ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 509 قراءة Nov 08, 2021
"إله الجنس" هكذا وصفته الصحافة، اعتبر الرغبة طاقة مقدسة لا يجب كبتها، اجتذب حوله مئات الآلاف من الشرق والغرب، كون مدينته "الفاضلة"، وكاد يستولي هو وأتباعه على ولاية أمريكية كاملة، كما لم يفته أن يكون صاحب أول هجوم بيولوجي في تاريخ أمريكا
#حياكم_تحت🌹
أنتيلوب بلدة هادئة معزولة تماما، تقع في عمق تضاريس وعرة من ولاية أوريغون الأمريكية، يقطنها 50 نسمة فقط من كبار السن المحافظين الباحثين عن قضاء ما تبقى من حياتهم في هدوء وانقطاع، لا يمر بالبلدة أحد إلا نادرًا، بينما مكتب بريدها هو السبيل الوحيد لتواصل أهلها مع العالم الخارجي.
كان ذلك ضمن العام 1981 حين لاحظ أهل البلدة مرور أشخاص كثر ببلدتهم، أشخاص يرتدون زيًا أحمرًا مائلًا للبرتقالي قاصدين منطقة بيج مودي المحاذية لهم وهي منطقة جرداء موحشة صعبة التضاريس وشاسعة الاتساع، تبلغ نحو 258 كيلو متر.
بعد مراجعة أهل البلدة لعابريهم، استطاعوا استشفاف بعض المعلومات، فهؤلاء ينتمون لمجموعة دينية تتبع فيلسوف هندي يدعى باغون راجنيش، وقد اشترى الأخير منطقة بيج مودي كي يبني عليها مدينة له ولأتباعه، انزعج أهل القرية خصوصا مع الأنباء الإضافية التي تتحدث عن 50 آلاف تابع سيأتون للعيش هنا.
باغون راجتيش أو أوشو كما عُرف لاحقًا؛ هو فيلسوف هندي، ولد عام 1931،عرف عنه تفوقه الدراسي، واشتهر بين أساتذته بقوة الحجة، انضم في الجامعة إلى قسم الفلسفة وأحرز تقدمًا كبيرًا في حصد المعارف حتى حصل على الماجستير عام 1957 وعيّن أستاذًا جامعيًا.
برزت أفكار راجتيش إلى العلن في محاضراته الجامعية، وبدا مندفعًا في نقد الموروثات ونقد المجتمع والكفر بكل الأديان، كان فصيحًا إلى درجة لا تضاهى، لم يستطع طلابه مقاومة أفكاره وطريقة حديثه المبهرة، فتعلقوا به وباتوا له بمثابة الأنصار والمريدين، ثم أخذت دائرة الجذب في الاتساع.
حاول راجتيش أن يشق لذاته طريقًا جديدًا في فهم الحياة ارتكز فيه على نبذ الماضي الديني بكل ما يشتمل عليه وابتكار جانب روحاني جديد من شأنه التكامل مع المادية وما تعنيه وأولى مبادئ روحانيته هو إطلاق العنان لرغبات الإنسان الجنسية وعدم مقاومتها، فالرغبة في فكره هي طاقة "إلهية".
يقول: "بقي الشرق منحرفًا بسبب انهماكه في الروحانية دون سواها، بقي فقيرًا بعيدًا عن العلم ومنجزاته، واختار الغرب المادية؛ لكن الإنسان هناك بقي فارغًا وبلا قيمة، من دون الروحانية يتداعى الإنسان، لذا فالإنسان الغربي نصف غير مكتمل وكذلك الشرقي، مجهودي هنا هو إنشاء الإنسان المتكامل."
يقول: لست مميزًا بأي شكل من الأشكال، أنا لا أدعي أني ابنًا للإله، أنا ببساطة أقول أمرا واحدا "بأني كنت نائمًا وقد استيقظت الآن" أنت نائم ويمكنك الاستيقاظ؛ سأتابع محاولة إيقاظ الناس، فالإنسان اليقظ هو الإنسان الجديد الذي لن يكون مسيحيا أو هنديا أو محمديا، بل سيكون بشرا متيقظا فحسب
توافد عليه الناس من الغرب قبل الشرق، ومع تزايد الأعداد ترك كرسيه الجامعي، وأنشئ له مركزا كبيرا في بونا بالهند، مساحة تملأها الخضرة والورود، ويمارس فيه أتباعه التأمل الحركي الذي ابتدعه، والذي يعتمد على الحركة المفرطة والصراخ وإفراغ كل الطاقة المختزنة في الجسد ثم الاستسلام للنوم.
