خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

34 تغريدة 26 قراءة Nov 12, 2021
الحرية الكلية التي تحققت لآندي دوفرين في نهاية قصة "سجن شوشانك"، سُبقت بإلماحات وإشارات عن حريات صغيرة حققها عبر أحداث القصة، مشهد المعاملة الخاصة التي انتزعها لرفاقه من حارس السجن، مشهد أوبرا موزارت، كلها حريات جزئية تشي بما هو كليّ. الحرية لم تغب قط. لقد كان حُراً طوال حياته.
2-لو نظرنا بعمق في شخصية آندي دوفرين، وكيف واجه الصعوبات التي واجهها لينال الحرية، فإلى أين فلسفة من الفلسفات المعروفة كان ينتمي؟
3-من النقاد السينمائيين من رأي أن "سجن شوشانك" فيلم مسيحي في مضمونه، لأنه فكرته الأساس عن مفهوم الخلاص، فهل توافقونهم على ذلك؟؟
4-في كل مرة أشاهد فيلم "سجن شوشانك" أجد أمامي محاضرة كاملة عميقة تحليلية وتمثيلية، تكشف أسرار الفلسفة الرواقية .. أجد أمامي أبيكتيتوس المكسور وحريته الداخلية، مثلما أجد سنيكا الصغير واحتقاره للموت والحياة على حد سواء. أجد هذا في شخصية البطل آندي دوفرين وحده، لا في بقية السجناء.
5-آندي دوفرين وجد نفسه مقذوفاً به في السجن، لا في العالم، بسبب ليلة سُكر شديد انتهت بقتل زوجته وعشيقها، فيما هو لا يدري على وجه اليقين إن كان هو من قتلهما أم لا. لا يبدو هذا المشهد الابتدائي لائقا برواقي، لكن كل ما أتى بعد ذلك يشير إلى سلوك رواقي كامل، في كل حدث هناك إشارة.
6-منذ دخول السجن والمبدأ الرواقي واضح، كيف أحكم قبضتي على حياتي؟ هذا السؤال البسيط قادالرواقيين إلى سؤال معقد، ما هي طبيعة الكون وكيف سنعيش فيه؟ وهذا السؤال عن الخارج يقود إلى الداخل، ما هي طبيعة روحي؟ ثم الخلوص للجمع بين الاثنين وأنهما متناغما تماماً. كل جزء مني هو جزء من الكون.
7-هذا الكون قد جرى تحديده بدقة في سلسلة من الأشياء التي لا تتغير لكنها تتفكك في تتابع داخلي ينتج عن السبب والنتيجة.
8-وستمضي الإشياء على طبيعتها، وسيظل الإنسان يعيش في وسطها، يعيشها، يجربها، في كل لحظة كشيء لا يقبل التجزئة. السجن أفضل مكان لنعرف العيش في لحظة الآن، بعيدا عن ماض قد اختفى ومستقبل لا يمكن الثقة به ولا تحديده، لقد قُذف بك إلى هنا، وليس ثم غير هنا والآن.
9-كيف سيجمع الإنسان رجليه ليقف في مواجهة المحتوم؟ هل سيبقى مع هذا المحتوم مجال للحديث عن حرية اختيار أو عن أخلاق؟
هنا يظهر الجواب الرواقي. لا ينبغي أن نلتفت إلا إلى سلوكنا نحن أمام هذا المحتوم وكيف سنستقبل سيل الأحداث وكيف سنتعامل مع طبيعة الأشياء. هذا هو فقط ما يطرح نفسه كممكن.
10-نعم صحيح أن الكون في تحول دائم، لكن الحياة هي رأينا فيها، ولا بد من التفريق بين ما هو تحت سيطرتنا وما لم ليس كذلك، هنا دخل أبيكتيتوس بموضوع الحرية الداخلية، نحن أحرار في داخلنا، بغض النظر عما يحدث لنا في الخارج، حتى لو سُحلت أجسادنا وشوهت سمعتنا. نحن أحرار في نظرتنا للأمور.
11-لا شك أن آندي انطلق من هذه النظرة: نحن لا نستطيع أن نتحكم في تصرفات الآخرين، ولكننا نستطيع أن نتحكم في ردة فعلنا تجاه أفعالهم. نحن لا نستطيع أن نحدد الأحكام التي سيصدرها الناس بحقنا، لكننا سنتمسك بقول الصدق، وسنتمسك بأهداب الأمل في أن تتحسن الأحوال نحو الأفضل.
12- نحن لا يمكن أن نبقى من منأى عن الخطر لكن يمكن أن نختار الطريقة التي سنواجهه بها. نحن نملك القدرة على تمييز ما نقدر عليه، وما يخرج عن إطار ذلك، بمعنى، أننا سنجد التوافق بين تحولات الكون وبين رؤيتنا لذلك .. سنوافقه ونقبله كما هو .. ما يخرج عن سيطرتنا وما نشتهيه على حد سواء.
