د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

139 تغريدة 63 قراءة Nov 14, 2021
سيكون هذا الكتاب محور تغريداتي في الأيام القادمة بإذن الله.
(تاريخ الفلسفة في الإسلام) للمستشرق الهولندي دي بور.
يمثّل هذا الكتاب أهمية كبرى لأنّه أول كتاب موسوعي يتناول تاريخ الفلسفة الإسلامية بالتفصيل، وقد صدر أولاً باللغة الألمانية ثم تُرجم إلى الإنجليزية ثم إلى العربية.
ويتحدث فيه الباحث عن بدايات الفلسفة عند المسلمين منذ نشأتها حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري.
وقد عدّه كثير من الباحثين أفضل كتاب يعرض الفلسفة الإسلامية بطريقة منظمة وحديثة.
يقول محمد عابد الجابري: هو أحسن ما كتبه المستشرقون عن الفلسفة الإسلامية.
إذاً بين يدينا أفضل نص مُتاح يقدم لنا التاريخ الفلسفي للثقافة العربية بأسلوب عصري.
وهنا، سأبذل جهدي لأقدم لكم عصارته.
لقد عُني المستشرقون بدراسة الثقافة الإسلامية بكاملها، ولكن الفلسفة حظيت باهتمام خاص، وكتبوا حولها موضوعات كثيرة ومتنوعة.
وحتى الآن نحن نعتمد في معرفة الفلسفة الإسلامية على كتابات المستشرقين غالباً، رغم أنّها برزت شخصيات عربية في السنوات الأخيرة تهتم بالفلسفة الإسلامية وتدرسها.
في المقدمة يتحدث دي بور عن قصور البحث في الفلسفة الإسلامية نتيجة ضياع الكثير من كتبها ومخطوطاتها، ونتيجة عدم اهتمام العرب أنفسهم بهذا الجزء المهم في ثقافتهم.
كما يربط بين فلاسفة المسلمين وفلاسفة اليهود ويعتبرهم جميعا في دائرة ثقافية واحدة؛ إلا أنّ اليهود أكثر اهتماماً بفلاسفتهم.
كان العرب في الجزيرة قبل ظهور الإسلام يعيشون حياة الإنسان البسيط الذي لا يشغله شيء غير ما يلامس حياته بشكل مباشر.
وكانت البداوة والغارات فيما بينهم قد قصرت ثقافتهم على الشعر والقصص البطولية للمحاربين.
وكانت الإحالة على الخالق تسد الثغرات الكثيرة في جهلهم بأسرار الحياة والإنسان.
تُعد الفلسفة مرحلة متقدمة جداً من التفكير، وتحتاج إلى فضول كبير من الوقت مع حياة مترفة ومدنية.
الإنسان البدائي المشغول بمعاشه وتلبية متطلباته الضرورية لن يهتم بالقضايا الفلسفية لأنّه منهمك في حياته وغارق في تفاصيلها، حتى جاء محمد وغيّر نظام التفكير، وبدأت الحضارة العربية تتكوّن.
في فترة قياسية استطاع العرب الإطاحة بالفرس، وانتزاع الشام ومصر من بين فكّي الإمبراطورية الرومانية، وتأسست الدولة الإسلامية العظمى، وبدأت معالم الحضارة في العواصم التي اتخذها العرب مقراً لهم مثل دمشق وبغداد، وأخذت الحركة العلمية منعطفاً جديداً برعاية الخلفاء العرب.
كانت المناصب العليا والوظائف المهمة في الدولة توكل إلى العرب، ولذلك سرعان ما صارت اللغة العربية هي الرسمية والرئيسية عند الشعوب المغلوبة.
ولكن انشغال العرب بالمراكز الإدارية قد أفسح مجال العلم والفكر لغيرهم، وهذا يفسّر كثرة العلماء والفلاسفة من غير العرق العربي داخل دولتهم.
منذ عصر هارون الرشيد وُجِدت في بغداد دار للكتب ومعهد للعلماء، وفي عهد المأمون نشطت حركة الترجمة، ونُقِلت الحكمة اليونانية إلى اللغة العربية، وأُلِّفت شروح ومختصرات، ويعود الفضل للعرب في حفظ كثير من الإرث اليوناني الذي شارف على الضياع، ووصل النشاط العلمي أعلى ذُرى صعوده.
ومنذ ذلك الحين صار للشرق العربي حكمة وفلسفة ومعرفة أضافت للثقافة الإنسانية الشيء الكثير.
ولكن بعد أن اشتدّت هجمات التتار على البلاد العربية في القرن السابع الهجري، ودمّرت كل المكتسبات الثقافية في العواصم العلمية؛ خبا نور العرب، ولم تزدهر في تلك البلاد ثقافة تُذكر حتى الآن.
دخول العرب على البلاد المسيحية، وتعرفهم على الخلافات اللاهوتية بين الكنائس، واحتكاكهم بالفرس والهنود، وحصولهم على شيء من الميراث المعرفي للرومان في الإسكندرية، ومساهمة السريان في تدريس العلوم اليونانية؛ كلها وغيرها عوامل أضافت إلى العقل العربي حكمة تنامت تدريجياً.
بدأ الاهتمام العربي بالإرث اليوناني عن طريق ترجمة كتب الأطباء مثل أبقراط وجالينوس، وسحبهم ذلك إلى كتب الفلسفة؛ فوجدوا في إلهيّات أفلاطون ما يناسب عقيدتهم فترجموها ودرسوها، وقد كانوا يشمئزّون من أرسطو في بادئ أمرهم، ثم صار معظّماً لديهم، وكان مقتلة حادثاً أليماً أثار شفقتهم.
ثم اكتسب المترجمون شيئاً من الحكمة، وقدموا مؤلفات خاصة بهم، لم يصلنا منها إلا النزر اليسير.
وقد كتب "قسطا بن لوقا" رسالة قصيرة في الفرق بين النفس والروح، وتُرجمت إلى اللاتينية، وبقيت حتى هذا اليوم، ومما ذكره أنّ الروح كلما كانت رقيقة كان صاحبها عاقلاً مفكراً وسائساً مدبراً.
وقد كان لأرسطو وصية مشهورة ومكتوبة على معبد دلف وهي (اعرف نفسك تعرف ربك) فالتقطها العرب ونسبوها إلى علي بن أبي طالب، وبعضهم نسبها إلى النبي محمد.
وقد أخذ أرسطو حيّزاً كبيراً من الاهتمام والاحتفاء وذاع صيته واسمه حتى نسبوا إليه كتباً وأقوالاً من أجل ترويجها مثل كتاب (التفاحة).
وفي هذا الكتاب يقرر أرسطو بأنّ المعرفة هي أسمى مطالب الحياة، وأنّ النفس لا تجد لذّتها وسعادتها إلا في الحكمة، وأنّ العارِف لا يخاف من الموت، بل يلقاه مستبشراً عندما يناديه الإله، وأنّه يجد في الموت سعادة عظيمة عندما تنكشف له العوالم التي كان يجهلها في محبسه المادّي.
وكذلك احتفى العرب بكتاب (الربوبية) لأرسطو، وفيه الحديث عن أفلاطون بوصفه حكيماً إلهياً يعرف بالتفكير الحدسي أكثر مما يعرف بالتكفير المنطقي.
ويؤكد أرسطو على أهمية معرفة النفس وآثارها، وضرورة أن يتعالى الحكيم عن الأهواء وأغراض النفوس، ويرتفع عن قيود العامّة، ويتجرّد للحق.
رغم اهتمام العرب بأرسطو إلا أنّهم لم يميزوا كتبه الحقيقية عن المنحولة، كما كانت تنقصهم بعض أجزاء مذهبه مثل كتاب السياسة؛ فاستعاضوا عنها بكتابي الجمهورية والنواميس لأفلاطون.
