الصقر المصري🇪🇬(سارد الحقائق)
الصقر المصري🇪🇬(سارد الحقائق)

@medoesmaeil

383 تغريدة 51 قراءة Jul 03, 2022
1/أنا رجل مخابرات... واحد من آلاف في كل أنحاء الأرض ينتمون إلى عالم خاص ..خاص جداً
عالم سري ..عالم غامض...عالم لا يمكنك أن تتجاوز الأسوار المحيطة به أبداً لا يهم من أنا ..ما جنسيتي .. أو إلى أية دولة أنتمي فالقواعد واحدة في كل الأحوال ...القواعد اللازمة لتصنع رجل مخابرات 👇
2/رجل يمكنه أن يصنع من نفسه درعاً لحماية دولة بأكملها .. إذا ما استلزّم الأمر .. ولا تتصور حتى أن مُذكراتي هذه قد تصنع منك ذلك الرجل ..فمهما حوَت لن تتجاوز كونها مُجرد كلمات .. مُجرد مُذكرات رجل مخابرات ✍✍✍✍👇
3/✅ البداية : لست أدرى أية نقطة ينبغي اعتبارها بداية كل شئ ! أية مرحلة في حياتي يُمكن اعتبارها لحظة تكوني الحقيقية كرجل مخابرات 👇
4/أهي تلك الأيام في حداثتي التي كنت أطالع فيها روايات الجاسوسية بمنتهى الشغف والتي كنت أقف خلالها في طابور طويل أمام دار العرض السينمائي القريبة من منزلي 👇
5/لمشاهدة أحدث أفلام ذلك العميل السري البريطاني الشهير الذي كنا نتابع صراعاته العنيفة في انبهار، وهو يخوض عشرات المعارك على الشاشة مع أشرار من كل نوع يسعون للسيطرة على العالم وكأن السيطرة على دولة واحدة أو حتى قارة كاملة ليست حلم العباد أو غاية المُراد👇
6/في تلك الفترة تصورت أن هذا هو عالم المخابرات ...مواجهات وصراعات وحَسناوات ورصاصات ومُطاردات وانفجارات وأطنان من النيران تملأ حياة البطل حتى كلمة النهاية دون أن تلسعه شرارة واحدة منها👇
7/وكما يحدث لكل من في مثل سني وقتها رُحت أسأل الكِبار في حماسة عن كيفية انضمامي إلى ذلك العالم المثير والكُل إما أن يبتسم ساخراً أو مُشفقًا أو يجيبني إجابات باهتة غامضة مبهمة زادتني غضباً وحماسة ولهفة إلى ذلك العالم المُبهر👇
8/ثم تقدم بي العمر وبدأ اهتمامي بروايات وأفلام الجاسوسية يقل مع مولد اهتمامات أخرى وتفاصيل حياتية مختلفة حتى لم أكد أنتهى من المرحلة الثانوية إلا وقد فتر اهتمامي بهذا الأمر تمامًا
أو هكذا تصورت👇
9/فجزء ما من أعماقي كان يحمل تلك الرغبة في جزء دفين من عقلى الباطن لم أشأ الاعتراف به أبداً على الرغم من أنني قد بذلت جهداً خرافياً لإقناع والدي بقبول التحاقي بإحدى الكليات العسكرية بدلاً من الكلية المرموقة التي تمنت والدتي دوماً التحاقي بها👇
10/ مُتصورة أنها ستقودني إلى مستقبل لامع شبيه بمستقبل خالها الذي تملأ أخباره الصحف والمجلات وتطالعنا صورته كل حين وآخر على شاشة التلفاز ليتحدث برصانة عن آخر وأحدث الاكتشافات العلمية والطبية👇
11/ولم يكن الأمر سهلاً .. ولكنني والحق يُقال قاتلت بكل قوتي وبكل ذكائي أيضاً فبطبيعة شخصيتي كنت أدرك أنه من المستحيل أن تُهزم الأفكار بالقوة مهما كانت الأفكار.. ومهما بلغت القوة 👇
12/وعلى الرغم من معارضة والدي الشديدة وغضب أمي العنيف انتهت المعركة لصالحي وخاصةً بعد نجاحي في تجاوز الكشوف والفحوص الطبية والرياضية اللازمة وقبول التحاقي بتلك الكلية العسكرية 👇
