د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

63 تغريدة 26 قراءة Nov 02, 2021
في هذا الثريد سوف أقدم مراجعة لكتاب ( هكذا تكلم ابن عربي ) لنصر حامد أبو زيد.
ابن عربي عند الحشوية اسم لا يقل بشاعة وفظاعة عن اسم إبليس بينما هو عند بقية المسلمين أحد الأعلام الكبار في فقه الشريعة وفقه النفس وهو عند غير المسلمين فيلسوف روحاني قدم نظريات مختلفة تُدرَّس في الجامعات والحلق العلمية وقد كان من أغزر العلماء إنتاجاً وكتبه رائجة ومترجمة.
رغم كثرة المهتمين والمشتغلين بابن عربي حول العالم إلا أنّ كلهم يُجمِعون على أنّه بحر لا ساحل له، وأنه بحد ذاته يحتاج إلى أن يكون قضية لإنسان يشتغل بها كل حياته حتى يفهم جيداً ما الذي يريد أن يقوله هذا الفيلسوف العظيم.
ومؤلف الكتاب واحد من الذين عاشوا قصة حب مع ابن عربي.
لقد كان التساؤل الذي يملأ عقل المؤلف: هل انتهى فكر ابن عربي أم أنّه ما زال يستطيع تقديم الحلول؟
يعتقد المؤلف بأنّ ابن عربي قدم حلاً سرمدياً يجب أن يصحب الناس في كل العصور، ذلك أنّه استطاع أن يكتشف الأصل الجامع لكل التجارب الروحية بين البشر، وكشف أنّ الجميع يطلب مقصوداً واحداً.
ماهي الفلسفة التي أدّت إلى قول ابن عربي:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فصارَ قلبي قابلاً كل صورةٍ
فمرعى لغـزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طـائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحب أنّى توجّهـتْ
ركائبهُ فالحبّ ديني وإيماني
كيف وصل ابن عربي إلى هذه النتيجة وهو ذلك العالم الكبير في الشريعة والخبير العميق بحقيقة الإسلام؟
بسيط أن نتهمه بالإلحاد والزندقة وننتهي منه ونحافظ على أحقيتنا بالصواب.
ولكن في هذا الكتاب تحديداً يريد المؤلف أن يخبرنا بأنّه يوجد وراء الأكمة ما وراءها.
الأمر ليس هوى أو شهوة.
يرى ابن عربي أنّ جميع التجارب الروحية وكل أساليب التعبّد في مختلف الحضارات والثقافات إنما هي ترجمة لحقيقة قديمة وعميقة وهي العلاقة بين الخالق والمخلوق التي تشبه كثيراً العلاقة بين الطفل والأم.
كل طفل يعبّر عن حبّه لأمه بطريقة فريدة تحكمها عاداته وثقافته وسياقه.
عندما تسأل أي إنسان في أي دور عبادة: ماذا تريد هنا وما الذي جاء بك؟
سيقول: جئت هنا من أجل الرب وأفعل كل هذه الأشياء لكي يحبني الرب ويرضى عني ويرحمني.
الجميع يتفق على هذا المقصد ولكنهم يختلفون في طريقة التعبير عنه بحسب التغذية الثقافية التي حصلوا عليها والبيئة التي نشؤوا فيها.
كما أنّهم جميعاً يحصلون على ذات المشاعر الروحية الجميلة، والسعادة الداخلية، والأنس بعبادة الرب ومحبته واللجوء إليه.
لا يوجد أي فرق بين الناس في الأثر الروحي والنتيجة السلوكية على مستوى الفرد بسبب العبادات التي يقدمونها للرب في دور العبادة رغم أنّ كل واحد يحتكر الرب لنفسه.
قسم المؤلف المشتغلين بالدين إلى أربعة أصناف:
الفلاسفة ويهتمون بالعقائد والأنساق الإيمانية والمعرفية.
الفقهاء ويهتمون بالأوامر والنواهي.
علماء الاجتماع ويهتمون بالدين بصفته ظاهرة اجتماعية.