بلغ هوس الناس به حدًا لا يوصف، فقد اعتبروه بمثابة إله يملي عليهم ما يفعلون، ومع وعيه بأهمية المادة من أجل القوة والاتساع، طلب من أتباعه التبرع له، لتنهال عليه ملايين الدولارات، وهو أمر لفت إليه نظر الدولة، حيث استشعر المسئولون الهنود خطره وقوته، وكان لابد في رأيهم تحييده ومجابهته
وسط تضييق الحكومية، ناقش راجتيش مع سكرتيرته ومساعدته ما أناند شيلا الخطوة التالية، والتي ارتأى نفسه فيها مع أتباعه ضمن مدينة فاضلة من إنشائهم، يقدمونها للعالم كمثال لما يمكن أن يكون عليهم حالهم لو اعتنقوا أفكار جماعتهم، مع التضييقات لاحت في أفقهم أمريكا كأرض لمدينتهم الموعودة.
غادرت شيلا الهند نحو الولايات المتحدة بحثًا عن أرض الأحلام، وبالفعل تعثرت بمزرعة بيج مادي شديدة الاتساع في شمال ولاية أوريغون، اتساع يفي بأحلام راجتيش وأتباعه، لم يمض كثير من الوقت حتى ساعدت شيلا راجتيش على الهروب من الهند إلى الولايات المتحدة.
كان أتباع راجتيش حينذاك يقدرون بعشرات الآلاف معظمهم من الشرائح المتعلمة، ومن بينهم كثير من الأوربيين والأمريكيين، وقد كان القانون في ولاية أوريغون يتيح بناء مدن جديدة بشرط وحيد، أن يجتمع على هذا القرار 150 أمريكيا، وهو أمر كان في المتناول.
بالنظر إلى أتباع راجتيش وكون أغلبهم من الطبقة المتعلمة، فلم يكن صعبا أن يجد التخطيط العمراني والهندسي لمدينته، كما انخرط الأتباع في التنفيذ فحطموا الصخر ومهدوا الطرقات وعملوا ليل نهار دون كلل أو ملل، يبنون مجمعات التأمل والبيوت ومكتبا للبريد ومطار فضلا عن بيت خيالي لزعيمهم الروحي
كما استصلحوا كثير من الأراضي، وبدأوا في زراعتها بأحدث الطرق والمعدات، وتحولت الصحراء على يديهم إلى جنة خضراء وانتعشت الحياة البرية مجددا في المنطقة، واستثمروا جهودهم في تربية الحيوانات والدواجن، واكتفوا ذاتيا من كل شيء.
مع الطقوس المريبة التي يمارسها أتباع راجنيش والتي تتضمن حفلات جنس جماعي، ومع الأعداد الكبيرة من الأتباع المتوقع وصولها للمكان، ضاق أهل بلدة أنتيلوب بالأمر وبحثوا فيما بينهم، وانتهوا إلى رفع دعوات قضائية تطالب بمنع الراجنيش من البناء كون الأرض زراعية في الأساس.
كان الرد سريعا من منظمة راجنيش، حيث استغلوا قدراتهم المالية الضخمة في شراء بيوت أهالي أنتيلوب عبر عروض مغرية، حتى أنهم اشتروا مطعم القرية الوحيد، وأفرغوا القرية تقريبا من سكانها، واستولوا على مجلس البلدة وغيروا اسمها إلى راجنيش تيمنا بزعيمهم.
استمر عمل الراجنيش على مدينتهم "الفاضلة" التي أسموها راجنيش بورام، فبنوا مئات المنازل، وأسسوا شبكات طرق، ومحطة كهرباء شمسية، وبنوا مركز تسوق ومطاعم وسينما، ومكتب بريد، وسدود مائية، حتى أن شيلا قالت "بسبب هذا الإعجاز كان يجب أن نمنح جائزة نوبل."
بعد مضايقات كثيرة من المحليين وتفجيرات طالت أحد الفنادق المملوكة للراجنيش، قرر أعضاء الجماعة إنشاء شرطة خاصة بهم في مستوطنتهم، وشرعت الجماعة في التدرب على السلاح، وبات هذا التطور محل استهجان من الولاية بأكملها، وهو ما حذا بمجلس المقاطعة لإصدار قرار قلب الأوضاع.