لقد أظهروا الاحترام لعلوم اليونان، وحاولوا إقناع العوام بعدم وجود فرق جوهري بينها وبين الحكمة الإسلامية.
رغم أنّ بدايات النشاط الفلسفي بين العرب كان يعتمد على دراسة الفلسفات الأجنبية، إلا أنّ هذا لا يعني أنّه كانوا مستهلكين فقط.
لم تكن الفلسفة الإسلامية مجرد وسيط بين الفلسفات، بل كانت فاعِلة ومؤثرة، وكان لكبار الفلاسفة المسلمين ملامحهم الخاصة التي تميّزهم عن غيرهم.
لقد تفاقم تأثير الفلسفة في الثقافة العربية حتى شملت علومهم الخاصة مثل الفقه والنحو، وسبق نحاة البصرة إلى الانتفاع بالمنطق، وكان بينهم كثير من المعتزلة، وقد جعلوا للقياس شأناً كبيراً في تحديد الأحكام، ثم قلّدهم البغداديون في مرحلة لاحقة، ولذلك سمي نحاة البصرة (أهل المنطق).
وقد كان للعرب اهتمام كبير جداً بلغتهم، ويحق لهم أن يفخروا بها؛ ففيها من الدقة والعمق والتصوير والتعبير ما لا يوجد في غيرها، وكثير منهم فضّل علوم اللغة على الفلسفة، ومن أشهر علمائهم سيبويه الذي أخرج كتاباً لا يُحاكيه في الجودة والإحكام إلا كتاب القانون في الطب لابن سينا.
أما في الفقه فقد برزت مدرسة (الرأي) التي أسسها أبو حنيفة، وهي تعطي القياس نصيباً من استنباط الأحكام، عند عجز النصوص القرآنية والحديثية، وتطوّر الأمر حتى أصبح القياس أصلاً في استنباط الأحكام الفقهية.
وكل هذا حدث بفضل انفتاح العرب على الفلسفة ودراستهم لها وتأثّرهم بها.
في المقابل كانت هناك معارضة شديدة من سذّج أهل الورَع (الحشوية) الذين يرفضون تدخّل أي عامِل معرفي من خارج النص الديني في تحديد الأحكام.
ولكنهم اصطدموا باتساع الحياة وتضخمها وانفتاح العرب على غيرهم؛ حتى أصبح النص الديني عاجزاً عن تقديم الحلول لكل القضايا والإشكالات التي تواجههم.
لقد أثّرت النظريات الفلسفية اليونانية في غالب نواحي الحياة عند العرب؛ السياسية والأخلاقية والروحية، ونالت المباحث الفلسفية السياسية اهتماماً أكثر من غيرها.
وكان لأفلاطون وفيثاغورس بصمات على الاتجاهات الصوفية والزهدية.
ودخلت الفلسفة ضمن القانون الشرعي العام للدولة.
وقد كانت نشأة علم الكلام في هذه الأجواء الفلسفية العالية؛ لأنّ المسلمين وجدوا بأنّ دينهم يعتمد على نصوص بسيطة لا تقاوم تلك المعارف العقلية التي جاءتهم من الخارج؛ فلجأ أهل الكلام إلى عقلنة الدين ومنطقته، وتقوية أسسه بالحجج العقلية ليواكب الوعي الجديد الذي اختلف كثيراً عن الماضي.
الحشوية لا يفهمون هذه النقطة.. يتوقعون بأنّ أهل الكلام قد ابتدعوا في الدين، بينما أهل الكلام كانت عيونهم تراقب الوافِد الفكري الجديد الذي يكاد يكتسح الساحة؛ فقاموا بفلسفة الدين على أسس عقلية ومنطقية حتى لا يهتز أمام هذا الوعي الجديد الذي لا تصمد أمامه المعارف البدائية.
بدأ الحِراك الفلسفي داخل المنظومة الإسلامية بقضية القدَر، وهي نفسها القضية التي كانت تشغل المذاهب المسيحية في ذلك الوقت.
ومن هذا الخلاف ظهر خطّان هما: القدَرية والجبْرية.
رغم التناقض بينهما إلا أنّ المنطلقات والمقدمات عقلية محضة، ويقابلهم الحشوية الذين قدموا نظرية متناقضة.
لم يدم الأمر طويلاً حتى نضج مذهب عقلاني كبير يمثّل حقيقة الفلسفة الإسلامية، ويضاهي الفلسفات العالية في الأقاليم المجاورة، وهو مذهب المعتزلة الذي تسيّد المشهد الإسلامي في بداية العصر العباسي، وقد نال المذهب تأييد خلفاء بني العباس من المأمون حتى المتوكل، وجعلوه عقيدة الدولة.
وهناك في الخط الموازي يوجد التيار الحديثي أو (الحشوي) الذي يمارس هوايته المفضلة في تكفير المختلفين والهجوم عليهم ورفض مشاريع الدولة التطويرية كالترجمة وغيرها، ودخل في صراع مع شيوخ المعتزلة ومع السلطة السياسية.
وظل منكفئاً على نفسه يعتمد على المنقولات ولا يعبأ بالعقل.
يؤمن المعتزلة بأنّ الحكمة في الإسلام هي نفسها الحكمة في الأديان الأخرى، وأنّ الخلاف بين الأديان ليس مردّه إلى الحقائق، بل ما يُحيط بها من ظروف وبيئة وسياسة.
ولذلك اختلفوا عن المذهب الحشوي بشكل كبير جداً.
لقد وصل سقف العقل لديهم إلى مستوى لم تصل إليه الثقافة الإسلامية بعدهم.
وفي نفس الوقت كان المعتزلة أشدّ صلابة من غيرهم في الدفاع عن الإسلام ورسوله؛ ولذلك يتوهّم من لا يفهم بأنّهم متناقضون.
والحقيقة أنّ دفاعهم عن الإسلام كان دفاعاً عن الكيان السياسي للمسلمين.
لقد كانوا متعصّبين جداً لدولة المسلمين، في الوقت الذي كانوا فيه عقلانيين فكرياً.
بمعنى آخر؛ المعتزلة كانوا يردون على كل السهام التي تستهدف دولة المسلمين ويتصدّون لها بكل بسالة.
ولكن في مجال البحث العلمي والجِدال الفلسفي فإنّ المعتزلة يعتقدون بأنّ الإسلام وجه عربي لحكمة كونية، ولذلك لا مانع من النظر في الفلسفات الأجنبية وتسويغ الاعتقاد بها لأهلها.
كان من شيوخ المعتزلة أبو الهذيل العلاف، وإبرهيم النظام، وقد وصفه الجاحظ بأنّه واسع العلم، وغوّاصٌ على الدقائق، ومأمون اللسان، وقليل الزيغ، وجيّد القياس.
ومن شيوخهم معمر بن عباد وأبو هاشم.
وكذلك الجاحظ ولكنه أقل نبوغاً منهم رغم كثرة تصانيفه.
وغير هؤلاء شيوخ كثر في مختلف الأقطار.
في القرن الثالث الهجري ظهر رجل من بين المعتزلة يُسمى أبو الحسن الأشعري، حاول تخفيف النزعة العقلية عند المعتزلة ليخاطب العوام ويحميهم من الحشوية؛ فأسس مذهباً كبيراً يُسمى مذهب أهل السنة، ومن أشهر نظرياته التي قدمها في القدَر (الكسب) وتعني نسبة الفعل إلى الله والإرادة إلى الإنسان.
لم يكن جميع المسلمين شغوفين بالفلسفة وعلم الكلام؛ فهناك طائفة منهم كانت تميل إلى رعاية القلب والارتقاء بالروح والزهد في الملذّات؛ فظهر التصوّف متأثراً بعوامل مسيحية وفارسية.
وهذا اتجاه له بوادر في عصر الإسلام الأول، وقبله عند اليهود والمسيحيين.
تاريخ رهبان النصارى يعيد نفسه.
