62 تغريدة 25 قراءة Nov 01, 2021
الغندورة
#قصة_قصيرة
اسمى عماد مكاوى ودى حكايتى..
فى أحد الأبراج السكنية بأحد أحياء القاهرة وتحديدا فى الطابق الحادى عشر توجد عيادة لجراحة المخ والأعصاب .. عيادتى الخاصة التى أهدانى إياها والدى الراحل .. كانت أمورى المادية متيسرة فما أحصل عليه من عملى كمدرس بأحد الجامعات الخاصة.
بالإضافة لما تدره العيادة الخاصة بى يكفينى ويكفى أسرتى الصغيرة .. منضبط جدا فى كافة مواعيدى حد الرتابة، ذو سمعة طيبة فى الوسط الطبى. وكان مشهود لى بالكفاءة بين المرضى ، وذات يوم وبعد انتهائى من الكشف على أحد المرضى وفى انتظار دخول التالى .
سمعت صوت محتد لسيدة بالخارج تنهر سهير الممرضة فاضطررت للخروج لمعرفة حقيقة الموقف ومحاولا احتوائه ، فسألت سهير قائلا فى حزم :
- فى إيه و إيه الدوشة دى مش مراعيين إن فيه عيانين
- المدام بتقول انها مستعجلة ومش هتستنى الدور يا دكتور.
وكانت السيدة المحتدة تبدو غاية فى الجمال ذات قوام ممشوق ، شعر يصل إلى خصرها بلون الليل الحالك فى ليلة غاب فيها القمر عيون كعيون المها ، خمرية اللون ، شفاه مكتنزة ، حقيقة كانت ملكة تتربع على عرش الجمال إلى أن قالت بصوت أجش :
- إيه ده هو ده الداكتور ، اللهم صلى على النبى
- أيوة حضرتك أنا الدكتور أؤمرى
- النبى حارسك وصاينك ، معلش حقك عليا أصلى هتاخر على شغلى وكنت عاوزة لاموآخذة أكشف بسرعة ومش هقدر أستنى كل دول
- بس يا فندم احنا عندنا نظام والدخول بأولوية الحضور .
- طب أقولك على حل كويس وكله يطلع مرضى ومبسوط ، انت بس اتفضل على أوضتك وكلمة شرف منى مش هتسمع أى دوشة.
لم استطع مجاراتها فى الحديث ففعلت كما قالت ودخلت إلى غرفة الكشف ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى لحقت بى سهير وخلفها السيدة
- المدام استأذنت من باقى العيانين يا دكتور
- تمام ، اتفضلى يا مدام اقعدى ، خير بتشتكى من إيه
- كعب رجلى الشمال يا داكتور منمل كده وتاعبنى
- طب اتفضلى على سرير الكشف
وبعد المعاينة سألتها قائلا :
- طب ليه ما روحتيش لدكتور عظام ، الموضوع بسيط جدا
- روحت وما ارتحتش والبت سعاد زميلتى قالتلى لازم يا بت يا غندورة تروحى مخ واعصاب
- ومدام سعاد بتشتغل ايه وإيه معلوماتها الطبية علشان تقدر تحدد التخصص اللى ممكن يعالجك
- سعاد رقاصة أد الدنيا بس متعلمة ومتنورة إنما أنا يا حسرة عليا مكملتش علامى.
- آه تمام ، لأ ما دامت متنورة يبقى هى صح
- طب الحالة إيه يا داكتور طمنى
- بسيطة مفيش داعى للقلق ، هتمشى على العلاج اللى هكتبهولك لمدة أسبوع وتجيلى لو ما جابش نتيجة
- ربنا يخليك يا داكتور
- وطبعا راحة يومين بدون حركة إلا للضرورة القصوى.
- كله إلا موضوع عدم الحركة ، أنا ماضية عقد ولو مشتغلتش يتخرب بيتى، شوف أى حل الله يسعدك.