منع بناء مدن جديدة ضمن حيز مقاطعة واسكو إلا بموافقة مجلسها، يسري القرار بتاريخ ما قبل إنشاء راجنيش بورام، قرار صادم لأتباع راجنيش، وكان عليهم التصرف سريعا قبل إزالتها، وليس ثمة حل إلا بالسيطرة على هذا المجلس في الانتخابات القريبة القادمة، لكن كيف وأعداد الراجنيش قليلة؟!
جابوا كل أمريكا وجلبوا كل المشردين من شوارعها ووعدوهم ببيوت وتكفل تام بمعيشتهم، في مقابل الحصول على أصواتهم، لكن مجلس المقاطعة قطع عليهم الطريق حين أصدر قرار بمنع المشردين من التصويت وعدم قبولهم كمواطنين لديهم، وبالتالي ضاق الخناق على شيلا وجماعتها.
وجدت شيلا مساعدة راجنيتش ذاتها أمام خسارة المستوطنة، فشرعت في تنفيذ أول هجوم بيولوجي في تاريخ أمريكا، حين قامت بنشر بكتيريا السالمونيلا في كثير من مناضد مطاعم المقاطعة، على أمل نشر مرض بعينه يخيف الناس من الخروج للانتخابات.
بالفعل انتشر وباء مجهول تسبب في حالات تسمم خطيرة لأكثر من 700 شخص، لم يمت أحد منهم، لكن الهجوم خلف رعبا بين الناس، ورغم الهلع الذي صاحب الناس في بداية الهجوم إلا أنه أتى بنتائج عكسية غير التي توقعها الراجنيش حين خرجت المقاطعة للتصويت بنسبة مشاركة تاريخية بلغت 93%.
بجانب هذه التجاذبات بين المحليين والرجنتش كانت المستوطنة تغلي من الداخل، فزعميها المحب للمال وحياة البذخ، المرتدي لأثمن المجوهرات والمالك لطائرتين خاصتين فضلا عن أسطول من السيارات، كان لابد له من البحث عن مزيد من الأموال والجهات الداعمة خصوصا مع توسعات جماعته المطردة.
انجذب للراجنشية جمع كبير من نجوم هوليوود، وتمنوا على راجنتش الانتقال معه للعيش في مستوطنته مع تدفقات مالية هائلة منهم كتبرعات، قرر الزعيم منازل لهم تتسم بالفخامة على عكس مساكن مريديه الآخرين، وهو أمر ضرب فكرة المساواة ونفي الطبقية التي يدعو إليها في مقتل.
انفرط العقد، وخشيت شيلا على زعيمها ضيوفه الجدد أن يقودوه للانتحار، فاستهدفت أحدهم بالسم، لكن لم يفلح الأمر، وهربت الأخيرة بعيدا، وأحس راجنتش قرب القبض عليه، فاستقل طائرته هاربا باتجاه جزيرة برمودا التي لا ترتبط مع أمريكا باتفاقية تسليم، وعلى إثر ذلك تداعت المستوطنة وانهارت.
أجبر على الهبوط وقبض عليه وحوكم، لكن لم يكن ثمة دليل قوي يدينه إلا قضية دخوله لأمريكا بطريقة غير شرعية، أدين بذلك، وأعيد إلى الهند، حيث كان أتباعه في انتظاره هناك، غير اسمه ل أوشو هربا من اسمه السابق الملطخ بالجرائم وبعد خمس سنوات، تحديدا ١٩٩٠ توفي الرجل.
أما شيلي فقط قبض عليها وأدينت بكثير تهم من بينها الهجوم البيولوجي ومحاولات اغتيال غير ناجحة ضد عدد من المسؤولين، وعدد من الحرائق، وانتهى المطاف بالحكم عليها بالسجن عشرين عاما، قضت منهم ٣٩ شهرا ثم أفرج عنها وتعيش حاليا في سويسرا وتمتلك داري عناية بالمسنين.
في عصرنا الحالي أضحى الدجالون يطلون علينا عبر منصات التواصل المختلفة، يبيعون الوهم والدجل والخرافة وللأسف لا يزال هناك من يصدقهم!!

جاري تحميل الاقتراحات...