ابن عربي يمثّل ظاهرة نضج انتظمت الدين في مستوياته الفلسفية والفقهية والاجتماعية والصوفية.
لقداستطاع ابن عربي أن يحتوي كماً كبيراً من التراث العالمي ويمزجه في عجينة واحدة، ولذلك هو يتحدث بلغة الفلاسفة واللاهوتيين والفقهاء في آن واحد؛ فاستطاع إقامة بناء فكري فلسفي شاهق، وجد صداه في الشرق عند الباحث الياباني توشيكو إيزوتسو وفي الغرب عند ريمون لول ودانتي اليجيري.
لقد ركز الباحثون على الجانب الفلسفي الصوفي عند ابن عربي بينما هو ضليع في علم الكلام والفقه، وقد ساهمت كتاباته في تجلية آراء الحكيم الترمذي وسهل التستري والحلاج وغيرهم.
وقد اعتمد آسين بلاسيوس على ابن عربي للكشف عن ملامح فكر ابن مسرة ومدرسته.
فهو نافذة تطل على تراث من سبقه.
مع صعود التيارات الحشوية في النصف الثاني من القرن الأخير برزت صورة نمطية مشوهة عن الإسلام معتمدة على أفكار وسلوكيات هذه التيارات.
استلهام ابن عربي وبعثه من جديد يُعيد التوازن إلى الوعي العام، ويخدم الفكر الإنساني، ويكشف آفاقاً جديدة وغير معهودة من داخل المنظومة الإسلامية.
كان لابن عربي تجربة روحية عميقة في بداية حياته، وكانت له خلوات مبكرة ساهمت في صقل خبرته.
هو ليس مجرد قارئ عن هذا المجال بل هو مُشاهد ومُعايش ويتحدث فيه من واقع تجربة شخصية.
وقد تعرض لمرض شديد في بداية حياته دفعه إلى اللياذ بالعبادة والدعاء وتصفية الروح والحرص على خلوات الطاعة.
لم يصل ابن عربي إلى منتصف العشرين إلا وقد ذاع صيته واشتهر بين الأكابر، ووقع اللقاء التاريخي الشهير بينه وبين ابن رشد الذي كان شيخاً كبيراً حينذاك.
وجرى بينهما حوار معروف حول عرفان البصيرة وعرفان العقل.
فالفلاسفة يأخذون معارفهم من البراهين المنطقية والصوفية من المواجيد الكشفية.
وهناك من يجمع بين النظر البرهاني، وبين الكشف الذوقي.
فهو فيلسوف وروحاني في نفس الوقت، ويُسمى (الحكيم الإلهي) مثل أفلاطون كما قال ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية؛ فقد جمع بين الطريقتين العقلية والروحية بعلومها الأربعة: الإلهي والمنطقي والرياضي والطبيعي.
في هذا النص يوضّح ابن عربي بأنّ خواص الصحابة كانوا يعرفون بأنّ النص ينقسم إلى ظاهر وباطن.
في المنظومة الفكرية لابن عربي وأمثاله من فلاسفة الصوفية الحكيم ليس هو مجرد المنظّر الفلسفي بل هو ايضاً الإنسان الزكي والمرتبط روحياً وإيمانياً بالله ويطلقون عليه دائماً لقب (الولي) أو (العارِف) وهذه فئة تتمتع بذكاء عقلي وزكاء قلبي وتتلقى المعرفة بالنظر العقلي والكشف القلبي.
لقد كان ابن عربي محل اهتمام الدراسات الاستشراقية المبكرة، وكتابه فصوص الحكم هو الذي اعتمد عليه نيكلسون في دراسته عن الروحانية الإسلامية.
وكذلك أسين بلاسيوس ونيبرغ وفون كريمر وغيرهم درسوا ظاهرة ابن عربي بشكل مكثف.
هو واحد من أكثر الشخصيات العربية حضوراً في الثقافة العالمية.