وجد التصوّف انتشاراً بين العوام؛ لأنّ آثاره على النفس سريعة؛ فالصوفي يستشعر في نفسه ما يظن بأنّها أدلّة حصوله على الرضوان.
تطوّرت هذه الظاهرة وصارت مدرسة كبيرة لها شيوخ ومنظّرون وطرق، وكان الاعتماد فيها على المواجيد والأحاسيس.
أما الجانب العقلي فغالبهم كان يقلد أبو الحسن الأشعري.
أما الأدب؛ فلم تكن الفلسفة سبباً لقطع العرب عنه؛ بل حتى الإسلام نفسه لم يصرف اهتمامهم عنه كما حدث عند المسيحيين.
لقد ظل العرب يهتمون بالشعر ويحتلفون به، ويحفظون أشعار أسلافهم قبل الإسلام ويتناقلونها.
ولكن الفلسفة أثّرت في موضوعات الشعر كما نجد عند أبي العلاء المعرّي وغيره.
فيما يتعلق بالتاريخ والجغرافيا؛ فقد أثمرت الفلسفة بروز تيار يُعنى بتدوين كل ما هو مكسب للإنسان، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية، وأكبر مثال لهذا التيار المؤرخ أبو الحسن المسعودي، والجغرافي شمس الدين المقدسي.
لم يكن النتاج العلمي لهم خادماً للعرب بقدر ما كان يخدم البشر جميعاً.
لقد صرّح المقدسي بأنّ ما جاء في القرآن من حقائق جغرافية عن الأرض تُخالف الواقع كانت متناسبة مع ضيق الدائرة المعرفية لأهل مكة، وكان الله يخاطبهم على قدر معارفهم.
ولذلك يجب أن يؤخذ العلم بالبحث والاستقصاء لا بمجرّد قبول الموروث الإيماني على عمى.
وقد حظيت أعمال المقدسي بتكريم بالغ.
وفي الرياضيات كان أستاذ العرب هو فيثاغورس، مع بعض المادة التي جاءتهم من الهند، وقد أعطوا هذا المجال اهتماماً كبيراً لأنّه باب إلى معارف مختلفة؛ كالفلسفة والطب والهندسة والموسيقى والفلك، وقد أبدعوا في التنجيم في عهد الأمويين، وصاروا في عهد العباسيين أكثر إبداعاً.
أما الحشوية فقد كانوا يقفون من الرياضيات والطبيعيات (الفيزياء) وغالب العلوم الحديثة موقف الشك والرفض، ويعتقدون بأنّها تصادم العقيدة الدينية وتثبت شريكاً لله.
ولذلك كانوا يهاجمون العلماء وينصحون العوام بتعلم أحكام الدين وحفظ الحديث وترك الفلسفة لأنّ أهلها زنادقة وملحدون.
وفي مجال الطب اشتدّت عناية العرب بتعلّمه، ونال الدعم السخي من الخلفاء، وكانت أصول الطب ومبادئه تُدرّس في مجالس العلم مع غيره من أبواب العلم، وكان أستاذهم الأول جالينوس.
وظهر بينهم جدَل كبير حول طريقة الطب؛ هل هي باتباع إرشادات الأوائل، أم هي بالتجربة المحضة والقياس المنطقي!
وقد لمع اسم أبو بكر الرازي كواحد من أشهر الأطباء الأوائل، وهو فيلسوف مشهور، كان يرى بأنّه يجب على الطبيب أن يكون عارِفاً بعلم النفس؛ لكي يستشفّ أعراض المرض من خلال الملامح الظاهرة.
وكان خصماً شديداً للحشوية ويرى بأنّ الشريعة لا تعني إلا القوم الذين بُعِث فيهم النبي.
ويرى بأنّ لكل زمان ومكان شريعة خاصة ومناسبة، ويستطيع العقلاء والحكماء تحديدها والاتفاق عليها، ولذلك لم يكن يرى تحريم الخمر.
وفي الجانب الآخر كان الرازي يُهاجم الدهريين الذين ينكرون خالقاً للكون.
وقد اجتهد في دراسة الكيمياء وتمكّن منها، ورأى بأنّه لا غنى لأي فيلسوف عنها.
تنامت الاهتمامات الفلسفية عند العرب، وتجلّى ذلك في ظهور مذاهب فلسفية كثيرة، ولكن برزت ظاهرة غريبة لم توجد في مكان آخر، وهم (إخوان الصفا وخلّان الوفا)، وهم عبارة عن تنظيم اجتماعي بطبقات متفاوتة، بأهداف علمية وفكرية وسياسية، ولهم منشورات علمية كثيرة مجهولة الكاتب.
يعتقد إخوان الصفا بأنّ الشرائع موجّهة إلى العوام، وأنّ الأنبياء والحكماء يعرفون مقاصد باطنية لا يستطيع العوام فهمها، وأنّ نُخبة الناس وصفوة البشر هم من يعرف تلك الحِكَم والقيَم ويدور معها.
وأنّ العلم والحكمة والتفكير هي وسائل ارتقاء الصفوة، بينما العبادات وسائل ارتقاء العوام.
ولذلك كان مشروع إخوان الصفا هو نشر تلك الحكمة الباطنية وتبسيطها وجعلها مفهومة للناس.
فهم يعتقدون بأنّ تلك الحكمة هي الدين العالي وهي الجوهر الذي تشترك فيه كافة الأديان، وأنّ من يفهمها ويستطيع استيعابها فقد اقترب من درجة الأنبياء، أو من هو قريب منهم كالفلاسفة، وكان لهم تأثير كبير.
وكانوا يعظّمون كافة الأنبياء والفلاسفة ويضعونهم في درجة واحدة؛ فسقراط وأفلاطون وزرادشت وموسى ومحمد يأخذون نفس التقدير والتوقير.
وما وصلنا من رسائل إخوان الصفا عبارة عن (دائرة معارف) متعددة القضايا والموضوعات، ولا يبدو بينها ترابطاً وانسجاماً نظراً لتعدد الكتاب واختلاف مشاربهم.
وكانوا ينظرون إلى القرآن والشريعة الإسلامية على أنّها موجهة لأشخاص بسطاء وبدائيين جداً، وأنّ القرآن قد خاطب العرب بما يناسب تصوراتهم ومفاهيمهم وأذواقهم، وأنّ نسبة الغضب والتعذيب إلى الله خرافة، ولا وجود لملذات شهوانية في الآخرة، وأنّ البعث هو الموت، وأنّ حياة النفس بالمعرفة.
ويعتقد إخوان الصفا بأنّ الصلاح والاستقامة يكون بالبعد عن التكلّف وملازمة الطبيعة العفوية، وأنّ الأعمال الصالحة التي تستوجب الأجر والرضوان من الله هي ما كانت موافقة للسنن الكونية، وأنّ محبة الله والاشتياق إليه هي أسمى الفضائل، ودليلها الرضا بالأقدار الكونية والتسليم لها.
على أية حال؛ أحدثت ظاهرة (إخوان الصفا) أصداء كثيرة في بلاد العرب، وقد قال عنهم المستشرق الألماني فريدريتش ديتريصي بأنّهم "داروينيو" القرن العاشر الميلادي؛ نظراً لأنّ مباحثهم اشتملت على نظرية التطوّر بأسلوبهم الخاص.
ودخلت أفكارهم في كثير من المذاهب، وكذلك سُرِقت وانتُحِلَت.
لقد كان أول فلاسفة العرب الآخذون بمذهب أرسطو والمتأثرون بالأفلاطونية الجديدة هو أبو يعقوب الكندي من قبيلة كندة العربية، وقد قيل إنّه أول مشّائي في الإسلام، وكان له اتصال بالمعتزلة.
وللأسف لم تجد مؤلفات هذا الفيلسوف العناية الواجِبة؛ لأنّه ظهر في وقت مبكر، وهو القرن الثاني الهجري.
