تُومَريِسْ
تُومَريِسْ

@Tomaris255

16 تغريدة 41 قراءة Nov 12, 2021
لمن يهمه الأمر ؛
ثريد خفيف لأبو فهر محمود شاكر رحمه الله :
ويَنبَغِي لِمَنْ كَتَب.. أنْ يَعلَمَ أن صاحِبَ القَلَمِ يَعتَرِيهِ ما يَعتَرِي المُؤدِّبَ عِندَ ضَربِهِ وعِقابِه. فما أكثَرَ مَن يَعزِمُ على خَمسَةِ أسواطٍ فيَضرِبُ مِائَةً!!
لأنَّهُ ابتدأ الضَّربَ وهو ساكِنُ الطِّباعِ، فأراهُ السّكونُ أن الصّوابَ في الإقلال، فلما ضَربَ تَحرّكَ دَمهُ، فأشاعَ فيه الحرارةَ فزادَ في غَضبِه، فأراهُ الغضَبُ أن الرَّأْيَ في الإكثار، وكذلك صاحِبُ القلَمِ. فما أكثَرَ ما يبتَدِئُ الكاتِبُ وهو يُريدُ مِقدار سَطرين، فيكتُب عشرة.
وإنِّي والله لأعزِمُ وأهُمُّ وأثُورُ وتَغلِي المعاني في نفسي، وأحمِلُ القَلَمَ، وآخذ مَجلِسَ الكتابة، أعدُّ العُدَّةَ، وأُريدُ مِائَةَ سَطرٍ، فما أُجاوِزُ سَطرًا أو سَطرَين، ثُمَّ كأنَّ القَلَمَ قد اعْتُقِل، وكأنَّ الفِكرَ قد بطل، وكأن الذي قد كان لم يَكُن!
إنَّ صاحِبَ القَلَمِ كصاحِبِ العَقلِ، فإذا أبَى صاحِبُ العَقلِ أنْ يَخضَعَ عقلُهُ في الحياةِ لبَعضِ غُرُورِها، وأنْ يَجعلَ في عقلِهِ مكانًا لحماقاتِها، شَقِيَ بالنَّقصِ في حياتِهِ إذ رَضِيَ بالتَّمامِ في عَقلِه.
فإذا أبى صاحِبُ القلم أن يَتَهَوَّر، في بَعضِ ما يَنْخَسِفُ من أبوابِ الكتابة، وأن يَنْحَطَّ في بَعضِ الأَوْدِيَةِ الغامِضَةِ البعيدةِ عن طهارَةِ البيان الحقّ، فما بُدٌّ له من أنْ يَتَهَوَّرَ وأنْ يَنْحَطَّ في سَعيرِ الحِيرَةِ والقَلَقِ والضِّيقِ والشَّقاءِ المَريض.
مِن زمَنِكَ أتَيتَ -يا بُنَّي! أنَّكُم لتَعِيشون -أيها الكُتَّاب- في زَمانٍ غيرِ زمانِكِم، وإن أحَدَكُم ليَحمِلُ من قَلَمِهِ عِبْئًا ثَقِيلًا، كَعِبْءِ مَن وَقَعَ في الصحراءِ يَضرِبُ في أرجائِها، وما يَحمِلُ فيما يَحمِلُ إلا ثِيابًا وزِينَةً ومَتَاعًا وفُنونًا من الحضارة.
وهو كان أحْوجَ إلى زادٍ يُزَوِّدُهُ، إلى تَمَراتٍ في جِرابٍ وماءٍ في إدَاوَةٍ، وعَصًا يَستَعِينُ بها على بَعضِ أمْرِهِ.
إنَّكُم لفي زَمَنٍ أهونُ شَيءٍ عليه القَلَمُ، وإنَّ الصَّبَاحَ ليَخرُجُ عليكُم مِن جَنَبَاتِ الأُفُقِ بشَهَواتٍ كَثيرَةٍ تَجعُلُ الحياةَ عِندَكُم عَمَلًا في استِخراجِ أسبابِ المَتاعِ باستِخراجِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ .
وإنَّ الليلَ ليُظِلُّ عليكُم بشَهَواتٍ أُخرَى تَجعَلُ الحياةَ إفناءً لعَمَلِ النهار، فإذا كان نهارُكُم إحياءَ الدِّينارِ والدِّرهَم، ولَيلُكُم إفناء الدينار والدرهم، فأين تَجِدُ يا بُنَيَّ عَمَلَ القلم؟ وأين تَجِدُ من يُبالِى بعَمَلِ القَلَمِ؟
إذا أَرَدتَّ -يا بُنَيَّ- أنْ تَعيشَ بقَلَمِكَ في زمانِكَ هذا، فاحمِلْهُ حِينَ تَكتُبُ على أنَّهُ أداةٌ لاستِخراجِ الرِّزقِ من الحياة، كما يَحمِلُ صاحِبُ الفَأْسِ فَأْسَهُ لاستِخراجِ الرِّزقِ مِنَ الأرض ..
أما إنْ حَمَلتَ القَلَمَ على أنَّهُ أداةُ البيان، وآلةُ العقل، وزِينَةُ النَّفس، وسِرُّ الطبيعةِ المُرَكَّبَةِ في سِرِّ الإنسانية، فأنتَ والله تحفي قلَمَك، وإنَّكَ لتَبدَأُ عامِلًا جاهِدًا مُشتَعِلًا، ثم لا تَلَبَثُ أن تَمَلَّ، فإذا مَلَلْتَ فما أيْسَرَ أنْ تَنطَفِئ.
وأنا أسألُكَ: كيف تَجِدُكَ تَشقَى وتُعانِي وتَتَألَّمُ، ولا تَزالُ من فَزَعٍ إلى فَزَعٍ، ثُمَّ تَجِدُ القَلَمَ إذا حَمَلتَهُ وأنتَ على هذا البلاءِ -مُطِيعًا رَيضًا سَهلًا سَمحًا لا يشمس بعنانٍ في يَدِك؟
إنَّ القَلَمَ أداةُ البيان، ولكنَّهُ أداةٌ تُريدُ رِضاها من صاحِبِها، فإذا أقبَلْتَ عليها وأنتَ تَحمِلُ الهَمَّ وتَتَكَفَّأُ به كما تَتَكَفَّأُ السَّفِينةُ المُثقَلَةُ الموقرة على ثبج المَوج، لم تَستَقِم لكَ نَصبَتُها التي تَجعَلُها أداةً صالِحَةً للعَمَلِ على صورةٍ يعينها.
فإذا أرَدتَ -يا بُنَيّ- إلا القَلَمَ النَّبيلَ الذي لا يَتَهوَّرُ ولا يَنحَطُّ، فامنَعْ نَفسَكَ واحْفَظها وحُطْها، وتَدَبَّرْ لها، وتَرَفَّقْ بها، ولا تمسك القَلَمَ إلا وقد عَلِمتَ أنَّكَ قد نَفيتَ عن نفسِكَ الهَمَّ والخَبَثَ، ونَكَدِ الدنيا، وشَقَاءِ الحياة، وضَرورَةِ العَيشِ ..
ثُمَّ اعمَل له عَمَلَ المُجاهِدِ لا يُبالِي أن يَموتَ، إذ نفي عن قلبِهِ نوازع الحياة، فإذا فعلتَ فقد نفثت في هذا القَلَمِ المُعطَّلِ روح السُّمُوِّ التي لا يُمكِنُ أن تَنزِل ..
وإن القلم يَومَئِذٍ لهو أطوَعُ لكَ مِنَ الحَبيبَةِ في هَوَى مَن يُحِبُّها، إذا أَفْضَت الرُّوحُ إلى الرُّوحِ، وبَقيَ الجُزءُ الأرضيُّ في أوحالِهِ أسيرًا مَمنُوعًا مَكفُوفًا عن عَمَلِ الشَّرِّ الذي هو طَبيعتُهُ وسِرُّ طَبِيعَتِه.

جاري تحميل الاقتراحات...