يُعد كتاب (الفتوحات المكية) أضخم إنتاجات ابن عربي العلمية، وهو موسوعة تشمل كل فروع الثقافة الإسلامية.
وبما أنّه غزير الإنتاج وكثير المؤلفات وعميق الأفكار فقد دسّ عليه الحشوية الكثير من الخرافات والخزعبلات بهدف تنفير الناس منه.
ويجب التزام المُحكَم والصريح والغالب في كلامه.
لم يكن ابن عربي مثالياً في كل حالاته؛ فرغم أنّه يقبل أديان الوثنيين فضلاً عن أهل الكتاب، إلا أنّه في الحروب السياسية كان ينحاز بشدة إلى دولة المسلمين، وله رسائل شديدة التعصب للمسلمين، وخصوصاً بعد سقوط بعض أجزاء الدولة من الأندلس والشام في يد القوى المسيحية الغازية.
المشتغلون بابن عربي أجمعوا على أنّه من الصعب فهم رسالته نظراً لصعوبة اللغة التي يستخدمها، وهذه الصعوبة ليست مقصودة بل هي نتيجة لضخامة المعاني التي تحتويها، وكما قيل إذا اتسع المعنى ضاقت العبارة.
يقول الدكتور أبو العلا عفيفي إنّ ابن عربي مثل فنّان ألّف لحناً موسيقياً عظيماً.
ولكن هذا اللحن الموسيقي مختلط بألحان كثيرة، ولن تستطيع أن تسمعه جيداً إلا بتركيز شديد ومحاولة لتمييز بقية الإلحان المختلفة عنه.
وابن عربي نفسه يقول هذا الكلام ويصرّح بأنّ معارفه ليست لأي أحد، وهذا من نصحه وإخلاصه وصدق طويته.
ولكن نحن كباحثين نريد أن نعرف ماذا لديه لنستفيد.
يعتقد ابن عربي أنّ جميع ما في هذا العالم مؤمن، مهما تعددت الصور والتماثيل التي يقصدها الناس؛ فالجميع لا ينفك عن الإيمان بالفطرة.
حتى الاتجاهات الإلحادية هي تحتكم إلى مجلى من تجليات الإله رغماً عنها.
وأنّ الكفر المقصود في الشرائع محكوم بمقاصد باطنية لا تلغي الحقيقة الأزلية.
يفسر ابن عربي آية (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) على أنّها خبَرية وليست إنشائية.
فالله قد حكم وقضى وقدّر على الجميع بالإيمان، وهو هنا لا يطلبهم أن يعبدوه، بل يخبرهم أنّه حكَم عليهم أن يعبدوه بالحال والمآل.
الجميع في هذا العالم يسبح في عبادة الله فطرةً وقضاءً وقدَراً.
إذا كان الجميع مؤمنين، وكل الأديان مقبولة في نظر ابن عربي؛ فكيف نجمع بين هذا وبينما يظهره النص من نفي وإقصاء وتكفير لغير المسلم؟
والأغرب من ذلك كله أنّ ابن عربي ليس غريباً على الشريعة فهو من فقهائها، وليس بعيداً عن الإيمان فهو من أهل الصلوات والخلوات، وله أسفار إلى الحج والعمرة.
بكل بساطة؛ هو على مذهب الفلاسفة في قراءة النص.
الأمر على غير ظاهره، والقرآن كان يخاطب الجمهور لمقاصد باطنية وتنظيمات خفية تصب في صالح الدولة العامة والعلاقات الاجتماعية والمصالح التنظيمية.
ويعتقد ابن عربي أنّ خواص الصحابة وكبارهم كانوا على هذا الرأي ولهم آثار وأقوال تؤكد ذلك.
الإيمان المحمود في نظر ابن عربي ليس مشروطاً بمحتوى ومضمون محدد.
فكل أشكال الإيمان بين البشر حتى غير الإسلامية صحيحة ومستوجِبة لرضا الله وتأييده إذا صدقت النية، والتفاضل بين الناس هو في صدق الإيمان وليس نوعه.