13/ورفضت أمي توديعي وأنا في طريقي إلى يومي الأول بالكلية في حين ابتسم أبي ابتسامة باهتة وهو يتمنى لي التوفيق فيما اخترت....وكانت البداية .. أو يمكننا اعتبارها البداية الثانية التي راودني شعور عجيب وأنا أتجه إليها بأنها ستغير حياتي كلها... تماماً 👇
14/والواقع أن كل ما تلا هذا كان يؤكد أنني لم أٌخلق إلا لهذا النوع من الحياة ..لقد توافقت بسرعة مع طبيعة الحياة العسكرية الصارمة في الكلية وتعايشت معها على نحو أدهش رؤسائي قبل زملائي بل ورحت أتطور فيها بسرعة ملفتة للنظر مُلفتة للنظر بحق وليس كتعبير مجازي
وهذا ما أدركته فيما بعد 👇
15/وفي أول إجازة لي استقبلتني أمي بكل لهفة الدنيا وشوقها وغمرتني بأطنان من حُبها وحنانها واهتمامها على نحو جعلني أدرك أن غيابي قد فاق غضبها وانتصر عليه وأنها قد استسلمت أخيراً لاختياري 👇
16/ولا يمكنكم أن تتصوروا كم ملأ هذا نفسي بارتياح غامر جعلني أنام ملء جفنىَّ في كل ليلة احتواني فيها فراشي القديم ولكن المدهش أنني وعندما حان موعد عودتي إلى الكلية كنت عائداً إليها بشوق عجيب كما لو أنني قد ارتبطت بتلك الحياة ارتباطاً وثيقاً تغلغل في كياني وجرى في عروقي مجرى الدم👇
17/ومع مرور الأيام والأسابيع والشهور كان ارتباطي بالحياة العسكرية يتضاعف أكثر وأكثر وتفوقي في المجالات الرياضية يُلفت الانتباه مع شهادة التقدير التي حصلت عليها في مجال الرماية 👇
18/وعلى الرغم من هذا التفوق، كانت لدي اهتمامات أخرى لا يشاركني فيها سوى قلة نادرة من الزملاء مثل تعلم اللغات وبعض المهارات البسيطة في أوقات الفراغ وساعات الراحة..وكان هذا أيضاً معروفاً وملحوظاً👇
19/لم أكن أدري أيامها أن مراحل التقييم تبدأ من هذه الفترة المُبكرة وأنه هناك عيون ترصد لمحات التفوق في كل المجالات وكل الكليات فلا أحد يُخبرك أو يُنبهك أو حتى يبدي اهتمامه في وضوح .. بل كل شيء يتم بدقة وحرفية ومهارة مُدهشة تفوق بكثير ما كنا نراه على الشاشة في حداثتنا 👇
20/المهم أن أعوام الكلية قد انقضت بسرعة وبدأت عملية توزيعنا على أفرع الجيش المختلفة وفقاً لمهاراتنا وقدراتنا وأمور أخرى عديدة لم يتم الإفصاح عنها أبداً في حينها 👇
21/وعلى الرغم من هذا فقد استدعاني مدير الكلية قبيل حفل التخرج ببضع ساعات واستقبلني بابتسامة هادئة في مكتبه وهو يسألني: هل تعلم إلى أى سلاح سيتم توزيعك؟!👇
22/لم أشعر بالارتياح للسؤال خاصةً وأنه كان هناك رجل في ثياب مدنية يجلس على المقعد البعيد في نهاية الحجرة ويتطلع إلىَّ في اهتمام هادئ إلا أنني وعلى الرغم من كل شيء شددت قامتي مُجيباً بلهجة عسكرية قوية: إلى القوات الخاصة 👇
23/لاحظتُ اتساع ابتسامة المدير وتلك النظرة التي تبادلها مع ذلك المدني والتي لم تستغرق سوى ثانية واحدة قبل أن يسألني مرة أخرى: ولماذا توقعت هذا؟!
أجبتُ في سرعة: بسبب التكوين الجُسماني والتفوق الرياضي ووسام الرماية 👇
24/تراجع المدير في مقعده وشبّك أصابع كفيه أمام صدره في شيء من الزهو في حين أومأ المدنى برأسه متمتماً: عظيم 👇
25/وأمرني المدير بالعودة إلى ثكنتي دون أن يشرح لي سبب أسئلته وتركني في حيرة من أمري وأنا أتساءل: لماذا لم يحدث هذا لغيري؟!
ثم لماذا يحدث؟! ولم أجد جواباً لسؤالي هذا ..