كان الكندي رجلاً واسع الاطلاع، يستظهر معارف جمّة في الفقه والطب والرياضيات والفلسفة، وقد اهتم بالدفاع عن الأنبياء، وبيان أنّهم يقدمون حكمة الفلاسفة بلغة الناس التي يفهمونها، وله رسالة بعنوان (تثبيت الرسل عليهم السلام)، يقرر فيها بأنّ الدين والفلسفة يكمّلان بعضهما في الأهداف.
يقول الكندي بأنّ الموجودات مرآة لبعضها، وعندما نعرف موجوداً على وجه التمام فقد حصلنا على مرآة عاكسة لكافة الموجودات الأخرى، وأنّ النفوس الفاضلة تتطلّع إلى المعارف السامية دائماً.
ويعتبر كاردان - أحد فلاسفة عصر النهضة - بأنّ الكندي واحد من اثني عشر مفكراً، هم أنفذ المفكرين عقولاً.
إذاً هو معتزلي العقيدة، ومن الآخذين بالمذهب الأفلاطوني الجديد، مع إضافات من المذهب الفيثاغوري، وكان شديد الإعجاب بسقراط، وقد كتب عنه مؤلفات كثيرة، وحاول التوفيق بين آرائه وآراء أفلاطون.
وهو أول فيلسوف مسلم يعتني بمذهب أرسطو ويترجمه وينشره ويحتذي حذوه في التأليف.
ومن أشهر تلاميذه أحمد بن محمد السرخسي الذي اشتُهِر بالكيمياء، وأبو معشر الذي كان من أشد خصوم الفلسفة؛ فانقلب على عقبيه وصار تلميذاً عند الكندي، وغالباً لم يخرج التلاميذ عن آراء أستاذهم.
ومن الوارِد أنّ إخوان الصفا قد استفادوا منهم وضمّنوا رسائلهم شيئاً من كتابات الكندي وتلاميذه.
في القرن الرابع الهجري أُسدل الستار على الطبيعيين، وظهرت فلسفة أصحاب المنطق، يترأسهم الفارابي الملقّب بـ (المعلم الثاني) كخليفة للمعلم الأول أرسطو.
اختفت عبارة (الصانع الحكيم) التي كان الطبيعيون يصفون بها الله، وظهرت عبارة (واجب الوجود) لأصحاب المنطق، كمثال على اختلاف المدرستين.
تبوأ الفارابي مكانة عالية بين العرب، بعد أن جمع علوماً غزيرة، وكتب في الرياضيات والموسيقى، وحصل على التقدير في مجلس سيف الدولة، وقد أحصى كتب أرسطو وأعاد ترتيبها وفهرستها، وشرحها وفسّرها، وبالغ الناس في نسبة العلم إليه حتى قالوا بأنّه يتكلم بجميع لغات أهل الأرض.
على غرار الكندي، حاول الفارابي إثبات أنّ أفلاطون وأرسطو متفقان في الأصول، وأنّ الخلاف بينهما هو في المنهج والعبارة اللغوية، وكان يعتبرهما إمامان عظيمان في الحكمة.
وكان يرى بأنّ إجماع أرسطو وأفلاطون على مسألة في العلم أوثق وأقوى من إجماع كافة الفقهاء على مسألة.
وقد اعتُبر الفارابي من جملة الأطباء لأنّه اشتغل بالطب زماناً، ولكنه في آخر أمره اهتم بتطبيب النفوس، وكان يقول بأنّ الشغف بالحقيقة وصدق الرغبة فيها كفيل بهداية الإنسان لها.
ومن أقواله أنّ المنطق هو اللغة الكونية التي يفهمها كل الناس، خلافاً للغة الخاصة بشعب واحد.
وكان يقول بأنّ المعرفة الحقيقية التي تؤثر في النفس وترقيها هي القائمة على البرهان، ولذلك اعتبر الشعر أحط أنواع المعرفة لأنّه قائم على المجاز والخيال الذي يدغدغ المشاعر فحسب.
ولذلك كان القرآن موجّه إلى أمّة لا تملك من البرهان إلا النزر اليسير؛ فكثرت فيه التصاوير والتشبيهات.
ومن نظريات الفارابي أنّ الموجود كلما كان أكمل كانت المعرفة به أوجب وأتم؛ ولذلك معرفتنا بالرياضيات أكمل من الطبيعيات.
والله تعالى هو أكمل الموجودات وأوجبها ولذلك من المنطقي أن تكون معرفتنا به أكل من أي شيء آخر، ولكن حالنا معه كحالنا مع الشمس التي لا نستطيع التحديق فيها فنجهلها.
ومن نظريات الفارابي أنّ الموجود كلما كان أكمل كانت المعرفة به أوجب وأتم؛ ولذلك معرفتنا بالرياضيات أكمل من الطبيعيات.
والله تعالى هو أكمل الموجودات وأوجبها ولذلك من المنطقي أن تكون معرفتنا به أكمل من أي شيء آخر، ولكن حالنا معه كحالنا مع الشمس التي لا نستطيع التحديق فيها فنجهلها.
القوى الإدراكية المزروعة فينا والمحتجبة بالجسم المادي لا تستطيع أن تعرف الله على حقيقته؛ ليس بسبب بعده عنا أو خفائه؛ فهو ظاهر إلى أعلى درجات الظهور والوضوح، ولكن ذاته أوسع وأعظم من مداركنا؛ فنعرف وجوده وبعض تجليات صفاته فقط.
وسوف تنكشف لنا هذه الحقيقة عندما نغادر الحجاب الجسماني.
يعتقد الفارابي بأنّ النفس كمال الجسم، والعقل كمال النفس، وكمال العقل أن يتطلّع إلى العقول العلوية، والمقصود بهم الملائكة.
وهذا التسامي إلى الأعلى يكون عند الحكماء بطلب الحكمة واستجلائها، وعند العوام بالرياضات والأعمال.
ويرى بأنّ العقل ميزان الأخلاق، والمعرفة أجلّ من الإيمان.
وأما مدينته الفاضلة وهي الدولة التي يفترض بأنّها الأكمل للمعيشة الإنسانية؛ فيرأسها حاكم يتصف بكل الفضائل الإنسانية والفلسفية، كما أنّه مؤيّد بالوحي الإلهي؛ فهو أفلاطون في ثوب النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
كما إنّه يفضّل المعارف الفلسفية على الدينية، ويعتقد بأنّ حظّ الصفوة.
وقد اشتُهِر من تلاميذ الفارابي أبو زكريا بن عدي وهو من المتشغلين بترجمة كتب أرسطو.
وكذلك أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني الذي التفّ حوله علماء بغداد في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وهو أيضاً فيلسوف كان يرى بأنّ الفلسفة تؤيد نظريات الدين، والدين يكمل ثمرات الفلسفة.
كما تحدث الفارابي عن (آراء أهل المدينة الجاهلة والضالة) ورد على نظريات تخيّلها بنفسه ولم تنشأ إلا عند فلاسفة متأخرين رأوا بأنّ كمال المعيشة يكون بالتغالب بين الناس كما يحدث في الغابة، ويقولون بأنّ هذه طبيعة الحياة ويجب الاستجابة لها؛ ففيها استقامة الحياة رغم ما فيها من ألم.
ننتقل الآن إلى القرن الخامس الهجري، حيث بدأ النشاط الفلسفي عند العرب يخبو قليلاً، ولكن يوجد فتى صغير مازال يترعرع في معاهد الفلسفة سوف يعيد نفخ الروح فيها ويذهب بها إلى أماكن بعيدة ألا وهو ابن سينا، ولكن قبله سنتوقف عند ابن مسكويه الفيلسوف والطبيب واللغوي والمؤرخ.
