قال سفيان الثوري –رحمه الله-: "وما زال التغافل من فعل الكرام".
المتغافل يتعمد الغفلة عن أخطاء وعيوب مَن حوله، مع أنه مدركٌ لها، عالمٌ بها؛ لكنه يتغافل عنها كأنه لم يعلم بها؛ لكرم خلقه، وكما قال الحسن البصري –رحمه الله-: "ما استقصى كريم قط!".
قال الله تعالى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) [التحريم:3]، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يخبر حفصة بكل ما قالت؛ بل أخبرها ببعضه وأعرض عن بعضه، فلم يخبرها به ولم يعاتبها عليه؛ لحسن خلقه، وكريم نفسه.
التغافل دليل قوي على حسن خلق صاحبه؛ كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل".
ليس التغافل عن الزلات دليلا على غباء صاحبه وسذاجته؛ بل هو العقل والحكمة؛ كما قال معاوية -رضي الله عنه-: "العقلُ مكيالٌ، ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل".
فرْقٌ بين أن تقصد الغفلة وبين الغباء؛ فالأول محمود، والثاني مذموم:
ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قَوْمِهِ *** لكِنَّ سيِّدَ قومِهِ الْمُتَغَابِي.
ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قَوْمِهِ *** لكِنَّ سيِّدَ قومِهِ الْمُتَغَابِي.
من تتبع سير العظماء وجد أن من أعظم صفاتهم التغافل، قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: "وكان صَبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه".
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن المشركين كانوا يسبون النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مُذَمَّمَاً، ويلعنون مذمماً، وأنا محمد!".
ولقد أمُرُّ على السفيهِ يَسُبُّنِي *** فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لا يعنيني!
نحتاج للتغافل مع أصحابنا فلا نحاسبهم على كل كلمة خرجت منهم، ولا نحصي عليهم كل فعل صدر عنهم؛ لأننا إن فعلنا ذلك فقدنا محبتهم وزالت عنا أخوتهم، وقد قيل: "تناسَ مساوئ الإخوان تستدم ودّهم".
لم يكن -عليه الصلاة والسلام- يتتبع زلات أصحابه أو يبحث عن أخطائهم؛ بل كان ينهى عن التجسس وعن تتبع العورات وتفسير المقاصد، ولم يرض أن يخبره أحد عن أحد شيئا؛ حتى يبقى صدره سليماً محباً لهم جميعاً.
قيل للإمام أحمد -رحمه الله-: "العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل". فقال: "العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل".
وقد قال بعض الحكماء: "وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل".
جاري تحميل الاقتراحات...