13-يصف ريد صديقه آندي الرواقي بأنه كانت له طريقته الهادئة في التعاطي مع الأمور، يمشي في باحة السجن، ويتحدث مع الآخرين، وكأنه لا يوجد شيء غير "طبيعي" في المكان ولا الزمان. متوافق مع طبيعة الأشياء تماما. حتى وإن غضب نتشه من هذا التوافق الاختياري الغريب!
14-تجربتك في حياتك الخاصة متناغمة، مثلما أن الكون متناغم، وعندما تعيش هكذا، فسوف تنظر للكون بثقة، لأنك تناغمت مع كل شيء تناغم معه، لا شيء يأتي مبكرا ولا شيء يأتي متأخرا، فلا مشكلة مع الزمن. لقد دخل التناغم على التناغم فأصبح كله شيئا واحدا.
15-لماذا أقول إننا أمام شخصية رواقية؟ لأن آندي حين دخل السجن كان أشبه ما يكون بالرواقي أبيكتيتوس عندما دخل عالم الرق، كلا الرجلين أصبح منزوع السيطرة على جسده الذي أصبح مملوكا لآخر (نحن نأمرك فتأكل ثم نأمرك فتفرغ أمعاءك) كذا قال السجان. هنا تتمايز الروح عن الجسد وتصبح هي المحور.
16-من أين يأتي العذاب؟ إننا نتعذب من خيالنا، أكثر من أي عذاب نجده في الواقع. ما يعذبنا ليس وجود الأشياء أو غيابها بقدر ما هو من أحكامنا التي نطلقها على ما يعنيه لنا هذا الغياب أو ذلك الحضور. العذاب يظهر مع أحكامنا التي لا تلتفت ولا تميّز بين ما هو تحت سيطرتنا وما ليس كذلك.
17-على سبيل المثال، أن تحب أحداً ما، هذا أمر تحت سيطرتك، ولك أن تمنح قلبك لمن شئت، وأن تدع هذا الحب ينمو ويترعرع ويتمدد، لكن ليس داخلاً في سيطرتك أن يبادلك هذا الإنسان المحبة، وإن أحبك فليس بأيديكما أن تخلد هذه المحبة إلى الأبد. تمييز ما تحت السيطرة وما ليس كذلك يشبه حزام الأمان.
18-السعادة الحقيقية تكمن في الاستمتاع بما في اليد في اللحظة، دون توق أليم لشيء نتمنى حدوثه في المستقبل، لا أمل ولا خوف، ليس ثم إلا الرضا بما في أيدينا في كل لحظة، مع الوعي بأن ما في اليد متغير هو الآخر، وهنا سنشعر بأن الاحتياج هو للاشيء.
19-كل ما يحتاجه الإنسان موجود في داخله، ولذلك، إياك أن تُحرق قلبك توقاً لما هو غير موجود. غير الموجود معدوم حتى يصبح موجودا بالفعل بدون انتظار ولا لوعة غياب.
20-“اجعل كل جهودك تسير باتجاه شيء ما، وأبق نهايته تحت منظورك. الأنشطة ليست ما يرهق البشر، لكن المفاهيم المغلوطة بخصوص الأشياء، هي ما يدفع الناس للجنون”
سنيكا
هذا ليس فتحا لباب الأمل المضني وإنما هو فتح مضمار للعمل،وحينها تعرف الخارج عن السيطرة، وتستبقي حقك وقوتك على المسيطر عليه.
21-هذه نقطة يقع فيها الخلط، فالرواقية لا تطلب منك أن تصبح ريشة في مهب الريح أو شيئا سلبيا تتحكم فيه الظروف. إنها تدعوك للعمل، وأن تحب ما شئت أن تحب، لكنها تدعوك أيضاً إلى ألا تتعلق بشيء يمكن أن ينتزع من يدك في أي لحظة وأنت تنظر.
22-توجيه نشاطك تجاه هدف غير يقيني الثمرة، خير من أن تعيش شعور الخوف الذي يعيشه من يحيا حياة بلا هدف. إن وجدت الهدف فلا تضغط بقوة لتحقيقه لأن هذا ليس من ضمن دائرة المسيطر عليه. ما هو المسيطر عليه؟ أن تعانق هذه الحماقة، حماقة العيش، بدون توقعات، بعد أن قمت بكل واجباتك.
23-هذه التوقعات اللعينة، خصوصا عندما تقتنع من داخلك وتقنع نفسك بأنك لم تنل ما تستحق، هي أكبر عائق أمام الحياة الرواقية، لأن هذه التوقعات تجعلك تعيش وأنت تنظر إلى المستقبل، فيضيع منك اليوم.