- هو حضرتك بتشتغلى إيه ؟
- رقاصة يا داكتور ههههى ، مش بقولك زميلة سعاد
- مين سعاد؟ .. آه المتنورة افتكرت ، عموما هكتبلك على حقن وهخلى سهير تديلك واحدة دلوقتى وتاخدى واحدة بعدما تخلصى شغلك
- بلاش سهير دى شكلها منفسنة منى وأخاف تنتقم منى.
- لأ اطمنى هى مش هتعمل كده.
- طب ممكن طلب رفيع هههههى
- أوؤمرى
- يعنى لو مفيهاش إزعاج ممكن تليفونك علشان لو احتجت استشارة كده ولا حاجة.
- اتفضلى الكارت ده ، فيه رقمى الشخصى ، تحت أمرك أى وقت .
خرجت الغندورة وكانت اسم على مسمى ، من غرفة الكشف وقد تركت لدى تساؤلات كثيرة ، حتى أننى أمضيت الباقى من هذا المساء شاردا معظم الوقت ، إلى أن أبلغتنى سهير بأن المريض التالى هو آخر الحالات بالعيادة ، أتممت الكشف عليه وكتبت العلاج المناسب على الروشتة وبعد أن انصرف.
غادرت أنا وسهير وركبنا سيارتى لأقلها لأقرب محطة أتوبيس ككل ليلة بعد انتهاء العمل.
قاربت الساعة على الحادية عشرة مساء وكنت فى طريقى للمنزل وكل تفكيرى معلق بتلك الغندورة ، رن هاتفى وظهر رقم غير مسجل ، تلقيت المكالمة فإذا
بها هى .. من شغلت تفكيرى ، تشكرنى على ذلك الدواء السحرى على حد قولها ، وأخذت تلح على أن أكون ضيفها فى النايت كلوب الذى تعمل به كتعبير عن امتنانها لى ، حقيقة كانت غندورة تمتلك قدرة عجيبة على الاقناع باسلوب لا يقاوم ، فوجدتنى أقول بلا تردد
- خلاص يا ستى ابعتى اللوكيشن ، هجيلك
ما إن وصلتنى رسالتها بموقع النايت حتى استدرت بسياتى وانطلقت فى اتجاهها ، ما إن وصلت للمكان ووتوقفت سيارتى حتى وجدت بودى جارد ذو جسد ضخم يشبه أبطال المصارعة الحرة ، يقوم بفتح باب السيارة قائلا بصوت جهورى
- دكتور عماد باشا
- أيوه يا فندم أوؤمر حضرتك
- الست غندورة موصية على سعاتك، اتفضل أوصلك لجوة
- حاضر يا فندم
أقفلت باب سيارتى بعد أن ترجلت منها وأنا أتسائل كيف عرفنى هذا المارد المخيف ولكننى اخفيت تساؤلاتى وسرت خلفه ، كان النايت فى أحد العائمات بالنيل ، وما إن صعدنا الدرج المؤدى للباب ،
قام بدفعه لندخل إلى عالم غريب لم اعتده ، ضوء خافت ، وموسيقى شرقية صاخبة ، وجسد تحت الاضواء الوحيدة على ما يشبه خشبة مسرح صغيرة يتمايل بانسيابية على أنغام تلك الموسيقى ، استطعت تميزه بسهولة إنه جسد الغندورة ، أجلسنى الجارد على أقرب منضدة لذلك المسرح ، صرت اشاهدها بانبهار شديد
ولكننى كنت أشعر بالخجل وكأن عيون كل الموجودين بالمكان يتطلعون إلى الطبيب الشهير وهو يجلس مشدوها أمامها ، ولكن سرعان ما تخلصت من تلك الافكار السخيفة خصوصا وأنا اتلقى منها غمزات بعينيها الواسعتين كلما كانت فى مواجهتى ، أنهت رقصاتها ، حيت جمهورها .