أي جواب !! ولقد تم توزيعي في القوات الخاصة بالفعل .. وفي منطقة نائية بعيدة أيضاً 👇
26/ولقد انزعجَت والدتي بشدة مع بُعد المسافة واقترابها من الحدود في الوقت الذي يلوح فيه شبَح الحرب على الأبواب ولكنني ابتسمت لها وهدأت من روعها وأخبرتها أنها مجرد فترة محدودة ثم أعود بعدها إلى العاصمة 👇
27/وعلى الرغم من أنني كنت أجهل كل المعلومات إلا أنني لم أكن كاذباً...فمهما طال بقائي في القوات الخاصة عند خط المواجهة فهي فترة محدودة حتماً فترة تنتهى بانتقالي أو حتى باستشهادي 👇
28/أما عن عودتي إلى العاصمة فقد تصورت أيامها أنه لابد من دفني فيها في حالة استشهادي باعتباري من أبنائها ...مُجرد تصور 👇
29/وعند خط المواجهة كانت التدريبات أكثر قوة
وأكثر عنفاً وأكثر تطوراً وكانت هناك مناوشات بيننا وبين العدو ...مناوشات بسيطة أحياناً وعنيفة مُعظم الوقت..وبينما كانت تتطور الأمور وتشتعل أكثر وأكثر فوجئت بإشارة عاجلة تطلب مني العودة إلى العاصمة فوراً ...ودون توضيح الأسباب👇
30/وعلى الرغم من عدم ارتياحي لترك خط المواجهة في ظروف كهذه كان من المُحتم أن أطيع الأوامر دون أية مناقشة ..لذا فقد سافرت فوراً إلى العاصمة👇
31/وفي مكان تم تحديده بأسلوب مُعقد لم يمكنني تصوّره إلتقيت بذلك المدني نفسه الذي رأيته في مكتب مدير الكلية العسكرية منذ ما يقرب من العام 👇
32/كان ذلك المدني يجلس وحده في حُجرة واسعة كبيرة لا يوجد بها سوى مكتب قديم خلفه مقعد من الخشب أشبه بتلك المقاعد التي نراها في مشارب الطرقات وأمامه مقعد من الطراز نفسه أشار إليه المدني وهو يقول في هدوء لم يخلُ من صرامة حازمة: إجلس أيها الضابط 👇
33/جلستُ أمامه مشدود القامة كما علّمونا في الكلية العسكرية.. ولكنه ابتسم قائلاً بنفس الهدوء: يُمكنك أن تسترح👇
34/كان مطلباً عسيراً في تلك الظروف التي لم أشعر فيها بالارتياح أبداً وأنا أبذل جُهداً مُضنياً للسيطرة على توتري وأعصابي مع ذلك الصمت المُطبق الذي ظلَلت به حتى سألني ذلك المدني وهو يتأملني في اهتمام: هل يروق لك عملك؟!
فأجبته في حذر: بالتأكيد
فسألني: لماذا؟👇
35/أدهشني سؤاله على الرغم من مُباشرته وبَساطته وجعلني في مزيد من الحذَر وأنا أجيب في تحفُظ: إنه وسيلة لخدمة الوطن في مثل هذه الظروف
فتراجّع في مقعده وهو يسألني: أكل ما يهمك هو أن تخدم وطنك؟!
وهنا بلَغ حذَري مبلغه وأنا أجيب: إنني أحب عملي
فقال في سرعة: نعلم هذا !👇
36/أدهشَتني وضاعفت من توتري صيغة الجمع التي استخدمها والسرعة التي نطق بها كلماته فانعقد حاجباى في شدة جعلته يبتسم ابتسامة خفيفة تلاشت في سرعة وهو يقول: إننا نُتابعك منذ فترة .. من قَبل حتى أن تحمل أول رتبة عسكرية على كتفيك ..
فردَدت في دهشة عصبية: تتابعونني؟!👇
37/أومأ برأسه إيجاباً فهتفت: ومن أنتم بالضبط؟!
تطلّع إلىَّ طويلا في صمت وكأنه يتعمد أن يُثير توتري إلى أقصى حد كوسيلة لدراسة ردود أفعالي قبل أن يعتدل في مقعده قائلا: إننا نعرض عليك العمل معنا
فقُلت في مزيج من الحذر والتوتر والدهشة معكم؟!؟ ولكنني ضابط بالجيش وواجبي أن ....👇
38/قاطَعني في حزم صارم: واجبك سيظل كما هو .. فقط ستتغير الوسيلة التي تقدمه للوطن بها..