رغم أنّ الفارابي أقرب إلى ابن مسكويه من الكندي إلا أنّ ابن مسكويه بدا أكثر شبهاً بالكندي، وقد ركّز في فلسفته على الأخلاق، وقدّم مزيجاً من آراء أفلاطون وأرسطو وجالينوس والإسلام، غير أنّ نزعة أرسطو غالبة عليه، وكانت مباحثه تدور حول ماهيّة النفس ومعارفها وعلاقتها بالعالم المحسوس.
وكان يرى بأنّه يوجد في النفس معرفة عقلية أولية لم تأتها من طريق الحواس، وفيها مُدرَكات إذا قويت استطاع الإنسان التمييز بين الصح والخطأ بدون الحاجة إلى الحواس، ويرى ابن مسكويه أنّه يوجد في الناس صالحين وأخيار بالطبع والفطرة، ولا ينتقلون إلى الشر أبداً، وهم فئة قليلة.
ويرى بأنّ السعادة مسؤولية جماعية وليست فردية؛ ولذلك يجب على البشر أن يتعاونوا ويجتمعوا ويتصالحوا؛ لأنّ سعادة الواحد منهم مرتبطة بسعادة غير من أفراد الجماعة، وأول واجبات السعادة هي محبة الإنسان للناس كافة، وبدون هذه الروح الجماعية المتآلفة لا توجد الجماعة ولا تقوم الأخلاق.
وقد استمدّ نظريّته في المحبة من أحكام الشريعة الإسلامية، حيث قال بأنّ الشعائر الدينية كصلاة الجماعة والعيدين والحج ونحوها تدريبات لغرس فضيلة المحبة والاجتماع والتآلف بين الناس.
ويقول بأنّ أحكام الشريعة الإسلامية إذا فهمت على حقيقتها كانت أعظم مذهب يدل على محبة الإنسان للإنسان.
في عام 980م على مقربة من بخارى ولد فتى متفرّد الشخصية، وسريع البديهة، وزكي السريرة، وبالغ العبقرية، وقد نضج عقله نضوجاً سريعاً، وطلب العلم بنفسه بدون أشياخ، وعرف كيف ينتفع بثقافة عصره، ولمع اسمه في سماء العلماء منذ بداية شبابه.
إنّه أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا.
في السابعة عشر من عمر ابن سينا أوكلت إليه مهمّة علاج الأمير نوح بن من منصور الذي أضناه المرض فبرئ على يديه؛ فقرّبه وأدخله إلى مكتبته وأكثر عليه من العطايا، وبدأت رحلة ابن سينا في الوزارات والمناصب الإدارية، مع اهتمامه الشخصي بالتحصيل العلمي والتدريس، وكان له اهتمام عام.
على خلاف الفلاسفة الآخرين لم يكن ابن سينا مهتماً بالتخصص في مذهب واحد، بل كان يأخذ من كل المذاهب ما يلائم ميوله، وقد عكف على شروحات ثامسطيوس، ولذلك صار هو محطّة التقاء جميع المذاهب، وهو أول من كتب المختصرات الجامِعة في العالم، ولذلك استحق أن يكون هو فيلسوف الشرق العظيم.
ومما قيل عنه أنّه كان يستثمر كل دقيقة من حياته استثماراً تاماً (مبالغة).
ففي أثناء النهار كان يهتم بشؤون الدولة الموكلة إليه، وفي المساء يشتغل بالقراءة والتأليف والتدريس، وقد كتب من المؤلفات ما لا يستطيع بعير أن يحمله.
قال أبو عبيد كانت دروس ابن سينا تُختَم بشيء من الغناء.
كما أنّ ابن سينا تفنن بنظم العلوم في قالب شعري، وهذه طريقة كانت شائعة في القرن الرابع الهجري، وله أرجوزة في الطب كتبها في أكثر من ألف بيت، وكذلك له منظومات في المنطق، وكان يتحدث بلغات أخرى غير العربية، وكان مُفرِطاً في الشراب ويستعين به في شحذ الذهن على القراءة والتأليف.
وكان ابن سينا يقول حسبنا من الحكمة ما وصلنا من مذاهب الأقدمين، وقد آن لنا أن ننشئ فلسفة خاصة بنا، وقد امتزجت عنده علوم اليونان بالحكمة الشرقية.
وكتب في المنطق والطبيعة والإلهيات ووضع الحدود بينها، وكان يقول بأنّه لا يستغني عن المنطق إلا رجل مُلهَم كما يستغني البدوي عن النحو.
ومن آرائه أنّ الشر في الوجود عرَض وليس جوهر؛ لأنّ الله لا يصدر عنه إلا الخير، وأنّه رغم الشرور في العالم لا يُمكن أن يكون أبدع ولا أكمل مما هو عليه.
وأما رأيه في القدَر فقد قال بأنّ التجارب أقنعته بأنّ الإنسان مسيّر على قدَر مكتوب، ولكن يوجد في هذا الموضوع جانب يستحيل إدراكه.
إذا كان الفارابي قد وجّه اهتمامه إلى العقل فإنّ ابن سينا قد وجّه عنايته إلى النفس، وموسوعته الفلسفية (الشفاء) يقصد بها شفاء النفس.
والنفس عنده جوهر مستقل، وتتزايد جوهريتها واستقلالها بطول المدة التي تبقى فيها داخل الجسد.
وللنفس عنده خمس حواس باطنة تقابل حواس الجسد الظاهرة.
أما العقل فهو في بداية أمره يكون عقلاً بالقوة، ثم يكون عقلاً بالفعل، وذلك بكثرة ما يتوارد عليه عن طريق الحواس الظاهرة والباطنة.
والنفوس الناطقة عنده لا تتفاضل إلا بمقدار سرعة استعدادها للاتصال بالعقل الفعّال الذي تتلقى عنه المعرفة.
وأما الجسد فهو مدرسة تتعلّم فيها وتتطوّر.
ابن سينا هو المؤلف الأول للقصة الرمزية (حي بن يقظان) التي تشرح كيفية الخروج من عالم المادة والعروج إلى سماوات العرفان، وقد احتوت الكثير من المضامين الفلسفية، وتناقلها عدد من فلاسفة العرب والعالم وشرحوها وأعادوا إنتاجها.
وقد استفاد هو من القصة اليونانية (الأخوين سلامان وأبسال).
ولا بن سينا رسالة على غرار حي بن يقظان تسمى (الطير) يشبّه فيها النفوس بسرب من الطير، يستغويها الصيادون؛ فتقع في الشراك، ثم تحاول الهروب بعد معاناة، وتتمكن بمساعدة بعضها بعض، ويبقى فيها بعض الأغلال، وتطير حتى تبلغ إلى عرش الملك وتحكي له القصة؛ فيأخذها بلطفه ويفكها من آخر أغلالها.
أما الشريعة الإسلامية فهو يرى بأنّها موجّهة إلى العامّة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد إخراج العرب من شتات البداوة إلى اجتماع الدولة.
ولأنّهم لا يدركون المعاني المجرّدة فقد كان الخطاب الموجّه إليهم مشبعاً بالتمثيلات والتشبيهات التي ليست على ظاهرها.
والمعرفة عبادة الخواص.
العارفون عند ابن سينا هم من انطلقت أرواحهم من القيود، وتنزّهوا حتى عن الزهد لأنّه شاغل، وعن العبادة لأنّ تطويع النفس الأمّارة بالسوء خاص بالعاجزين.
وهم يحبون الله حباً روحياً لا يبتغون غير ذاته، ولا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً؛ فغايتهم الخلاص من الحبس والوصول إلى البارئ.
ولكن ابن سينا يقول بأنّه ينبغي على العارفين أن يحتفظوا بأسرارهم ولا يفشوها إلا لمن يفهمها من الخواص؛ لأنّها فتنة للعامة الذين تتقاصر عقولهم عن إدارك هذه الحقائق.
وابن سينا هو شيخ الإشراقيين في المعارف اللدنية، وقد تأثّر به الغزالي زماناً وقلّده في رسالة الطير ونسج على منوالها.
