهم على توجههم باستقطاب وتجنيس الكفاءات والعلماء وأصحاب التخصصات النادرة، ضمن نهج عمل واشتراطات محكمة، غرضها الأساس هو تدعيم قدرة دولتنا في سيرها الدؤوب نحو ما تترجاه من علا.

جاري تحميل الاقتراحات...