ثم غادرت المسرح تحت موجة عاصفة من التصفيق الحار ، ورغم أننى لا أفهم كثيرا فى هذا النوع من الفن إلا أننى ما زلت منبهرا بأدائها ، مر بعض الوقت وجاءت غندورة لتجلس إلى جوارى بعد أن حيتنى بطريقتها ، طبعت قبلتين على خدى الاثنين ، ثم تبعها النادل
والذى طلبت منه زجاجة من أجود أنواع الخمور .. كما علمت منها فيما بعد ، ولأول مرة أحتسى الخمر ، تحادثنا .. ضحكنا .. ورغم التباين الثقافى بيننا شعرت بما يجذبنى إليها ، فهى ليست فقط مثيرة ولكنها تمتلك حسا فكاهيا يشوبه بعض الحزن ، لم أشعر معها بالوقت ، غادرنا المكان سويا
توشك الشمس أن تشرق ، نصحتنى بأن أترك سيارتى على أن تقوم هى بإيصالى لمنزلى فحالتى لا تسمح أبدا بالقيادة ، وهذا ما حدث فعلا ، وصلنا أمام منزلى وهو ڤيلا صغيرة بحديقة خاصة أمامها ، شكرتها على السهرة الجميلة ثم ترجلت من السيارة ودخلت إلى ڤيلتى ومضت هى فى طريقها.
توجهت مباشرة إلى غرفة الضيوف بالطابق الأرضى ودخلت إلى الفراش واستسلمت لنوم عميق بكامل ملابس ، فقد آثرت أن لا ترانى زوجتى وأنا تحت تأثير الخمر وسحر الغندورة وعطرها وقبلاتها ، استيقظت بعد الثالثة عصرا أعانى من آثار ما بعد الشرب ، تناولت هاتفى وأخبرت سهير أننى لن أحضر للعيادة .
وكانت تلك هى المرة الأولى التى أتخلف فيها عن الذهاب سوى لسفر لحضور مؤتمر طبى أو إجازتى السنوية مع أسرتى ، لكنها ليست آخر مرة.
ولأول مرة كذبت على زوجتى التى كانت تثق بى ثقة عمياء وأخبرتها أن أحد أصدقائى القدامى قد وصل من السفر وأننا قد أمضينا السهرة فى أحد النوادى الليلية
اضطررت لاختلاق تلك القصة الوهمية حتى أنفى عن نفسى أى شبهة .
فى اليوم التالى عدت إلى الروتين المعتاد ، صباحا أقوم بالتدريس لطلبة الطب بالجامعة ومساء بعيادتى بين مرضاى.
مر أسبوع لم اتلقى فيه أى اتصال منها .. من غندورة ، وقد قررت أن أنساها و أعتبر ما حدث كأن لم يكن.
وفى اليوم الثامن وأثناء جلوسى بغرفة الكشف ، دخلت سهير لتعلن عن قدومها ، حضرت غندورة فى موعد الاستشارة ، وما إن خرجت سهير من الغرفة واغلاقها الباب ، انهمرت الدموع من عينى غندورة وسال الكحل على وجنتيها ، فسألتها فى لهفة قائلا :
- خير مالك ، انتى كويسة ؟
- لأ مش كويسة أنا ف مصيبة
- خير كفى الله الشر
- لأ مش هينفع نكمل كلام هنا ، خلص العيانين اللى عندك وتعالى نقعد فى مكان هادى نتكلم، هستناك فى عربيتى
- استنى بس ، متنزليش وانتى فى الحالة دى ، الباب اللى هناك ده بتاع الاستراحة بتاعتى ادخلى اغسلى وشك كده واهدى لحد ما اخلص الحالات .
- اللى تشوفه
دخلت غندورة إلى حجرة الاستراحة ثم قمت باستدعاء سهير وطلبت منها أن تخبر صالح عامل البوفيه بعمل فنجان من القهوة وتقديمها لغندورة فى غرفة الاستراحة ، فقابلتنى بنظرة تساؤل ، فلم يكن مسموحا لأحد بدخول تلك الغرفة سواى أنا أو صالح لتنظيفها ، لكننى تجاهلت تلك النظرة وتظاهرت بمطالعة هاتفى
بعد خروج آخر حالة ، طلبت من سهير أن تخبر غندورة أننا مستعدون للمغادرة ، فتحت سهير الباب بعدما طرقته ثم قالت فى صوت متلهف وهى تدخل نحوها مسرعة :
- إلحق يا دكتور ، الست واقعة ع الأرض وشكلها مغمى عليها.
