د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

25 تغريدة 8 قراءة Nov 07, 2021
لماذا ينقسم الناس الطيبون حول السياسة والدين؟
سيكون هذا الكتاب موضوع تغريداتي في الأيام القادمة بإذن الله.
تعوّدنا على أنّ الخلافات الدينية أو السياسية تكون مبنية على شعارات وأدلة وبراهين يوظفها كل طرف لصالحه.
ولكن سنتعرف في هذا الكتاب بمشيئة الله على الأسباب النفسية أو الأخلاقية أو المعنوية التي تخلق هذه الصراعات.
فنحن كثيراً ما ننساق مع الظاهر والواضح ونغفل عن الجانب الخفي والغامض.
لماذا لا ننسجم جميعاً؟
لماذا تبرز بين الحين والآخر خلافات دينية أو عرقية أو سياسية بين المجموعات البشرية؟
ألسنا كائنات عالِقة في هذه الأرض لفترة مؤقتة ثم ترحل؟
لماذا لا نستطيع خلق بيئة تعطي الجميع حق المعيشة بهدوء وسلام، لا سيما وأنّ المشتركات كثيرة والمصالح متداخلة؟
إنّ الإنسان بطبيعته مولود ليكون إنساناً سوياً وصالحاً، ويحكم هذا الصلاح فيه نظام الأخلاق؛ فالأخلاق هي السبب الذي يجعل التعامل بين الأفراد والمجموعات سهلاً ومرناً، وبها استطاع البشر التواصل وبناء الحضارات.
ونستطيع أن نقول بأنّها القانون الفطري الذي يجعل الإنسان يتعالى على غريزته.
ولكن كثيراً ما نشاهد الناس يقومون بأفعال منافية للأخلاق تماماً من وجهة نظرنا.
فالأخلاق إذاً ليست حلّاً نهائياً وإن كانت حلّاً مبدئياً.
يوجد بيئة ومجتمع وثقافة ودولة تحدد شكل الأخلاق بما يتناسب مع المصالح الذاتية، وهذا يعني ضرورة حدوث التصادم بين الناس رغم وجود الأخلاق.
وقد استطاعت الأديان أن تحل جزءً كبيراً من هذه المشكلة؛ لأنّها قدمت تفسيراً للأخلاق يشمل جماعة كبيرة من الناس؛ فغلب التعاون وقل الخلاف.
وهذا ما عجز عن فهمه الملحدون، حيث ظنوا بأنّ الأديان كانت حالات مرَضية ابتليت بها البشرية.
والحقيقة أنّها حلّت أزمة العصبية للمجموعة الصغيرة.
لكي نغوص في فهم أنفسنا وأخلاقنا وعاداتنا يجب علينا أن نتخلى قليلاً عما نسميه بـ (الفضيلة) لأنّها مُنتَج اصطلاحي اجتماعي، ودعونا نستخدم أدوات علم النفس الأخلاقي لنحلل الأمر بعيداً عن الأحكام المسبقة والتأثيرات الخارجية.
هناك في المنطقة الساكنة داخل أعماقنا عوامل جديرة بالاهتمام.
عندما يقوم شخص بممارسة الجنس مع حيوان ميت مثلاً؛ فإنّ هذا العمل من منظور أنصار الحرية المطلقة شيء طبيعي؛ لأنّه لم يؤذ أحداً، والحيوان ميت لم يتألّم أو يتضرر بهذا الفعل.
ولكن هناك عامِل أخلاقي في داخل المحافظين يجعلهم يرفضون هذا التصرف، بصرف النظر عن وجود أذى أو ضرر.
إذاً قضية الأخلاق شائكة، وفيها جوانب غير قابلة للشرح والتفسير، كما أنّها مرتبطة بالضمير.
لذلك لن نستطيع أن نقدم مقاربة حاسمة، ولكن على الأقل سنحاول فهم أنفسنا، والفهم كفيل بتطوير وعينا تجاه مشاعرنا.
وحسبما يعتقد داروين المشاعر والأخلاق خاضعة لقانون التطوّر تبعاً لتطوّر صاحبها.
كما أنّها توجد عناصر كثيرة داخل المنظومة الأخلاقية خاضعة للاستنباط الذاتي.
ليست المدرسة أو الأسرة أو المجتمع هي التي تلقّنها الإنسان، بل هو بمفرده يستنبطها بالتجربة.
وكلما كان اكتسابها مبكراً كانت الاستفادة منها أكثر.
وفي المقابل التأخر في اكتسابها يوقع الإنسان في بعض المشاكل.
في بدايات الوعي لأي إنسان تبدو كل السلطات حوله شرعية ومثال للممارسة الأخلاقية، سواءً السلطة الاجتماعية أو الدينية أو السياسية.
ولا يبدأ سؤال الأخلاق إلا بعد تجاوز سن البلوغ، ثم التفكير بتجرّد حول صحة أو خطأ اعتقاداته، ويتطوّر هذا التساؤل ويتعمّق فيه بحسب ما يجد من الإجابات.
عندما تذهب إلى قبيلة الهووا في غينيا سوف تجد بأنّ لديهم نظاماً أخلاقياً في الطعام يميز بين الرجل والمرأة، ويلتزم الجميع بهذا النظام الذي يبدو مضحكاً لمن سواهم.
إذاً نحن أمام نظام أخلاقي مصمم للتصالح البشري، ولكن تنوّع البشر جعل من هذا النظام سبباً للخلاف والتصادم أحياناً.