ثم مال نحوي أكثر وحمل صوته طناً من الحزم والعزم وهو يتطلع إلى عينىَّ مباشرةً مُستطرداً: ستظل تُقاتل العدو ولكن ليس بسلاحك وعضلاتك
ورفع سبّابته ليُشير إلى رأسه مُضيفاً : بل بعقلك👇
39/الطريقة التي نطق بها الكلمة الأخيرة جعلت تياراً كهربياً قوياً يسرى في كياني وجعلتني أنتفض في مقعدي وأنا أهتف بكل حماسة الدنيا: حياتي فداء للوطن 👮‍♂️👇
40/تألقّت عيناه وهو يتراجع مرة أخرى في مقعده وقفزت إلى شفتيه ابتسامة استقرت لعشر ثوان كاملة هذه المرة قبل أن يستعيد هدوءه الصارم الحازم وهو يفتح درج المكتب القديم ويلتقط منه عدة ورقات مطبوعة وضعها مع قلم حبر أمامي وهو يقول: قُم بملء كل البيانات .. وبمنتهى الدقة 👇
41/وعلى الرغم من أنني لم ألق المزيد من الأسئلة فقد التقطتُ القلم والأوراق في حماسة وحزم وكانت هذه هي البداية...
البداية الحقيقية✍✍✍✍👇
42/✅عالم بلا حدود:
منذ اليوم الأول بل منذ اللحظات الأولى لالتحاقي بهذا العالم العجيب راحت الأحداث تتوالى بسُرعة مدهشة وبإيقاع جعل أنفاسي تتلاحق على نحو لم يحدث لي من قبل أبداً👇
43/كان من الواضح أنهم لا يحتاجون إلى إجراء أية تحريات بشأني قبل قبولي وسط صفوفهم وأنهم قد أجروا بالفعل كل التحريات اللازمة قبل أن أضع توقيعي على أوراق الإلتحاق 👇
44/فبعد التوقيع على طلب الالتحاق نهض ذلك المدني من خلف مكتبه وارتسمت على وجهه الوسيم ابتسامة عريضة وهو يلتقط ذراعي في رفق قائلاً: الآن يُمكننا البدء أيها الزميل 👇
45/ولسبب ما وقتها إتضّح لي مُصطلح #الزميل هذا عجيباً وغير مألوف على الإطلاق إلا أنني وربما للسبب نفسه لم أعترض أو أُعلق وإنما تركته يقودني إلى مكتب آخر أكثر اتساعًاً حيث استقبلنا رجل قوي البنية حازم الملامح نهض يستقبلني قائلاً في شئ من الصرامة: مرحباً بك بين الصفوف👇
46/وعندما تصافَحنا شعرت بقوة أصابعه على كف يدي وهو يُتابع: اليوم ستعرف المكان وتلتقى بالزملاء وتتعلم مبادئ عملك الجديد واعتباراً من السابعة من صباح الغد ستلتحق بمدرسة المخابرات 👇
47/لم يرُق لي استخدامه لفظ #مدرسة هذا فقد اتضّح لي أنه لا يتناسب أبداً مع عمري وخبراتي ..إلا أنني وفي هذه المرة أيضاً لم أناقش أو أعترض ..شيء ما في أعماقي جعلني أدرك أنهم يعرفون جيدًا ما ينبغي فعله ..حتى بالنسبة لي 👇
48/وعندما غادرنا مكتب ذلك الحازم ربّت الهادئ على كتفي قائلا: أفضل ما يجب أن تفعله الآن أن تُلقى خلف ظهرك كل ما تعلّمته في الماضي وأن تعتبر نفسك تلميذ مستجد في عالم جديد ينبغي أن تبذل قصارى جهدك لاستيعاب كل قواعده وأسراره ..قالها ونحن ندخل إلى مكتب صغير ..صغير إلى درجة مُدهشة 👇
49/كان مُجرد حجرة مربعة لا يزيد طول ضلعها على (2.5) متر بها مكتب صغير بسيط خلفه نافذة كبيرة مُغطاة بستارة من شرائح البلاستيك وأمام المكتب مقعدان صغيران والباب في مواجهته مباشرة وإلى جوار الباب دولاب وثائق تقليدي ولكنه مُغلق بقفل ضخم 👇
50/وعندما لاحظ الهادئ أنني أتطلع في فضول إلى باب صغير يجاور المكتب ربّت على كتفى مرة أخرى قائلاً: هناك حجرة نوم صغيرة وحمام مُلحقان بهذا المكتب فالأمر يحتاج أحياناً إلى عمل متواصل..
