من خلال عملي لقرابة 20 سنة في الشركات فإن واحدة من أكبر وأخطر المشكلات هي الاعتماد على الافتراضات دون بذل الجهد للتحقق منها. "الافتراض" حسب تعريف قاموس كامبردج هو "أمر تقْبَله على أنه صحيح بدون دليل وبدون تشكيك".
أكاد أجزم أن أثر مشكلة الافتراضات يساوي مليارات الريالات ولكنها مشكلة خفيّة. كم مرة اعتقدنا أننا نفهم المشكلة وبنينا حلاً لها بالملايين واكتشفنا بعد سنين أن المشكلة الحقيقية كانت في مكان آخر؟ كم مرة اعتقدنا أن عملائنا سعداء وخسرناهم ونحن لا زلنا نظن أنهم غادرونا وهم سعداء؟ كم وكم
يحتاج الشخص من ثلاث إلى خمس ثوان حتى يحكم على الشخص الذي يراه لأول مرة، حكم مبني على افتراضات، وتشير الأبحاث إلى أن دماغنا، بالمعدل، يعطينا حكماً خاطئاً بنسبة 50%.
بحسب مجلة (MBJ) الأمريكية فإن هناك حوالي 12 مليون حالة تشخيص طبي خاطئ في أمريكا سنوياً، 28% منها قد تهدد الحياة. عندما بحثت في أسباب التشخيص الخاطئ وجدت أن الافتراضات التي يبنيها الأطباء وعدم التحقق منها هي من أهم أسباب هذه الأخطاء.
الحقيقة المُرة أننا كلما تقدمنا في العمر صار دماغنا أكثر كسلاً. فعندما يرى الدماغ صورة غير مكتملة أو غير واضحة يعود إلى مخزون الذاكرة والخبرة لديه ويجلب أقرب صورة ويضعها أمامك قائلاً: "هذه هي الصورة التي تراها أمامك" مع أن الصورة مختلفة، لكنه الدماغ الذي لا يخبرنا الحقيقة دائماً.
الأمر نفسه يحدث عندما نكون في موقف معين، بدلاً من أن نأخذ وقتاً في الفهم والتحليل، يقوم الدماغ مباشرة بإعطائنا رؤيته وفهمه للموقف بناء على رصيد الخبرة والمعرفة والتجربة، والتي قد لا تُصيب الحقيقة دائماً.
عندما نترك الدماغ يمارس نفس الطريقة في تحليل المواقف باستمرار فإننا نضع الدماغ على وضعية القيادة الذاتية أو التصحيح التلقائي، ومَن منّا يرضى أن يكتب رسائل الجوال اعتماداً على التصحيح التلقائي؟
إذاً، ما الحل؟ عندما تواجه موقفا جديدا أو غامضا فعليك بنظرية البقدونس ☘. إذا ذهبت إلى محل الخضار لتشتري البقدونس، فإنك في الغالب ستتوقف لثوان قبل أن تأخذ ربطة البقدونس لأنك تخشى أن تكون هذه ربطة كزبرة، وأنت تعلم العواقب الوخيمة إن عدت إلى البيت جالباً الكزبرة بدلا من البقدونس 🙃
أول شيء عليك القيام به أن تتمهل وتُفكر وتتبنّى عقلية المبتدئ بل حتى الطفل الذي لا يعرف شيئاً. الخطوة الثانية هي أن تختبر أو تسأل أو تستشير حتى تتأكد، فثمة اختبارات للتفريق بين البقدونس والكزبرة، ثالثاً وأخيراً نتخذ القرار المناسب بناء على فهم وتجريب وتروّ واستشارة.
دماغنا الذي لا يتجاوز وزنه الكيلو غرام ونصف ويشكّل الماء 75% من وزنه يتكون من حوالي مائة مليار خلية عصبية ويقوم بعمليات معقدة للغاية. بحسب الدراسات، نقوم بالتفكير بحوالي 50 إلى 60 ألف فكرة في اليوم، 95% من هذه الأفكار متكررة، اليوم نفس البارحة في الغالب.
حوالي 5% من المواقف أو الأفكار التي نواجهها في يومنا تكون جديدة أو مختلفة، فيجب أن نمرّن أنفسنا أولا على تمييز هذه المواقف، ومن ثم نوقِف أدمغتنا عن التعامل معها على أنها نسخة معروفة مسبقا، بل نطبّق عليها نظرية البقدونس حتى تكون قراراتنا مبنية على فهم دقيق وليس مجرد افتراضات.
وهنا المقال بدقة عالية، لأن تويتر يضغط الصور عادة:
bit.ly
bit.ly
جاري تحميل الاقتراحات...