والمقصود طبعاً الإيمان بمعناه السامي والفطري الذي ينشد الله ويبتغيه.
مثلاً؛ البوذي عند ابن عربي مؤمن، وهو في الأصل يتوجّه إلى الله ويبتغيه، والتماثيل التي لديه هي من جنس الكعبة لدى المسلمين.
وإذا كان ملتزماً بمبادئ إيمانه الذي يحثه على الصلاح والخير والصدق والنزاهة وغيرها من الصفات الفاضلة فلا فرق بينه وبين المؤمن المسلم.
كل أشكال الإيمان صحيحة.
يفسّر ابن عربي الوجود بأنّه خيال، وأنّ البشر يظنون أنفسهم يقظى وهم نائمون.
وأنّه بقدْر تجرّد الإنسان من هذا الخيال استيقظت روحه وقوي حدسه ورأى الحقيقة المختبئة خلف الرسوم والقشور.
وهذه هي المشكاة التي يستمدّ منها الفلاسفة الإشراقيون (مثل ابن عربي) معارفهم الكشفية.
يعتقد ابن عربي أنّ الفلسفة البرهانية على طريقة شيخه ابن رشد وسيلة موصلة إلى وجه أو وجوه من الحقيقة، ولكنه يرى بأنّ فلسفته الإشراقية المعتمدة على تصفية الروح وتجليتها أكمل، وربما هي الأنسب لحالته، وقد كان هذا محل بحث هنري كوربان في كتاب (الخيال الخلّاق عند ابن عربي).
كما أنّه يرى بأنّ تلك الفلسفة البرهانية تعاني دائماً من أزمة الفقيه والعامّي؛ فهؤلاء أعداء مستمرون لها، وقد كان شيخه ابن رشد يعاني منهم ويعيش في صراع دائم مع أفكارهم، ولذلك انتشر ابن رشد في الشمال المسيحي وتبوّأ مكانة عالية في المجتمعات التي لا تخضع لسلطة الفقيه.
بينما الفلسفة الإشراقية التي تنبثق من الروح أكثر من العقل أقدر على اختراق القلوب، ولهذا السبب يفسر حصول أبي حامد الغزالي على قبول واسع بين المسلمين.
ذلك أنّه ترك طريقة البرهانيين الجافة وتحدث بلغة القلب العذبة، وإلى هذه الفلسفة يُنسب أفلاطون.
وهذا لا يعني أنهم يستبعدون العقل.
قصة حي بن يقظان التي حكاها ابن طفيل واستلهمها من ابن سينا توضّح لنا الفرق في تحصيل المعرفة بين (الإشراقي) و (البرهاني) و (الفقيه) و (العامي).
حي: ترمز إلى الإنسان الحي.
يقظان: ترمز إلى اليقظة الدائمة.
والقصة باختصار كالتالي:
حي بن يقظان إنسان وجد نفسه في جزيرة لا يوجد فيها بشر غيره، وهو يعيش مع الحيوانات، وقد نشأ في كنف غزالة كان يعاملها مثل أمه.
وبدأ حياته مقلداً لكل شيء حوله حتى وصل إلى السابعة وتبين له أنه يستطيع تطوير مهارات خاصة وتحصيل معارف لا تستطيع بقية الحيوانات؛ فبدأ رحلة البحث عن المعرفة.
أحداث كثيرة وقعت له في تلك الجزيرة من موت الغزال ومحاولة معرفة السبب ثم كيفية التخلص من الجثة ثم صراع مع بعض الحيوانات والظروف المحيطة لأجل البقاء والنمو.
حتى وصل إلى عمر 35 وعرف أنّ الوجود حادِث وله مُحدِث (خالِق) وهذه المعرفة أثارت فيه نار الشوق والرغبة في التواصل مع الخالق.
صار حي بن يقظان يتقلّب من حال إلى حال وينتقل من مقام إلى مقام رغبةً في الوصول إلى هذا الخالق ما بين تفكير وتأمل وطقوس اهتدى إليها بنفسه دون إرشاد ساعدته في زيادة بصيرته فصار (إشراقياً).