فأومأت برأسي مُتفهماً وأنا أغمغم في حذر: أعلم هذا 👇
51/إبتسم ابتسامة واسعة أخرى ثم أشار إلى سطح المكتب قائلاً في حزم: هذا الجهاز الصغير خاص بالاتصالات وستجد في درج المكتب ورقة بها تعليمات تشغيله وأرقام المكاتب والجهات التي تحتاج إلى الاتصالات بها داخلياً 👇
52/جلستُ خلف المكتب غير مُصدق أنني قد أصبحت وحدة في المنظومة التي حلمت طيلة عمري بالانضمام إليها.. في حين غادر الهادئ الحجرة وهو يُشير بيده قائلاً: في الدرج الآخر ستجد كُتيب القواعد الأساسية .. استوعِبه جيداً فسيفيدك كثيراً في المرحلة القادمة👇
53/وعندما أغلَق الباب خلفه وتركني وحدي داخل حُجرة مكتبي الصغيرة وجدت نفسى ألتقط نفساً عميقاً وأسترخي في مقعدي أو أحاول هذا على الأقل وعقلي ينطلق بعيداً ....بعيداً جداً
إذاً فقد أصبحتُ بالفعل رجل مخابرات ..أصبحتُ واحداً منهم 👇
54/وفي ذهني ارتسمت عشرات الصور والمشاهد لكل ما شاهدته في أفلام السينما القديمة والحديثة عن رجال المخابرات وطبيعتهم وعملياتهم و ..
قاطعتني فجأة دقات هادئة على باب حجرتي الصغيرة فانتزعتني من أفكاري دفعة واحدة وجعلتني أعتدل على مقعدي قائلاً بلهجة حملت حتمًا شيئًا من انفعالي:أُدخل👇
55/مرّت لحظة عجيبة من الصمت تصوّرت خلالها أن الطرقات التي سمعتها كانت مجرد هلاوس سمعية صنَعها خيالي المحموم إلا أن الباب لم يلبث أن تحرك في بطء ليظهر خلفه رجل نحيل له له صوت رفيع حاد رصين إنطلق من بين شفتيه وهو يقول: معذرةً ولكنك تحتاج إلى هذه 👇
56/تنحنحتُ في محاولة للتغلب على توتري وأنا أقول:
- تفضل..إننى أحتاج لمعرفة ألف شيء هنا
لم يُعلق على عبارتي بحرف واحد وهو يتقدم نحو مكتبي الصغير ويناولني بطاقة تحمل رقم كبير واضح وشريط ممغنط على جانبها وهو يقول بنفس الرصانة الحازمة:هذه تتيح لك الحركة في حدود النطاق المسموح به👇
57/كرّرت خلفه في حيرة حذرة: النطاق المسموح به؟!
فأجاب في سُرعة ورصانة: كل شخص هنا يتمتع بحرية الحركة من خلال نطاق خاص وفقاً لموضعه ووظيفته وصلاحياته الأمنية 👇
58/سألته في حيرة أكبر: وكيف أعرف النطاق الخاص بي؟!
فأجاب بنفس السرعة: لا داعي لأن تعرف
حدّقت فيه بدهشة مُستنكرة فتابع مُفسراً: البطاقة ستعرف 👇
59/ظهر لي الجواب مُبهماً في البداية وأكثر إثارة للحيرة إلا أنه بمجرد أن شرح لي أن ذلك الشريط المغناطيسي في جانب البطاقة به شفرة كودية خاصة تحدد الأماكن المسموح بدخولها بحيث تنفتح أبوابها بمجرد تمرير البطاقة في جهاز خاص يتصل بها أما الأبواب غير المسموح بعبورها لا تستجيب لها👇
60/وأعترف بأنني قد انبهرت بالفكرة التي ظهرت لي وقتها عبقرية ولقد كان انبهاري هذا واضحاً حتماً وأنا أسأله: وماذا لو أنه لا توجد أبواب؟! 👇
61/ولأول مرة منذ رأيته لمحْت على شفتيه شبح ابتسامة وهو يقول: في هذه الحالة لا توجد موانع
قالها دون أن يزيد حرف واحد ثم غادر الحجرة في سرعة ورصانة اتضح لي فيما بعد أنهما جزء أساسي في شخصيته وتركني وحد في حجرتي الصغيرة أفحص البطاقة الصغيرة التي لا تحتوي اسمى أو صورتي أو ..👇
62/هل تسمح لي بالدخول؟!