24-ما دام أنك في عالم العيش، فتعلّم أن تعيش، تعلم أشياء جديدة في كل يوم. تعلم أن تصادق نفسك وسيصبح الكل أصدقاءك، تعلم أن تحب الناس والأشياء وسيحبك الناس والأشياء. ولتكن طيبتك صادقة نزيهة لا زيف فيها، بحيث ينتج عنها ألا تكتفي بخدمة نفسك، بل أن تخدم كل من تلاقي، حباً.
25-الرواقية ترفض كتب الأسرار والمعارف الخاصة والحكمة المضنون بها على غير أهلها، بل يصرح الرواقيون بأن الحكمة التي لا تُنقل لكل الناس لا خير فيها، ولا ينبغي لأحد أن يقبل بها، بل يتعين عليه أن يرفضها، إن كان نزيهاً. والأشعار والحكم التي كتبوها في هذا المضمار مذهلة بحق.
26-وعندما يتحدث آندي عن موسيقى موزارت التي يسمعها دائما في قلبه وعقله في كل مكان، وكيف أنها تمنعه من نسيان عالم آخر، غير العالم المصنوع من الصخور، وكيف أنه عالم لا يستطيع أحد أخذه، فهو يتحدث عن عالم أبيكتيتوس وحريته الداخلية التي أنقذته في سنوات الرق والعذاب.
27-منذ لحظة دخول آندي للسجن، رأيت فيه أبيكتيتوس الرواقي، يمشي بهدوء ولا يقول شيئا برغم كآبة المنظر، يراقب التفاصيل الدقيقة ويحتفظ بها بداخله ولا يشتكي ولا يعترض على شيء. هكذا خسر صديقه ريد الرهان عندما راهن على أنه سيكون أول من ينهار في ليلة السجن الأولى( الليلة الأقسى ع الجميع).
28-يصف ريد صديقه آندي بأنه لم يصدر صوتا واحد في ليلة الوحشة الأولى، وهذا بالنسبة له شيء كبير وشجاعة نادرة بحكم أنه ليس برواقي حتما. ثم يزداد تعجبا عندما يصفه بأنه يمشي في الجوار وكأن كل شيء على ما يرام، "كانت طريقة مشيه وطريقة حديثه، شيئا فريداً وفي قمة الغرابة على هذا المكان".
29-"كان يتجول في ساحة السجن، كأنما كان يتنزه في حديقة، بلا همّ ولا غم ولا مبالاة بما يحدث في العالم، وكأنما كان يرتدي معطفا واقيا يحميه من هذا المكان".
إن شئنا أن نستخدم لغة جبران خليل جبران فسنقول: هكذا كان يمشي الرواقيون الذين لم يمش أحدٌ مشيتهم قط.
30-كنت قد كتبت هنا أن أفضل وسيلة لفهم الفلسفة فهما عميقا هي السينما، واليوم أقول إن كتب الفلسفة تصف، أما السينما فهي تخلق شعورا قويا معدياً وفهماً. قد تجد في الكتب تفاصيل أكثر، لكني أظن أنك لن تجد من يعطيك شعورا عميقا بماهية الرواقية أفضل مما فعله فرانك دارابونت في "سجن شوشانك".
31-الإشارات الرواقية الذكية في النص يثقل إحصاؤها، منها أن آندي لا يصف المساجين بالمساجين، وإنما يصفهم بأنهم "زملاؤه في العمل"! الرواقية تقدس العمل تقديساً لا يقل عن تقديس الماركسيين.العمل الهادئ غير المنفعل لجعل الأمور تتحسن، بلا غضب ولا رفض للواقع، فقبول الواقع خطوة لتغييره.
31-تقديس العمل يظهر مرة أخرى عندما يرفض شرب البيرة، فهو مشغول بالأهم، كما أن الشرب هو ما أوقعه في المشكلة أولاً، عندما انحرف عن طريق الرواق للسُكر هربا من مشكلاته فانتهى سجينا.الرواقي لا يشرب الخمر التي تجعله ضعيفا. وإن كان آندي قد انتزع "لزملائه في العمل" حق شرب البيرة إن شاءوا.
32-لماذا مرر آندي الموسيقى للمساجين؟ لأن الموسيقى حرية شعر بها فأراد بها تحرير المساجين، تحرير للروح لا للجسد. لماذا فعل ذلك وهو يعلم أنه سيعاقب بالضرب الشديد والسجن الانفرادي؟ لأن هذا جزء من عمل الرواقي، تمرير الحرية الروحية للآخرين.
m.youtube.com
33-روح الرواقي غربا، تشبه روح البوذي ساتفا في فلسفة الزن شرقا(ذلك الإنسان القادر على الحرية لكنه يرفضها حتى يتحرر معه كل البشر والحجر والشجر) ما هو القاسم المشترك؟ إنها روح التصوف التي لا تحمل إلا الحب والرحمة ولا شيء سواهما. هذا هو الدرس الكبير الذي سنفيق يوما فنفهمه ونقدره.

جاري تحميل الاقتراحات...