توجهت مسرعا نحو غندورة وقمت على الفور بالتحقق من نبضها وكون تنفسها طبيعيا أم لا ، وبدون الدخول فى تفاصيل طبية استطعت أن أعيدها لوعيها ثم ساعدناها أنا وسهير على النهوض ثم أجلسناها على أحد المقاعد ، لم يساورنى أى شك حينها فى أنها تدعى الاغماء .
وبعد قليل من الوقت نهضت واقفة فتركتها مع سهير بحجرة الاستراحة وخرجت لغرفة الكشف ، لخلع البالطو وارتداء چاكيت البدلة ، خرجت سهير وبرفقتها غندور بعد قليل فى كامل بهائها وكأنها حضرت لتوها من إحدى دور التجميل ، استقلينا ثلاثتنا المصعد ، ثم السيارة .
انطلقت بالسيارة مسرعا فأنا لا أطيق صبرا حتى تترجل منها سهير حتى أعرف سبب بكاء غندورة ، وما هى تلك المصيبة التى ألمت بها.
ترجلت سهير فى مكانها المعتاد ، فأخبرتنى غندورة أن أتوجه لأحد الكافيهات الهادئة وكان يطل على النيل ، وصلنا إلى المكان ، اخترنا طاولة فى أحد الأركان
طلبت من النادل فنجانين من القهوة ، نظرت نحوها وجدتها تنظر نحو اللاشيئ باديا عليها الحزن وعيناها تنساب منها الدموع على وجنتيها فى صمت فمددت يدى ومسحت الدموع من وجنتيها فنظرت نحوى وقالت فى حزن :
- عماد انا معنديش أصحاب ، ليا معجبين كتير بس معنديش أصحاب .
صمتت قليلا ثم أردفت قائلة بنفس نبرة الحزن :
- أنا هربت من بيت أبويا وانا عندى تمنتاشر سنة ، أبويا لاف على واحدة واتجوزها ، وجابها تعيش معانا فى البيت ، أمى ماتت من الحسرة ، مراة أبويا كانت ولية مفترية سقتنى العذاب ألوان ، أخويا الوحيد جاله عقد عمل وسافر برة ، وهناك مات فى حادثة
هربت من العذاب ، جيت على مصر ، اتبهدلت واتمرمطت ، اشتغلت خدامة ، اشتغلت بياعة فى محل ، لحد ما اتعرفت على منار ، كانت زبونة فى المحل ، كانت برنسيسة كده فى نفسها وعجبتنى شخصيتها ، عرضت عليا فى يوم اسيب الشغل والمرمطة فى المحل واشتغل فى الكازينو اللى بتشتغل فيه ، وافقت من غير تفكير
وحتى من غير ما اعرف طبيعة الشغل ، وفى يوم قابلت صاحبة المكان ، قالتلى إيه بت يا كريمة الجسم الفاير ده ؟
- مين كريمة
- أنا .. اسمى كريمة
- أمال إيه حكاية غندورة دى ؟
- هى سمتنى كده ، قالتلى سيبيلى نفسك وأنا ف ظرف شهر هخليكى برنسيسة على حق ، وهتلعبى بالفلوس لعب.
بس لازم تمضيلى على ورقة على بياض ، علشان أضمن إنك مش بعدما اصرف عليكى من لحم الحى تسيبينى ، حاكم انا ملدوعة كتير قبل كده.
مالقيتش بد من إنى أمضيلها ، اشتغلت معاها تلات سنين ..
- وبعدين ؟
- اتشهرت ورقصت فى أفراح ولاد الذوات وكبارات البلد ، لحد ما شافنى مجاهد
- مين مجاهد ؟
- صاحب أكبر نايت فى مصر تما ، قالى تعالى اشتغلى فى النايت عندى وهاتخدى اللى تطلبيه وأكتر .