فوجئْت بالصوت داخل الحجرة فرفعت عينىَّ إلى صاحبه بحركة حادة ووقع بصري على رجل عريض المنكبين باسم الفم أشار بملف في يده وهو يقول بلهجة أقرب إلى المرح لا تتناسب أبداًمع ضخامته: لقد طرَقت الباب وأنت لم تسمعني وهذا أمر سيء بالنسبة لرجل مخابرات يبدأ عمله 👇
63/لم يرُق لي أيضاً أن يوحي بغفلتي فمِلت إلى الأمام قائلاً بشيء من الصرامة: هل لي أن أعرف من أنت بالضبط؟!
فانطلقت من حلقه ضحكة صافية وهو يضع الملف أمامي قائلاً: رائع .. بدأت تعتاد المهنة
فقُلت في صرامة أكثر: إنك لم تجب سؤالي !! 👇
64/فوجئتُ به يُطلق ضحكة عالية مُجلجلة ثم يربّت على كتفي بحرارة شديد هاتفاً بمنتهى المرح: رائع .. رائع
ثم استدار يغادر المكان دون أن يجيب سؤالي وهو يُكمل في بساطة مدهشة: هذه واجباتك المنزلية لليوم الأول ..راجِعها جيداً !! 👇
65/وتوقّف عند الباب ليغمِز بعينه مُستطرداً: لا أريد منك أن تقف في ركن الفصل غداً..
ومع ضحكة مرحة أخرى أغلق الباب خلفه وتركني دون أن يُبلغني حتى بإسمه ..
ولثوانٍ حاولت استيعاب ما يحدث بهذه السرعة !! 👇
66/إنني هنا منذ أقل من الساعة وها أنا ذا ألتقي بعدد من النماذج المُختلفة :
👈الهادئ
👈القوى الحازم
👈الرصين
👈عريض المنكبين المرِح
تُرى بمن سألتقي في المرة القادمة؟!...بل وما الذي ستحمله لي الخطوة التالية؟!
👇
67/وفي حذَر يحمل شيء من التوتر التقطتُ الملف الذي وضعه المرِح أمامي وفتحته، ورأسي يحمل ألف سؤال ..على الأقل
متى ينام هؤلاء الناس؟!
هذا هو السؤال الذي ملأ ذهني طوال الفترة التالية لالتحاقي بجهاز المُخابرات !! 👇
68/فمع دقات السابعة صباحاً في اليوم التالي مباشرةً ولعدة أيام تالية كُنت أتواجد داخل مبنى آخر في أطراف المدينة أطلقوا عليه إسم #مدرسة_المخابرات 👇
69/وفي هذه المدرسة عليك أن تفتح عينيك وأذنيك وعقلك أيضاً عن آخره حتى تستوعب كل ما يُلقنونك إياه لعدة ساعات تفصل بينها دقائق قليلة للراحة وتناول الطعام والتقاط الأنفاس...كُنّا نتعلّم كل ما يتعلّق بالنفس البشرية وقدراتها ...كل شيء بلا استثناء 👇
70/تعلّمنا كيف نتعامل مع الأنماط المُختلفة من البشر وكيف نرصدها ونُصنفها ونجد الوسيلة المناسبة للسيطرة على كلٍ منها 👇
71/والسيطرة هنا لا تعني الهيمنة أو الاستعباد.. وإنما تعني البراعة في سبر أغوار الشخصية التي أمامك والتسلُل إليها بنعومة وحزم بحيث تُصبح قريبة منك تمنحك ثقتها واحترامها وتجد راحتها في ترك زمام قيادتها لك 👇
72/وتعلّمنا أن رجل المخابرات الناجح والجاسوس البارع هو من يُجيد فن السيطرة هذا عن جدارة وتعلّمنا الكثير عن وسائل الاتصال وعن تقنيّات التجسُس وسياسات الدول ..واستخدامات المواد الطبيعية المُتاحة لكل مخلوق لإنتاج أسلحة قوية غير مُتاحة للمُقاتلين 👇
73/تعلّمنا أمور لا يُمكن أن تخطر لك على بال ..ولكن أهم ما تعلّمناه هو ألا نتوقف لحظة عن مُلاحظة ورصد كل ما يحيط بنا دون أن نغفل لحظة واحدة...ووسيلتهم في تدريبنا على هذا الأمر كانت بسيطة ومُدهشة بحق 👇
74/ففي كل يوم كان علينا أن نتوقع سؤال قبل بدء المحاضرات والدروس وفي كل مرة كان السؤال يختلف فمثلاً
👈ما إسم الجراج المُواجه لمبنى المدرسة؟!