وفي أحد الأيام وصل إلى الجزيرة شخص اسمه (اسأل) كناية عن البحث والتدقيق فهو فيلسوف أو متكلم.
بعد تعلم لغة (اسأل) أخبره (اسأل) بالدين الذي لديهم في القرية، والتفاصيل الإيمانية لذلك الدين؛ فقال له حي بن يقظان: هذا الدين هو عين ما اهتديت إليه أنا بنفسي ولوحدي في هذه الجزيرة بدون مساعدة أو تلقين إرشاد.
ففرح (اسأل) بهذا الرد، ولكن قال له إنه يعاني من صديق اسمه (سلامان).
وهذا الاسم رمز يشير إلى أنّ سلامان (فقيه) يطلب السلامة دائماً ويمشي على الظواهر ويساير الناس، ويحارب (اسأل) لأنّه يبحث كثيراً عما وراء النص ويسأل عن الخوافي والأسباب.
فطلب (اسأل) من حي بن يقظان أن يرافقه إلى القرية ويخبرهم بالمعارف التي توصل إليها بمفرده في الجزيرة.
يريد (اسأل) أن يخبر الناس بأنّهم أسرى للقشور المعرفية التي علمهم إياها (الفقيه) سلامان، وأنّه يوجد وراء الأكمة ما وراءها، بدليل أنّ حي بن يقظان اكتشف هذه الحقائق وتوصل إليها لوحده في الجزيرة بدون تلقين.
فهو إنسان على الفطرة عرف جوهر الأمر ولم يتلوث عقله بشكليات الفقهاء السطحية.
ذهب حي بن يقظان برفقة (اسأل) إلى القرية وكله حماس بأن يُقنع الناس بما عرفه كشفياً وذوقياً، ويخبرهم بحقيقة الأمر، ولكنه اصطدم بالواقع المرير.
عقول الناس متفاوتة ومختلفة وليس كلهم عنده المقدرة على إدراك تلك الحقائق.
حينها تأكد (اسأل) وحي بن يقظان أنّ شرائع الأنبياء هي الصواب.
إنّ مخاطبة الناس بما يفقهون وإرشادهم بما يدركون هو الصواب الملائم لطبيعة الحياة وأحوال الناس.
ولن يستقيم للناس دين ونظام ودولة إلا بتنويع الخطاب وتغليب الرسائل الظاهرة نظراً لغلبة العوام وكثرتهم.
ويحتفظ الخواص والنخب بمعارفهم ويتداولونها فيما بينهم، مع تطوير ما يمكن تطويره.
إذاً ابن عربي مثل بقية الفلاسفة.. كثير من حقائق القرآن لديه هي مجازات وخيالات وتمثيلات تخاطب العقل البسيط والعامي.
ويوجد معرفة نخبوية خاصة وصادمة صرّح بها كبار الصحابة وعبّر عنها حفيد علي بن أبي طالب بقوله:
إنّي لأكتم من علمي جواهرَه
كي لا يرى الحق ذو جهلٍ فيفتتنا
ما يُسمى (السنّة) ليس لها نصيب من الاهتمام عند ابن عربي ولا الفلاسفة عموماً، والاعتماد غالباً في معرفة الدين هو على القرآن.
إذا كان القرآن عندهم بهذا التقسيم الظاهر والباطن؛ فكيف يُلزَم الناس بالسنة التي هي ظاهر الظاهر.
السنة موضوع اشتغل به الفقهاء فقط طوال تاريخ الإسلام.
حتى المعتزلة والمذاهب الكلامية لا يهتمون بالسنة إلا في استثناءات قليلة جداً.
ننتقل الآن إلى نظرة ابن عربي إلى الوجود وفلسفته للوحدة التي اشتهر بها.
يرى ابن عربي أنّ الوجود بكامله مثل دائرة والله في وسطها.