كان ابن سينا لا يعترف لأحد بفضل إلا للفارابي، وللأمراء الذين أظلوه في كنفهم، وقد اجتمع بابن مسكويه مرات كثيرة، وله مراسلات مع البيروني.
وقد كان الفقهاء يعادونه جداً ويحذرون العامة منه ويحرضونهم عليه، بل وصل الأمر بهم إلى هجوه عند موته، ولكنه لم يعدم التلاميذ والمحبين.
وقد انتهى إلينا من تلاميذ ابن سينا أسماء أكثر من الكتب التي نعرفها لهم، ومنهم الجوزجاني الذي ترجم له، وكذلك أبو الحسن بهمنيار وهو أبرزهم وأشهرهم.
ويكاد التلاميذ لا يخرجون عن شيخهم في مسألة، وأما آثاره التي خلّفها فهي جليلة القدر وعظيمة الأثر وذائعة الصيت بين العالمين.
نال قانونه في الطب حظاً كبيراً من التقدير والتوقير في كل أنحاء العالم، ولا زالت بعض الأقطار حتى الآن تتداوى بالوصفات التي سجّلها في كتابه، وقد وضعه دانتي في مرتبة بين أبقراط وجالينوس وأما سكالجر فقال إنّه أعلى كعباً منهما.
وقد أُطلق عليه لقب أمير الفلاسفة، ومؤلفاته متداولة بكثرة.
وقد شُرِحت كتبه واختصرت بأعداد تجلّ عن الحصر، وكان الأطباء والسياسيون والفلاسفة والعلماء في كل مكان يتدارسون كتبه، ويعتبرونه سقفاً لا يتجاوزه إلى الأصول إلا قليل من المهتمين.
كما تُرجِمت كتبه إلى لغات مختلفة في عصره وبعد مماته.
وما زال ابن سينا حاضراً حتى الآن في مؤسسات العلم.
ننتقل الآن إلى فيلسوف معاصر لابن سينا وهو البيروني صاحب كتاب (الآثار الباقية عن القرون الخالية).
رغم أنّ البيروني من أصل فارسي إلا إنّه كان يشجّع العربية ضد النزعات القومية التي تطالب بإحياء الفارسية، ويعتبرها أفضل من الفارسية في التعبير عن العلوم، وكان فصيحاً ويكتب الشعر العربي.
عاشر البيروني الهنود سنوات طويلة، وتعلم السنسكريتية، وأرّخ لثقافتهم وصوّر حياتهم تصويراً دقيقاً، وهو الآن يعتبر من أهم المراجع في تاريخ الهند.
وكتب في الرياضيات والفلك والصيدلة والجغرافيا وشرح شعر أبي تمام، وله ثقافة فلسفية جيدة، وكان يقول لم تنجب الحياة فيلسوفاً أعظم من أرسطو.
وكان يحارب الخرافات والأساطير ويسخر من فكرة التزاوج بين الإنس والجن، ومن التاريخ القديم الذي يتجاوز آلاف السنين كما في كتاب البداية والنهاية، ويقول بأنّ هذا أعلى من مستوى إدراك البشر، وليس في ذلك إلا الظن والرجم بالغيب.
وكان حكيماً وله رأي حصيف وقدرة على التوسّط بين النقيضين.
كان البيروني يشيد بفضل اليونان على العالم، ويعترف بتفوّق علومهم من حيث الكمال والعمق والدقة والتمييز بين مواد المعرفة، ويقول بأنّهم أكثر علماً وحكمة من الهنود والعرب.
وهو أول من تحدّث عن سلطان العادة والإلف وهيمنتها على فكر الإنسان.
وقد أثّر فيمن جاء بعده من علماء وفلاسفة.
وقد ذُكِر في كتب التراجم أنّ له شخصية عجيبة؛ فهو يتخلّق بسمت العلماء ووقارهم، حتى إذا اضطرّه سفيه إلى الملاسنة تحدّث بلغة المجّان وأسرف في البذاءة، وقيل عنه إنّه كان خليعاً في ألفاظه وعفيفاً في أفعاله.
وهو صاحب نظرية (تعدد آدم) في كل دور زماني وفي كل بقعة من الأرض.
في نهاية القرن الخامس الهجري تتجه الفلسفة ناحية الغرب، والقاهرة تستلم الراية من بغداد، ويظهر فيها رجل من أعظم الفلاسفة الرياضيين والطبيعيين في العصور الوسطى، وهو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم.
كان كثير الاشتغال بمؤلفات أرسطو وجالينوس، وقال لا يوجد أحكم جمعاً وربطاً من أرسطو.
لقد اعتنى بأرسطو عناية فائقة وكتب شروحاً لم تحفظ لنا الأيام شيئاً منها.
وأعظم الأعمال الباقية لابن الهيثم هو كتاب (المناظر) الذي تُرجِم إلى اللاتينية ولغات عدّة، ومن خلاله يتضح لنا ما يتميّز به من قدرة فائقة على المعالجة والتحليل.
ومن نظرياته أنّ الإدراك يتكون من إحساس ومقارنة.
ومن تلاميذه أبو الوفاء مبشر، وهو أحد أمراء مصر، وكذلك الفيلسوف اليهودي ابن ميمون.
وكان له كتاب عن أحوال الأجرام من حیث الكمية والكيفية والحركة اللازمة وما يلزم منها يسمى (الهيئة) التي كانت مصطلحاً على علم الفلك.
وقيل بأنّ الفقهاء في بغداد أحرقوا هذا الكتاب وزعموا بأنه للشعوذة.
والآن ننتقل إلى شخص غريب الأطوار وعجيب الأحوال وهو معاصر لابن الهيثم ولكنه تنقل في عدة أماكن، وكذلك تنقل في عدة مذاهب وهو أبو حامد الغزالي.
لقد أصابت الغزالي حالة مرَضية انعقد فيها لسانه وصار عاجزاً عن الكلام، وتسببت هذه الحالة بصراعات نفسية في داخله فبدأ فيلسوفاً وانتهى صوفياً.
إذا كانت الفلسفة تعني محاولة إدراك الحقيقة بالعقل؛ فإنّ الغزالي رأى بأنّ الكمال هو تذوّق الحقيقة بالقلب وملامستها بالفؤاد، وهذا ما وجده في التصوّف، وله قصة غريبة بدأ فيها التصوّف بالهروب من المدرسة النظامية في بغداد التي تعتبر من أكبر الجامعات العالمية، وتحوّل إلى درويش في دمشق.
رغم أنّ الغزالي ادّعى ترك الفلسفة والرد عليها؛ فإنّه لم يستطع التخلّي عنها وظهرت بارزة في مذهبه الكلامي شعر أو لم يشعر.
وله آراء جديرة بالاهتمام في النبوّة، ومنها أنّ صدق النبي عند الناس لا يكون بمعجزة خارجية، بل بشيء يشعر به الناس في أنفسهم ولا يجدون له دفعاً.
يقول بأنّ العقل وحده لا يكفي لتصديق النبي، بل يوجد أنموذج وضعه الله في أنفسنا نعرف به صدق النبي بدون أدلة خارجية.
وعلى هذا يخرّج إيمان أبي بكر والمسلمين الأوائل.
لقد رأوا في النبي أنموذجاً مكنوناً في أنفسهم يدل على صدق ما يقول.
من وجد ذلك النموذج في نفسه انقاد للنبي طواعية.
لا شك أنّ الغزالي قد أثّر في موقف طائفة كبيرة من المسلمين تجاه الفلسفة، ولكن الزعم بأنّه قد قضى عليها مبالغة ممجوجة؛ فقد ظهرت بعده مذاهب فلسفية وفلاسفة بالمئات.
صحيح أنّ النشاط الفلسفي ضعف بعده، ولكن الحضارة الإسلامية بكاملها كانت في حالة تدهور وانحدار مقارنة بما قبلها.