إنّ الأخلاق مثل لغةٍ تكوّنت لتصبح وسيلة اتصال بين المجموعات البشرية، ولكن نظراً لاتساع الرقعة الجغرافية وتباعد الناس؛ تفرّقت هذه اللغة إلى لهجات مختلفة، تؤدي المصطلحات فيها إلى معانٍ متناقضة أحياناً.
ولذلك ساهمت الأخلاق كثيراً في جعل الأديان متناقضة ومتصارعة.
.
إذا كانت الأخلاق مرتبطة بالمشاعر؛ فإنّ الفلاسفة ظلوا إلى وقت طويل يعتقدون بأنّ المشاعر خاضعة في الغالب إلى حُكم العقل؛ حتى جاء هيوم وفجّر المفاجأة أمام الجميع وقال بأنّ العقل هو الذي يخضع للمشاعر وليس العكس.
لقد كانت هذه النظرية كفيلة بإعادة النظر في جميع ما قيل حول هذا.
إذا كان العقل مجرّد خادم للمشاعر؛ فهذا يعني أنّ كل ما يقدمه العقل لا يكون مُحايداً أو موضوعياً بشكل تام.
كما أنّ ذلك يعني أنّ المشاعر هي البوابة الرئيسية للتأثير في العقل.
يحب أن يعي أصحاب الخطاب العقلاني المحض بأنّ تغليف الحقائق العقلية بالعاطفة أحياناً ضروري لإقناع الجماهير.
منذ فترة الثمانينات أدرك العلماء أنّ المشاعر ليست انفعالات نفسية مجردة، بل هي نوع من معالجة المعلومات، وتتضمن شيئاً من الإدراك.
كما أنّها هي الأخرى متأثرة بمحيطها الاجتماعي الذي يستطيع صياغتها وتكييفها.
نحن أمام سلسلة من المؤثرات، وكلما وجدنا سقفاً اكتشفنا سقفاً آخر.
مقاربة أخرى للعلاقة بين العقل والمشاعر تقول بأنّهما كالفيل وراكبه.
الراكب هو الذي يتحكّم بالفيل ويقوده إلى حيث مصلحته، ولكنه في نفس الوقت خاضع لإرادة الفيل.
إذا رأى الفيل شيئاً يستفزّه فسوف يتحرك بدون أوامر الراكب.
وحينئذ يصبح الراكب مجرد أسير فوق ظهر الفيل لا يستطيع فعل شيء.
أما الأوهام فهي قضية أخرى، تعطّل العقل والعاطفة في آنٍ واحد.
لاحظ أننا كثيراً ما نستجيب للمظاهر سلباً أو إيجاباً بخلاف المصحلة والحقيقة.
ربما ننجذب إلى الناس الذين تعجبنا أشكالهم، رغم أنّهم سيّئون في الواقع، والعكس صحيح.
وقِس على ذلك أحكامنا الدينية والسياسية.
منذ الطفولة يبدأ الإنسان بناء نظامه الأخلاقي مستنداً إلى المشاعر والعقل، ولكنه يخضع لطريقة البناء المُعتَمَدة في بيئته.
شيء لا يختلف كثيراً عن الطرز المعمارية المتنوعة حول العالم، والتي هي تقريباً مصنوعة من مواد واحدة أو متشابهة.
إذا اقتربنا من الأصول اتفقنا وإذا ابتعدنا اختلفنا.
لقد تنبّأ ويلسون قبل نصف قرن بأنّ الأخلاق سوف تخضع قريباً إلى قوانين علم الأحياء، ويُعاد تفسيرها على أنّها انفعالات صادرة من مراكز الشعور في الدماغ، وهو تفسير يقترب كثيراً من نظرية هيوم التي تصرح بأنّ العقل تابع للمشاعر وليس حاكماً عليها.
وما زال الموضوع محل تناول وتداول.
أما وليام جيمس مؤسس علم النفس الأمريكي فقد قال بأنّ العلاقة بين المشاعر والعقل لا تختلف كثيراً عن العلاقة "الأنثروبوتومية" أو "الجسدية" بين الدماغ والقلب.
فالقلب يضخ الدم ليعطي الحياة إلى الدماغ، وكذلك يضخ المشاعر إلى العقل حتى يعطي التفكير شيئاً من متطلبات وظيفته.
في كثير من الأحيان يتصرّف العقل كـ سكرتير للقلب.
ليس بيده حل ولا عقد، وإنما بيده فقط ترتيب القرارات الصادرة من الرئيس وإرسالها وأرشفتها، والبحث عن تسويغات قانونية لها.
يبدو أنّ هذه هي الصورة التي قصدها هيوم، ولكن يبقى الحال متفاوتاً من شخص لآخر، والكمال في الموازنة بينهما.
لقد أثبتت كثير من الدراسات الأكاديمية واستطلاعات الرأي في الجامعات الأمريكية أنّ الإنسان إذا صار بمقدوره أن يغش أو يسرق أو يكذب أو يناقض مسلّماته الأخلاقية بأي شكل من أجل تحقيق مصلحته الشخصية أو مصلحة صديقه بدون أن يتعرّض لعقوبة أو يكتشفه أحد فإنّه سيفعل ذلك بكل راحة ضمير.
نحن أسرى لمصالحنا الشخصية بشعور أو بدون شعور.
إنّنا كثيراً ما نميل إلى تصديق ما يتماشى مع أهدافنا وأهوائنا.
ولدينا الاستعداد التام لتسويغ كل شيء نعتقد بأنّه سوف يعود علينا بالمنفعة.
ولكن قبل أن نتذمّر من هذه الصفات الطبيعية يجب أن نعلم بأنّها تؤدي وظائف إيجابية كثيرة في الحياة.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...