الله هو الأول والواجب، وبقية الموجودات استجابة ضرورية لصفات الله.
فهناك تلازم بين صفات الله وبين كل الموجودات الأخرى أدّى إلى معنى الوحدة والتلاحم.
نستطيع تشبيه الأمر بالمروحة عندما تدور وتدفع الهواء؛ فالهواء الخارج من المروحة استجابة ضرورية لصفة الدوران فيها.
كذلك كل الموجودات خارج ذات الله هي استجابة ضرورية لصفات الله.
وبالتالي لا تستطيع التفريق بين الله وبينما هو خارج عنه إلا كما تفرّق بين اللازم والملزوم.
كما تلاحظ فلسفة ابن عربي تميل إلى أنّه من الصعوبة أن تجد انفكاكاً بين الله وبين بقية الموجودات؛ لأنّ جميع الموجودات متصلة به من حيث اللزوم.
وهذا خلاف الفلسفة اللاهوتية الكلاسيكية التي تنظر إلى الله كخالق منفصل ومستقل تماماً عما سواه.
عند ابن عربي يوجد تلازم بين الخالق والمخلوق.
إنّ كل مافي الوجود حتى الخالق مثل دائرة عندما تبدأ السير من أي نقطة فيها سوف تعود إلى النقطة الأولى.
كل شيء يحيل إلى بعضه؛ الكثرة تؤدي إلى الوحدة، والوحدة تؤدي إلى الكثرة، وليس ثمّة إلا خالق ولوازم صفاته.
هذا هو لُب فكرة الوجود وفيها تفصيل لمراتب الموجودات ودرجاتها.
وقد اشتُهِر لابن عربي أبيات كفّره الفقهاء بسببها لأنّ ظاهرها يناقض المسلّمات العقدية لديهم، يقول فيها:
العبد رب والرب عبدٌ
ياليت شعري من المكلّف
إن قيل عبد فذاك ربٌّ
أو قيل ربٌّ أنّى يُكلّف
والحقيقة أنّ هذه الأبيات ليست تقريرات نهائية بل هي إثارة تسويقية لفلسفته.
كل الباحثين المهتمين بابن عربي يجمِعون على أنّ له منظومة فكرية خاصة لا يجوز فصل كلامه عنها.
وعندما يقول بأنّ العبد رب والرب عبد فهو يشير إلى جدَلية فلسفية تشبه جدَلية أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة!
لا أحد يستطيع تقديم جواب نهائي، ولكن لا أحد يخلط بينهما.
ولكنّه تساؤل يدعو للتأمّل.
الإيماءات والإيحاءات جزء رئيسي من لغة الفلاسفة قديماً وحديثاً، وليس هذا ترفاً في البحث، أو استعراضاً بالكلام؛ بل هي ضرورات تفرضها المعاني الكبيرة؛ لأنّ الكلام يضيق بالتعبير عنها؛ فيضطرّون إلى الإشارة لمقاصدهم بكلام يستفز المعنى في النفس فيلتقطه الذهن ويراه بدون تصريح.
ذكرت لكم خلاصة الخلاصة في هذه النظرية، وإلا فهناك تفصيلات كثيرة جداً، شرح فيها معنى كون العالم (كلمات الله) وربط ذلك بما يوازيه في اللغة البشرية، ومراتب تلك الكلمات من حيث المبدأ والمنتهى.
أفكار عميقة تشير إلى معاني ليس بالسهولة فهمها وشرحها، ولا أستبعد أنّها جاءته بالإلهام.
إنّ أعلى درجة وعي يصل إليها الإنسان عند الإشراقيين هي الفناء عن الصور المحسوسة والنفاذ إلى عالم المعاني، يقول ابن عربي: "إذا ترقّى الإنسان في درجات المعرفة علم أنّه كان نائماً في حالة اليقظة، وأنّ ما يشاهده في عالم المعاني شيء يشبه الرموز التي تعبّر صورة الرؤيا".
ارتقاء الروح وتجلّيها وحصولها على معارف كشفية وذوقية ليس مرهوناً بشريعة محددة عند ابن عربي.