- وروحتى ؟
- زغلل عنيا بالفلوس ، روحت وسيبت المحل القديم بعدما دبيت خناقة مع لواحظ صاحبته .
- وبعدين ؟
- لواحظ كانت بتعمل ألف حساب لمجاهد فسابتنى على نن عنيها.
اشتغلت عند مجاهد وف ظرف سنة كنت بالعب بالفلوس لعب ، بس كله بتمنه ، مجاهد ملكنى وعشت معاه فى عوامته ، لحدما دخل فى شغلانة كبيرة ما اعرف سلاح ولا ايه المهم خسر كل فلوسه وسحب فلوسى م البنك بالتوكيل اللى معاه وفص ملح وداب ، اتعرفت على سعاد ، وشغلتنى معاها فى النايت اللى عزمتك فيه
- طب فين المشكلة ؟
- لواحظ حطت خمسة مليون جنيه عليا فى الورقة اللى معاها وعليها امضتى .
- وبعدين ؟
- مش عارفة يا عماد ، دى مرة قادرة ومش هتسيبنى فى حالى
- طب هتتصرفى ازاى؟ متعرفيش حد ممكن يسلفك ؟
- يسلفنى ؟؟ ها ها ها .. خمسة مليون ؟
- بصى يا غندورة أنا معايا سبعمية وخمسين ألف
دول كل اللى طلعت بيهم من الدنيا ، خوديهم وإديهملها وخليها تصبر عليكى شوية.
- عماد افهم ، الولية ديت حالفة يا الخمسة مليون يا هتطير رقبتى.
- إيه ؟؟ للدرجة دى ؟
- أومال انت مفكر إيه.
- طب قومى أوصلك وسيبينى لبكرة أشوف هعمل إيه
- عماد متحملش نفسك فوق طاقتها ، أنا بفضفض معاك.
غادرنا المكان وأوصلتها لمنزلها واتفقنا أن أعود غدا لأصطحبها لتأخذ سيارتها والتى تركتها بالقرب من عيادتى ، وطوال الطريق لم ينطق أحدنا بكلمة ، ساد الصمت ، ترجلت من سيارتى واكتفت بالتحديق إلى عيناى ثم دخلت إلى منزلها .. استغرقنى التفكير طوال الطريق لمنزلى فى حل لهذه المصيبة
تباينت القرارات ما بين أنها حتما تستغلنى وأنا على أن اعتذر لها بطريقة مهذبة وما بين احساسى كطبيب بالمسؤلية نحوها ، تساؤلات محيرة كثيرة تعصف برأسى ثم تذكرت عصام رفيق الطفولة وصاحب العمر ورغم مرور بعض الوقت بلا أى اتصال بيننا ورغم تجاوز الساعة الثانية صباحا ، قمت بمهاتفته.
وبعد الاعتذار عن الاتصال به فى هذا الوقت المتأخر من الليل وعتابه لى على انقطاعى عنه أخبرته أننى قادم إلى زيارته صباحا ، وكان عصام إبنا لعمدة قريتنا السابق ، فرحب بى وأخبرنى أنه فى انتظارى ، انتظرت شروق الشمس على أحر من الجمر ، استقليت سيارتى وتوجهت نحو احدى القرى بمنطقة سقارة.
توجهت إلى دوار العمدة السابق ، والذى كان قديما مكانا يعج بالحركة وقد أصبح الآن قديما خاليا من البشر ، استقبلنى عصام ببشاته المعهدة وترحابه الحميم ، تحادثنا بعض الوقت عن أحوالنا ثم بادرته قائلا ؛
- عصام أنا محتاج خمسة مليون جنيه
- خاامسة مليون !!!؟
وغلاوتك يا صاحبى لو معايا ما عزهمش عليك.
- يا ابنى افهم ، أنا عاوز أبيع المزرعة ، اللى اعرفه انها تساوى سبعة بس مستعجل جدا.
- سبعة مين دى بالميت تجيب عشرة ف عين العدو.
- طب شوفلى حد يشتريها وخود اللى انت عاوزه.
