العقول الصغيرة تتعامل مع الناس بقوالب جاهزة وأحكام كلية، فليس بمقدورها تمييز ما عند الآخرين من صواب وباطل، بل تميل إلى ما يُمليه عليها هواها، بخلاف من نضج عقله وكثر علمه وازداد ورعه، فتراه كلفاً بالإنصاف، عفيف اللسان عن غمط الناس، يظهر محاسنهم ويتعذر لأغلاطهم أو يُبيّنها برفق.
ومن أعظم ما يُبين لك هذه الطريقة، سلوك أئمة الحديث ومناهجهم في تقويم الرواة والحكم عليهم، حتى مع من يخالفهم في الأصول فضلا عن الفروع، فهذا الإمام علي بن المديني يقول في ترجمة أبي نجيح المكي :"أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدريا معتزليا".
وهذا إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين يُسئل عن عن سعيد بن خيثم الهلالي، فقال :"شيخ كوفي ليس به بأس، ثقة"، فقال له رجل: شيعي!، فقال :"وشيعي ثقة، وقدري ثقة".
وانظر ما ينقله أبو زرعة عن إنصاف الإمام أحمد، قال :"كنت عند أحمد بن حنبل فُذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيُتكأ، وقال أحمد: كان مرجئا شديدا على الجهمية".
وعن نفس إبراهيم بن طهمان، قال الذهبي عنه :"من أئمة الإسلام، وفيه إرجاء"، وقال في موضع آخر :"ثقة متقن من رجال الصحيحين، وكان مرجئا، فهذا رجل عالم كبير القدر بخراسان أخطأ في مسألة فكان ماذا؟".
والأصل في هذا كله ما قرره ابن تيمية فقال :"وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا".
وفي عبارة جامعة أخرى لابن تيمية يقول :"ليس كل من خالف في شيء من الاعتقاد يكون هالكاً، فقد يكون مجتهدا مخطئا يُغفر له خطؤه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته".
جاري تحميل الاقتراحات...