كل المجاهدات الروحية تستطيع إيصال الإنسان إلى هذه الدرجة، ولذلك لا مانع عند ابن عربي من تسمية الرهبان والأحبار بالعارفين.
الشريعة الإسلامية طريق من ضمن تلك الطرق وليست هي الوحيدة.
الوجود عند ابن عربي بكامله وبجميع مستوياته ينقسم إلى ظاهر وباطن، والإنسان أحد الأمثلة هذا الانقسام؛ ولذلك من المنطقي أن تأتي الشريعة منسجمة مع هذا الوجود.
هو يعتقد بأنّ الفقهاء أو من يسميهم (علماء الرسوم) قد انشغلوا بالأحكام الظاهرة، وأغفلوا باطن الأمر الذي يُعنى به العارفون.
ويشير ابن عربي إلى ملاحظة مهمة؛ يقول بأنّها ظهرت فرق باطنية مناقضة لطريقة الفقهاء الظاهرية، تدعو لإلغاء الظاهر تماماً، وهذا ينافي الحكمة الإلهية.
معرفة الباطن والاهتمام به والدوران معه لا يعني إلغاء الظاهر، وإنما يعني وضعه في مكانه الصحيح التابِع لحُكم الباطن وحكمته.
وهذا يُعيدنا إلى قصة حي بين يقظان الذي عرف الحكمة الباطنية، وعندما ذهب إلى أهل القرية ليكشف لهم حقيقة الأمر اصطدم بعقولهم المتفاوتة التي لا تستطيع كلها استجلاء باطن الشرع؛ فعلم أنّ الشريعة عندما خاطبت عامة الناس بظاهر ما يعرفون لم تكن مخطئة، بل كان هذا تلبية لمطلب ضروري.
يعتقد ابن عربي بأنّ المعارف الكشفية التي تحصل للعارِف بالمجاهدات الروحية تستطيع أن تمكّنه من تمييز الصح والخطأ بدون الرجوع إلى تعليمات الفقهاء.
ويستدل على ذلك بآيات كثيرة منها (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً).
فكلما اقترب الإنسان من الله قذف في قلبه نوراً يميز به الحق من الباطل.
يشكو ابن عربي كثيراً من جهل الفقهاء أو من يسميهم (علماء الرسوم) ويقول بأنّهم يزعمون امتلاك الحقيقة، بينما العارف الذي وصل إلى مستويات عالية من العرفان علم أنّ الحق كالماء لا يستقر على شكل محدد، بل له أحوال مختلفة، وفي كل حال له حُكم خاص.
هو يتحدث عن نسبية الحقيقة ولكن بطريقته.
كتب ابن عربي في الفقه والأحكام، وحاول الربط بين ظاهر الشريعة وباطنها، وتحدث عن أركان الإسلام بمنظاره الإشراقي الفلسفي، ومن الأحكام التي قررها جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، مؤكداً بأنّه لا دليل يمنع ذلك.
وأما الزكاة فهي نظام العدل الاقتصادي الذي يضمن للجميع حياة كريمة.
مهما كان المجتهد يستحق المال أكثر من غيره إلا أنّه يجب أن يعطي من ماله المستحق من أفراد المجتمع؛ لأنّ مصارف الزكاة في المقابل تعطي الغني مصالح لا يستغني عنها.
الغني ليس متفضّلاً بزكاته بل هو يقوم بتدوير المال في حلقة هو أيضاً مستفيد منها.
هكذا ينطلق ابن عربي شارحاً وجوه الحكمة.
ومن آرائه حول مفهوم الزمن اعتقاده بأنّه اصطلاح وضعي لا حقيقة له عند العارفين.
ومن خلال نافذة الزمن نستطيع النظر إلى أحد وجوه الباطن الذي يختفي خلف الاصطلاحات الوضعية.
وختاماً هذا ما تيسّر حول ابن عربي، وإلى اللقاء في موضوع آخر.
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...