لم أعش منذ عُمر 17 سنة شيئا اسمه "النوم الطبيعي" .. وعندما وصلت لسن العذاب الكبير [عمر العشرينات] كادَ نمط حياتي أن يُصبح النوم يوما بعد يوم، أواصل ليلة وأنام مساء اليوم الذي بعدَه. مع تشخيصي الطبي عرفتُ المشكلة، وبدأت معاناتي مع رفيق العمر [المنوّم] الذي أحلمُ بالتخلص منه!
أدت عاداتي السيئة واهتمامي الرديء بصحتي العقلية إلى تدهور الأمر، صرت أتجاوز اليومين، والثلاثة وفي حالة من الحالات خمسة أيام بدون نوم، وقلة النوم تؤدي إلى نتائج لا تُحمد عواقبها، مرت سنوات العشرين المجنونة ولم أقرر تغيير عاداتي إلا في عمر الثالثة والثلاثين، قبل خمس سنوات فقط.
كان قرارا صعبا للغاية. الالتزام بالأدوية الموصوفة، والثقة بكلام الأطباء، التشخيصات متضاربة والأعراض واحدة. تقلب في المزاج وأرق لعين قاسٍ صارمٍ فادح جسيم. مضيت في جدول النوم كل يومين وأرهقت عقلي ودخلت حالات من العصبية الشديدة لست بحاجة لشرحها لأحد. كان القرار صعبا!
بدأت أحب الرياضة عندما كنت في السجن، أمشي ساعات طويلة يوميا، وبدأت أنتبه لوزني وطعامي. حميتي الغذائية مشحونة بالكربوهيدرات وظننت أن كثرة الحركة ستعوّض هذا الشحن الهائل. عشت في النيبال سبعة أشهر ونزل وزني ما يقارب أربعين كيلوغرام. علمت أن الرياضة منجاة، وهكذا قررت إكمال أيامي.
أربع سنوات من الدراجة وغيرتني جذريا. لم يعد الاكتئاب جزءا أصيلا من أيامي، وبدأت أعرف شيئا اسمه "نوم الليل" .. عشت بدون أدوية لعامين كاملين قبل أن يزور كورونا لأكتشف أن خمس ساعات يوميا من الدراجة ليست نمط حياة، إنها مرحلة تغيير ولكن لا يمكن أن تستمر للأبد. عُدت للأدوية مضطرا.
لم أعد أحتاج لجرعات عالية كما كنتُ في سنوات العشرين. وساعدني بدني الجديد على مكابدة الحياة، بقي النوم. إما رياضة شاقة كل يوم أو استحالة النوم الطبيعي، على مضض مضيت على المنوّم الموصوف طبيّا. كنت وقتها خارج عُمان ولم أعد بعد. تصالحت مع الحياة كيفما تكون، وشاء الله أن أعود.
غلطة الشاطر بألف. في رحلةِ كسر رقمي القياسي كسرتُ كتفي في موضعين، كسر مركّب وعمليَّة وصفائح بلاتينيوم [ربما]. عادت كل الكوابيس دفعة واحدة، ومن رياضي يتحمل الجهد الشاق إلى إنسان متعب يعصره الألم إن حمل قنينة ماء! كان عاما صعبا، وأبدع كورونا في التحورات في هذا العام أيضا.
عُدت للأدوية، وانتصرت شهوة السكر. 24 كيلوغرام في شهور بسيطة، مشوار العودة صعب بمعنى الكلمة. كما تفعل الأيام بمضيها فإن الجروح ترحل، الكسور تجبر، والنفس التي جُبلت على الصبر تعرف الأمل. عدت للدراجة، رفعت لياقتي وبقي هذا الوزن معلقا لا ينزل ويصعد مع ازدياد الكتلة العضلية.
كانت خطتي بسيطة، أرفع لياقتي، ثم أبدأ بنظام الكيتو، لا أعلم هل أطبقه بشكل صحي أو لا! قطعت الحلويات والخبز والرز، أعلم أن هذه مشكلتي ولأنني مهدد بالسكري كان هذا اختيار الضرورات. اللياقة التي رُفعت قبل هذا النظام ساعدتني على الحفاظ على جدول رياضي معقول، المشي السريع وشبه ركض.
بدأت الكيتو في وقتِ تلاشي كل قدراتي الرياضية وكانت تجربة صعبة. التزمت به بعد رفع اللياقة وكانت تجربة غريبة. دع عنك نزول السوائل، تغيير كامل في الحالة النفسية والتركيز والأهم الأهم، [النوم!] .. لم أستيقظ قبل المنبه منذ 14 سنة! هل هذا حقا ما يفعله الغذاء منخفض الكربوهيدرات!
الحمية العُمانية كارثة صحيَّة تمشي على صحنين! أكل مخصص للجهد العالي، ولصعود النخيل والعمل في المزارع ونحن نأكله في عصر المكيّفات! جربت ما يفعله صحن عيش كوقود لرحلة دراجة! الأمر ليس بسيطا، وما بالك إن كنت مهددا بالسكري! لم أكن أعلم عن علاقة السكر بالنوم! وهذا الأسبوع فقط عرفت!
بعد التجربة .. وتغير التركيز، وتحسن النوم أدركت أن نمط الحياة منخفض السكريات هو الخيار الذي سأتخذه. قد أخفف من الرحلات الطويلة القاسية والشاقة ولكن على أية حال هذه ليست مفيدة للجسم. أتعلم كل يوم بدائل للخبز وللأرز ولعل أبسطها رز الذرة الذي يخدعك ويعطيك الشعور نفسه بالامتلاء.
سأواصل شهرين على هذه الحمية، وببطء شديد سوف أضيف كميات معقولة من الكربوهيدرات إلى نظامي الغذائي. الذرة، والحمّص، والبطيخ وربما لاحقا بعض الفواكه. هذا ما سيكون نظام التموين لاحقا، نعم قد يعني ذلك رحلات لا تتجاوز الثلاث ساعات ولكن لم لا! الصحة أهم من كسر الأرقام القياسية.
وهذا ما أقرره، بعد أن رأيت فارق الحياة بين الحمية عالية الكربوهيدرات، وتلك القليلة. قد أكون الآن في مرحلة نزول الوزن ولكن يجب أن أخطط لما بعدها. عسى أن أكون وقتها قد تمكنت من الركض الخفيف، وربما بعض تمارين المقاومة. عسى أن يمر كل شيء ويكون على ما يرام.
جاري تحميل الاقتراحات...