ضعفت الفلسفة في الشرق الإسلامي، ولم يخرج فلاسفة مبتكرون، وصار الغالب يقلد ابن سينا، وتداخلت مع الصوفية، وغلب على الناس الاهتمام بالأخلاق والسياسة، وبقي من وهج الفلسفة علم المنطق يدرسه الجميع، واستفادت منه علوم المسلمين الأخرى.
وجاء الأبهري ووضع مختصراً للمنطق بعنوان (إيساغوجي).
وهكذا صار الناس في المشرق الإسلامي خلال القرون التالية يعتمدون على المختصرات والملخصات، وما زالت تلك المختصرات باقية حتى هذا اليوم وتدرس في بعض المعاهد العلمية في الدول العربية مثل الجامعة الأزهرية.
وضاقت الدائرة العقلية جداً واختفت المعتزلة والمذاهب الفلسفية الأولى.
في الوقت الذي كانت الفلسفة تلفظ أنفاسها الأخيرة في المشرق بدأت الحياة تدبّ في جسدها هناك في جبال إسبانيا وسهولها وفي معاهدها وقصورها حيث آخر بقايا الحُكم الأموي في الأندلس.
السيناريو الشرقي يعيد إنتاج نفسه من جديد في المغرب، وتبدأ الفلسفة في الأندلس معتمدة على الإرث الشرقي.
بشكل عام الحضارة الإسلامية تراجعت في المشرق وصعدت بقوة في الأندلس.
وكانت الأجواء المترفة تساعد على نمو الفلسفة؛ فالشعر الذي وصلنا خلال تلك الفترة من الأندلس يتحدث كثيراً عن الخمر والمرأة والغناء.
ولكن المغرب كان يعتمد في حضارته على المشرق، وكذلك رحل بعض علماء المشرق إلى هناك.
في أواخر القرن الخامس الهجري انتشرت في الأندلس رسائل إخوان الصفا، ومنطق أصحاب أبي سليمان السجستاني، وانتشر مذهب الفارابي وابن سينا، وقد تشارك عرب الأندلس ويهودها في استيراد فلسفة المشارقة ودراستها وإعادة إنتاجها، وكان من ثمارها الفيلسوف اليهودي ابن جبرول وباخيا بن باقودا.
ولد في نهاية القرن الخامس الهجري، في مملكة الأندلس الزاهرة، وتحديداً في سرقسطة، أبو بكر محمد بن يحيى، المعروف بابن باجة، وكان حاذقاً في العلوم الرياضية والفلكية والموسيقية، وقد اشتغل بالمنطق والفلسفة، وكان صديقاً لحاكم المدينة.
كتب شروحات قصيرة لأرسطو يحتذي فيها حذو الفارابي.
وكانت مؤلفاته شبيهة بالخواطر والملاحظات، وشتات من السوانح التي لا رباط بينها، وقد حاول النفاذ إلى علوم اليونان.
ومن أسس مذهبه أنّ الهيولى لا يمكن أن توجد مجردة عن الصورة، أما الصورة فقد توجد مجردة عن الهيولى.
وتحصيل الكمال يكون بالمعرفة العقلية وليس بالمواجيد الصوفية.
ويقول بأنّ الصفوة من الحكماء يظهرون في الحياة بدون عناية أحد، فهم كالنبات الذي يترعرع في البرية، وينمو بدون أن يكون له زارع يسقيه ويهتم به.
ويرى بأنّ تعلم الإنسان بنفسه إن استطاع أنفع من تلقين المعلم.
وله كلام عن فوائد العزلة، وله نظريّات نسبها الناس إلى ابن رشد خطأً منهم.
على الضفة الجنوبية للحوض المتوسط كانت دولة المرابطين تعيث في العقل فساداً بمباركة المعتصبين من فقهاء المالكية.
لم يلبث الأمر طويلاً حتى ظهرت دولة الموحدين فأدخلت علم الكلام وانتشر مذهب الأشعري والغزالي، وصارت الأجواء مهيّئة للترقي إلى علوم الفلسفة؛ فجاءهم ابن طفيل من غرناطة.
على طريقة ابن سينا حاول ابن طفيل أن يمزج بين العلم اليوناني وحكمة الشرق، وأعاد كتابة (حي بن يقظان) وأضاف لها رموزاً جديدة.
وكرر ما قاله السابقون بأنّ الشريعة الظاهرة هي دين العامة الذين لا يقدرون على المضي فيما وراء الظواهر، وركز على عامِل السن في الترقّي وبلوغ أعالي الحكمة.
وكان يرفض فكرة أنّ كل شيء مسخّر للإنسان؛ فجميع المخلوقات في الأرض لها غاية تبلغ إليها، ولا يجوز إتلافها بغير ضرورة.
الحيوانات والطيور والنبات مخلوقات تشارك الإنسان البلوغ إلى غاية، وليست مسخّرة لحاجته ومتعته.
إنما الضرورة تدفعه أحياناً لإتلافها، ويجب عليها أن لا يتجاوز حاجته.
وبينما كان ابن طفيل يمارس نشاطه الفلسفي في دولة الموحدين ظهر في قرطبة خاتمة المسك لعمالقة الفلسفة الإسلامية، وهو الوليد ابن رشد الذي نشأ في بيتٍ ورث الفقه كابراً عن كابر؛ فاجتذبه ابن طفيل إلى الجنوب، وقدمه إلى الأمير يعقوب بن يوسف؛ فنال إعجابه واستحسانه، وتحدد مصير ابن رشد.
لقد عُني ابن رشد بشرح مذهب أرسطو على نحوٍ لم يُسبَق إليه، وقد أورث الإنسانية علم أرسطو كاملاً وخالياً من الشوائب.
وكان بجانب ذلك طبيباً خاصاً للأمير.
لقد أفرغ ابن رشد كل جهده في أرسطو، وتناول كل ما يستطيع أن يحصل عليه من مؤلفاته، ودرسها دراسة عميقة ودقيقة، وكتب مختصرات ومطولات.
لقد استحق ابن رشد أن يحصل على لقب (الشارح) وهو اللقب الذي أطلقه عليه دانتي في كتاب (الكوميديا الإلهية)، وقد وصلت الفلسفة الإسلامية والعالمية في فهم مذهب أرسطو عند ابن رشد إلى مبلغ لم تصل إليه قبله ولا بعده.
كان ابن رشد يرى بأنّ أرسطو قد وصل إلى الحقيقة التي لا يشوبها باطل.
وكان يقول بأنّ مذهب أرسطو إذا فُهِم على حقيقته لم يتعارض مع أسمى معرفة يستطيع الإنسان أن يبلغها، بل كان يرى بأنّه من المستحيل أن يسمو أحد على أرسطو؛ لأنّ أرسطو إنسان فوق طور الإنسان، وكأن الله أراد أن يبين فيه قدرة الإنسان على الاقتراب من العقلي الكلّي، ويسميه الفيلسوف الإلهي.
إذاً هو من المتعصبين لمنطق أرسطو والعاشقين له، وكأن يتأسّف لأنّ أفلاطون وسقراط لم يكونا على علمٍ به.
وفي نفس الوقت كان يرى بأنّ منطق "إيساغوجي" نافلة يمكن الاستغناء عنها، وهو يعد كتابي (الخطابة) و (الشعر) جزءين من منطق أرسطو.
وكان يحتقر علم الكلام وينظر له نظرة إصغار.
ابن رشد مثل سبينوزا وغيرهم من فلاسفة العرب والغرب؛ يرون بأنّ الوحي الذي يأتي في الكتب المقدسة يهدف إلى إصلاح الناس وتطوير حياتهم وليس إلى تعليمهم.
الشارِع يريد قيادة الناس إلى ما يحقق السعادة لهم بحسب ما يفهمون وتنتهي إليه عقولهم، وليس غرضه أن يقدم لهم علماً أو برهاناً.
