ما الذي أشعرُ به؟ أكملُ سنة وبضعة شهور منذ أن بدأت حياتي الجديدة. لقد تصالحتُ مع اليأس، وأيقنت أن بعض الأحلام الكبيرة لن تحدث، وتصالحتُ مع الحياة وأيقنت أن بعض الأحلام الصغيرة ممكنة الحدوث. عمري في هذه الدنيا يُستانف بعد 18 عشر سنة متتالية من الصراعات، والنكسات، والحماقات.
الجنون مادة خصبة للكتابة، ليت ذلك ينطبق على الحياة! تصالحتُ مع جانبي المجنون ولم أعد أراوغه بالهرب منه، عقدت معه صفقة سلام، لن أمنعك من الكتابة ولا تمنعني من الحياة، وهكذا جربت الهدوء، عشتُه كحد أقصى لمدة ستة أشهر في وقت سابق، ولكن الظروف كانت تختلف، تختلف كثيرا!
عشت ناشطا في قضايا كثيرة، وسأعترفُ كم بغرور واختيال كنت أسخر من لفظة [ناشط اجتماعي]، وارتبط ذلك معي ضمن أوهامي الثقافية، وأمراضي الذاتية بهؤلاء الذين يضخمون أثرهم وتأثيرهم في محيطهم، ثمَّ مرَّت السنوات، ووصل التمزق إلى أٌقصاه وتعلمت درس الحياة الأكبر، هذه الحياة قصيرة جدا!
وسأعترف، لا أحبُّ معاوية الذي كتبَ تلك الكُتب لعله أجاد صنعة الأدب بعض الشيء، كتب بالحد المعقول من الرداءة الذي لا يفسد المعنى، هل أحبُّ الشخصَ؟ أو الشخصية وقتذاك! مطلقا، بل أكاد أبالغُ أنني صرت أتكهرب ممن يصف تلك التعاسة بالماضي الجيّد، أو المسار المفيد النافع لي أو لغيري.
من موظف حكوميِّ في جهة حكومية مرموقة، ومدوّن يشار له بالبنان إلى مدمنٍ مأزوم، وشاعر مهزوم! أي نقلة كانت! وبيدي! كم كانت صدمة كبيرة أن تكتشف أن هزائمك تبهج من ظننتهم رفاق عُمر ودرب! كان درس كبيرا للغاية، وبدأت بعده النكسات، والمصحات النفسية، والسجون، والجنون الكبير!
أكرمني الله بتجربة السجن، وحمتني رحمته وكان قصيرا. تعلمتُ الدفاعَ عن حياتي، وتوقفت عن التعلّق المرضي بظروف المحيط الذي حولي، كانت الفرصة الثانية أمام عيني، البداية الجديدة ميسرة الشروط، لكنني أصررت على الإبحار بقاربي في محيط الجنون، مجازفة عمياء، وتجربة خطرة، والله خير الحافظين.
بعد عام من النشاط الاجتماعي أكتشف الفارق بين ما كان وما يحدث! عملك في المحيط الاجتماعي يؤثر، ويغيِّر، بلا سجون ولا معتقلات، بلا محيطٍ مكهرب، بيئة من الحب والعطاء تطهرك وإن لم تكن نقيا، وإن لم تكن إنسانا جيدا من الأساس، ما أجمل هؤلاء الأنقياء الذين لم يستجيبوا لشرور أنفسهم.
كل ما أشعر به هو الامتنان. شعور صافٍ بالمحبة والإخلاص للإنسان الذي جعل كل هذا ممكنا. لذلك الذي صفح وعفا وأعاد لإنسان يائس فرصة الحياة بسلام داخلي وخارجي. أشعر بالانتماء رغم كل ظروف الحياة، ولكل هؤلاء الذين أحبهم ويحبونني.
جزاك الله كل الخير أيها السلطان/الإنسان هيثم بن طارق.
جزاك الله كل الخير أيها السلطان/الإنسان هيثم بن طارق.
جاري تحميل الاقتراحات...