- عاوز تبيع ورثك يا عماد ؟ عاوز الناس فى البلد تاكل وشك يا صاحبى؟
- ثم انت عاوز الفلوس دى كلها ليه ؟
- هدخل شريك مع واحد عنده أرض فى أكتوبر وهنبنى مستوصف.
- آه قولتلى بقى ، طب حيث كده ماشى أهو حاجة تنفع عيالك برضو.
- هتشوفلى مشترى ؟
- بيت معايا لبكره وهنتصرف .
- طب زى بعضه ، المهم أرجع والمبلغ معايا قبل الراجل ما يشوف حد تانى يشاركه
قضينا باقى اليوم نتسامر وكان عصام عازبا لم يتزوج ، وكان يعتمد فى طعامه على أحد جيرانه من الفلاحين ، حيث تطبخ زوجته لعصام ويحضر الرجل الطعام مقابل النقود ، مضى اليوم ودخل كلا منا للنوم فى غرفة ، وفى الصباح حينما غادرت غرفتى بحثت عن عصام لأجده جالسا فى الشرفة الكبيرة فجلست بجانبه
فنظر تجاهى وقد تهللت أساريره وقال :
- مش خمسة مليون ولا عشرة .. إيه رأيك فى خمسين ؟
- خمسين إيه ؟
- خمسين مليون ..
- خمسين مليون جنيه ؟ هى المزرعة تجيب الرقم ده ؟
- لأ يا عماد المزرعة ما تجيبش الرقم ده ، اللى تحت المزرعة هو اللى يجيب أكتر من الرقم ده.
- إيه هو اللى تحت المزرعة؟
- انت مرزق يا عماد ، الصبح عدى عليا الشيخ جاسر وطلبت منه يشوفلنا مشترى حاكم حبايبه كتير ويعرف ناس معاها ملايين متلتلة ، قام بشرنى وقالى متخليش صاحبك يبيع الأرض دى ، ووصفلى بلاوى سودة تحتها .
- بلاوى سودة إزاى يعنى يا عصام ؟
- مساخيط يا جدع.
- لأ طبعا أنا مش ممكن أعمل كده
- يا ابنى كبر دماغك ، انت كده ولا كده كنت هتبيع الأرض وكان اللى هيشتريها يلاقى الكنز ، طب ما انت أولى وأنا هرزق من وراك.
- بس ده ضد مبادئى يا عصام ، خلاص أنا مش هبيع المزرعة ، هرجع أبيع الڤيلا وخلاص .
- اللى تشوفه يا صاحبى من حكم فى ماله ما ظلم .
جلست صامتا لبعض الوقت أفكر فى الرقم المهول الذى وعدنى به عصام وبين حيرتى أننى ساضطر أن أرغم أسرتى على الانتقال لمستوى معيشى أقل وما بين ما قد تحققه تلك الخمسون مليون لهم وافقت فى النهاية، وبعد ما يقرب الساعة حضر رجل ذو هيئة مخيفة طويل القامة شعره يملؤه الشيب وجه ممتلئ وعيون ضيقة
ولأول مرة أرى عصام ينتفض واقفا لتحية أحد بتلك الطريقة حتى أنه نزل مهرولا على درجات السلم لاستقبال هذا الجاسر وانحنى على يده وقبلها ، صعدا معا درجات السلم فنهضت مادا يدى نحوه ، وما إن أمسك يدى حتى ضغط عليها بشدة قائلا بصوت أكثر رعبا من هيئته :
- إزيك يا عماد
- الحمد لله،إزى حضرتك
- أقعد يا عماد
كنت أشعر أننى مسلوب الإرادة أمام هذا الجاسر ، تحدثنا عن المزرعة وأخذ يصف لى ما تحت الأرض وكيفية الوصول إليه ولكن هناك معضلة وحيدة .. نحتاج لبعض المال لنحقق ذلك ، فأجبته على الفور بما لدى واتفقنا على البدء فى الحفر بعد ثلاثة أيام .