كما رأينا عند البيروني؛ ابن رشد يرى بأنّ السعادة مسؤولية جماعية، كل الأفراد يجب أن يساهموا في سعادة المجموع، حتى المرأة يجب عليها تخدم الدولة والمجتمع مثل الرجل، ويعتبر إقصاءها سبباً للفقر، ويسخر ممن يمسكها كأنها حيوان أليف أو نبات.
وقد شنّع على مذهب الفقهاء في الأخلاق.
وهو ينظر إلى الدين من زاوية سياسية، ويرى أهميته وضرورته إذا وظّف بشكل صحيح يخدم الدولة والمجتمع.
ويهاجم أهل الكلام الذين حاولوا أن يجعلوا من الدين نظرية فلسفية؛ لأنّه يعتقد بأنّ الدين في الأصل مجرد أحكام شرعية لغايات تنظيمية.
وأما الحكمة العامة والعميقة فهي خاصة بالنبي.
ويعتقد بأنّ الفلسفة أسمى صور الحق، وأنّ الأديان مجرد تجليات للفلسفة وفروع عنها.
ويرى بأنّ العلاقة بين الفلسفة والدين هي كالعلاقة بين النظرية والتطبيق.
والفيلسوف الحاذق لا يصادم بين الفلسفة والدين، بل يراهما مكملين لبعضهما.
ويجب على الخواص مراعاة العوام وعدم تعليمهم ما لا يطيقون.
مع انتكاسة الحالة السياسية في الأندلس، وتشرذم البلاد وانهيارها؛ انتكست الحالة الثقافية أيضاً، وشاع التعصّب وساد الفقهاء، وحوربت الفلسفة وأُحرِقت كتب ابن رشد، وفقدنا الكثير من أصول مصنفاته، ولولا يهود الأندلس الذين احتفظوا ببعض كتبه ونقلوها إلى العبرية لضاع كثير منها.
تردّت الحضارة الإسلامية بشكل عام، وفقدت الفلسفة وهجها السابق، ولم يجد ابن رشد بين العرب الاشتهار والانتشار الذي وجده ابن سينا رغم أنّه ثاني أعظم فلاسفة العرب بعده.
ولكن في شمال أوروبا حيث العالَم المسيحي وجد ابن رشد مقعداً محجوزاً بين كبار العلماء، وصار شيخ أوروبا في الفلسفة.
لا يوجد بعد ابن رشد من لفت الأنظار كمفكر مبتكر، واضاف إلى الفلسفة شيئاً جديداً إلا ابن خلدون، المولود في تونس من أسرة أندلسية.
لقد درس ابن خلدون الفلسفة على أيدي المشارقة، واشتغل عند كثير من الأمراء، وكان سفيراً في مهمات سياسية كثيرة، وكان وسيماً ونبيهاً وذو شخصية آسرة.
يرى ابن خلدون بأنّ المنطق وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة، بل لا بد من العناية بالتجارب الفردية، والاستفادة من مجموع التجارب الإنسانية وتمحيصها.
ورغم ذلك يرى أهمية المنطق وضرورة انتداب جماعة من الأكفاء لدراسته وتحصيله؛ فهو فرض كفاية على الناس في كل زمان ومكان.
وكان متأثراً بمذهب أرسطو، والأفلاطونية الجديدة، وقد استفاد كثيراً من جمهورية أفلاطون، والفلسفة الفيثاغورية، واستفاد من تواريخ أسلافه المشارقة، ولا سيما المسعودي.
أسس ابن خلدون فرعاً فلسفياً لم يخطر على بال أحد، وحاول فيه اكتشاف قوانين التاريخ، ورد الوقائع إلى أسبابها.
قبل أن نستعرض فلسفته الاجتماعية والتاريخية يجب أن نستحضر بأنّها خاضعة لظروف الحياة في عصره وما قبله.
هو أولاً يؤكد على أهمية (مقياس الحاضر) ويحث على معرفته بشكل جيد؛ لأنّ ذلك يمنحنا قوانين نعرف بها الماضي ونستشفّ بها المستقبل؛ فأحوال الزمن متشابهة في قواعدها العامة.
يرى ابن خلدون أنّ الجماعة تتقلب في صور مختلفة، وتبدأ بالبداوة المتنقلة، ثم القبيلة المجتمعة، ثم الدولة المستقرة.
وأهم سبب يحرك الناس هو البحث عن القوت، والفقر يؤدي إلى النهب والحرب، كما أنه يحفّزهم على الانضواء تحت لواء رئيس يقودهم.
والعصبية والدين قواعد تأسيس الدولة.
بعد أن تستقر الدولة وتزدهر وتتعاقب الأجيال على النعيم والترف، تتحلل العوامل التي كانت السبب في قيام الدولة.
وفي نفس الوقت يوجد قبيلة قوية تأتي من الصحراء فتنقض على الدولة وتبدأ السيناريو من جديد.
عموماً هذه قوانين تنطبق على أسبانيا وغرب أفريقيا كما قال أوجست مولر.
وقد قرأ كثير من ساسة العرب وأوروبا فلسفة ابن خلدون واستفادوا من القوانين التي ذكرها وتمكّنوا من الإطاحة بخصومهم.
والآن دعونا نعود إلى الأندلس وننظر ماذا قدمت فلسفة العرب للعالم المسيحي، بعد أن أطاح المسيحيون بالمسلمين، واحتلوا مملكتهم المفككة وحضارتهم المزدهرة.
لقد فُتِن المسيحيون بكل شيء وجدوه في الأندلس، وسحرتهم غانيات العرب، وتلذذوا بكل جميل هناك، ومن الأشياء التي أدهشتهم وخلبت ألبابهم الثقافة العقلية والمعارف الفلسفية.
لقد صار الإرث العربي في الأندلس قبلة للمتعطّشين إلى المعرفة من الشمال المسيحي؛ فانكبوا على المكتبات والكتب.
لقد كان اليهود وسيطاً بين المسلمين والمسيحيين؛ لأنّهم عاشوا بين المسلمين وشاركوهم مشوار الحضارة العقلية من بدايتها، وعندما سقط المسلمون صار اليهود مرشدين للمسيحيين ودليلاً لهم، وكانوا يكتبون بالعربية ويتحدثون بها، ومن أشهر فلاسفتهم ابن ميمون الذي تأثّر بابن سينا والفارابي.
كانت علوم العرب تدرّس بشغف في قصر فريدريك الثاني في بالرمو وفي جامعات بولونيا وباريس، وقامت حركة ترجمة مسيحية للكتب العربية شبيهة بحركة الترجمة العربية في عهد المأمون.
واشتهر من المترجمين: يوحنا الإسباني وجنديسالينوس وجيرارد الكربموني وميخائيل الاسكتلندي وغيرهم.
وعرف المسيحيون الكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد ونالت شروحات ابن رشد وقانون ابن سينا حظوة بالغة.
ولكن هذه المعرفة الفلسفية العربية تسببت بهزّة في عقائد المسيحيين فحاربتها الكنيسة بقوة.
لا يوجد عند المسيحيين (علم كلام) يتصدى للمعارف الفلسفية فانهارت العقيدة مباشرة.
أعادت الكنيسة تشكيل العقيدة المسيحية بشكل يتناسب مع الفلسفة الوافدة، وتطورت إلى مستوى أفضل من السابق.
ثم ظهر في المسيحيين فلاسفة مثل توما الأكويني وألبرت الأكبر وسيجر، وبعضهم كان يتبع مذهب ابن رشد وبعضهم ينقده ويرد عليه.
وأعادوا ترجمة كتب اليونان من الأصل إلى اللاتينية مباشرة.
هذه عصارة ما كتبه المستشرق الهولندي دي بور في كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية) حاولت تقديمها بشكل مبسط وميسور.
إلى اللقاء ..
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...