عدت إلى القاهرة وأثناء وجودى تلقيت اتصالا من غندورة تخبرنى أنها مختطفة وإن لم أحضر المال فى ظرف أسبوع ستقتل ثم اغلق الهاتف ، سحبت كل ما لدى فى حسابى البنكى ، رهنت ڤيلتى ، وعدت للقرية فى اليوم المحدد ، كان فى انتظارى عصام وجاسر وبصحبتهم ثلاثة رجال ، توجهنا جميعا إلى المزرعة
جلس جاسر القرفصاء فى أحد الأركان وكان يتمتم بكلام غير مفهوم ثم أمسك بفرع شجرة يابس ورسم دائرة كبيرة على الأرض وبداخلها رموز غريبة الشكل ، ثم أمر الرجال الثلاثة بالحفر فى هذا المكان، مضت ساعتين والحفرة تزداد عمقا أكثر وأكثر ، ثم سمعنا صوتا مرعبا يشبه الصراخ
فقام أحد الرجال بإنزال سلم خشبى إلى الحفرة ، ثم نزل جاسر للأسفل وأمرنا جميعا بالابتعاد عن الحفرة قليلا ، علا صوت الصراخ حتى كاد يصم آذاننا ، كنت أرتجف من شدة الرعب ، ثم ساد الصمت فجأة ، نادانى جاسر وأمرنى أن أنزل إلى الحفرة معه ، ففعلت وأنا لازلت غير متمالكا أعصابى من شدة الخوف
حينما نزلت للحفرة وجدتنى بجوار جاسر وكان ممسكا بكشاف يضيئ المكان ومسلطا ضوئه على حائط عليه نقوش محفورة تشبه تلك الموجودة على معبد قدماء المصريين ، ثم طلب منى أن أضع يدى على موضع محدد على ذلك الجدار ، ثم وضع يده فوق يدى وكأنه وضع حجرا كبيرا فوقها لدرجة أننى شعرت بروحى تتسرب منى
من شدة الألم ، ثم تمتم بكلامه الغير مفهوم كما سبق ولكن بصوت مرتفع هذه المرة فانهار الجدار كاشفا عن ممر خلفه ، توقف الألم تماما ، ثم همس لى جاسر قائلا بصوته المرعب :
- مهمتك خلصت يا عماد ، اطلع برة الحفرة وابعتلى راجلين ينزلو هنا ، صعدت درجات السلم الخشبى ولازلت أرتجف من الرعب
كنت أتمنى فى تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعنى لأتخلص من هذا الشعور بالرعب والهلع ، هبط رجلين لمرافقة جاسر بالأسفل وقام عصام والرجل الآخر بإنزال طرف حبل غليظ كما أمرهما جاسر ، ثم بدأت الغنائم تظهر واحدة تلو أخرى ، بأحجام متفاوتة ما بين حجم الإنسان الطبيعى
والبعض الأخر فى حجم طفل رضيع ، ثم خرج الرجلين ونادانى جاسر للهبوط ثانية ففعلت وما إن هبطت للأسفل وضع يده على رأسى وأمسكها بقوة بيديه القويتين ولم أسمع ما نطق به ، لم أشعر سوى أننى تسمرت فى مكانى فاقدا القدرة على الحركة أو النطق ، صعد جاسر الدرج ، تاركا إياى فى الحفرة وحدى
ثم سمعته يأمر رجاله بردم الحفرة ، وبدأ الترب ينهال على رأسى ، ورويدا رويدا يغطى جسدى ، منذ قليل تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتنى وها هى أمنيتى تتحقق ، ويا لها من أمنية ثم سمعت صوت عصام صديق الطفولة ورفيق العمر يقول من أعلى الحفرة بنبرة ساخرة :
- سامحنى يا صاحبى طمعت فيك ، ماهو مايرضكش إن ابن العمدة يتضحضر بيه الحال كده ، وبعدين البت غندورة فرسة زى ما انت عارف وغويتها ، ووعدتها ابنيلها نايت كلوب باسمها ، مع السلامة يا صاحبى.
- انتهت
- غندورة بقلم : فارس سلامة

جاري تحميل الاقتراحات...