👈ما نوع التلفاز الموجود في حُجرة الطعام؟!
👈هل كان العلَم مرفوعاً أم مُنخفضاً هذا الصباح؟!
👈على أى زمن كانت ساعة المبنى متوقفة اليوم؟!👇
75/أسئلة من هذا القبيل لاختبار قوة ملاحظتك ويقظة حواسك في كل يوم وكل ساعة وأحياناً في كل لحظة ..
ومع الوقت تتكوّن لديك حاسة مُدهشة لملاحظة كل ما يُحيط بك من أشياء وأشخاص وحتى من جُدران وأرضيات 👇
76/والمُدهش أن هذه الحاسة تُزرع في أعماقك ثم لا تفارقها بعدها أبداً وهذا ما يصنع منك رجل مخابرات
وأعترف أنني في البداية كنت أحمل لمحة من السخط وشيء من الاستهتار تجاه فكرة الالتحاق بمدرسة المخابرات هذه باعتبار أنني ضابط قوات خاصة سابق لدىّ من المهارات ما يفوق ما لدى أى شخص عادي👇
77/ثم اكتشفت أن كل هذا لا يكفي في عالمي الجديد ..
إنه عالم بلا حدود حقاً عالم يحتاج إلى كل معارف ومهارات الدنيا ..عالم الغموض والإثارة والأسرار
وعلى الرغم من كل مهاراتي وخبراتي السابقة شعرت بأنني مجرد تلميذ صغير في مدرسة جديدة أشبه بمحيط هائل لم أشعر بوجوده من قبل أبداً✍️✍️✍️✍️👇
78/✅معلومات ...معلومات:
منذ أن انتهت دورتي التدريبية في مدرسة المخابرات وعودتي إلى مكتبي الصغير في الإدارة وقرّ في أعماقي أمر يُخالف كل ما كنت أتصوره من قبل ..فعالَم المخابرات ليس سهلاً أبداً 👇
79/ربما يبدو عالَم المُخابرات مُثيراً من الخارج ومُغرياً بالبحث والدراسة ولكنه كأي عالَم آخر يمنحك في البداية شعور زائف بالمعرفة عندما تكشف مفاتيحه الأولية وتعرف قواعده الأساسية 👇
80/في تلك المرحلة الأولية تبدأ في التباهي بنفسك والزهو بأعماقك والادّعاء في داخلك بأنك صرت خبيراً في مِضمارك ..ثم تتلّقى معلومات أكثر ومعارف أكثر وأكثر وأكثر ..وعندئذ تُدرك الحقيقة 👇
82/وكلما ربحت مباراة ُتدرك أكثر أنك كنت مُجرد مُشاهد من قبل .. مشاهد يحفظ القواعد فقط
ولأنني قد أدركت هذا مبكراً لحُسن الحظ فقد شعرت بنَهم شديد إلى المعرفة والمعلومات ورُحت أتساءل: كيف يُمكنني الحصول على المزيد منها و ....👇
83/ هل يُمكنني الدخول؟!
إنطلق السؤال في مرح واضح في نفس اللحظة التي عبر فيها عريض المنكبين باب حجرة مكتبي وألقى جسده على المقعد المواجه لمكتبي مستطرداً بابتسامة كبيرة: أم أنني قد دخلت بالفعل 👇
84/كان أسلوبه هذا يستفزني لسبب ما .. ربما لتعارضه تماماً مع طبيعة شخصيتي الرصينة لذا فقد أجبت في هدوء مُتزن:
تفضّل على الرحب والسعة..
فمال نحوي وغمَز بعينه مُتسائلاً: كيف حال تلميذنا الصغير؟! سمعت أنك قد اجتزت دورتك الدراسية بتفوق وناظر المدرسة يمتدح نشاطك وذكاءك بحق👇
85/كان من الواضح أن أسلوبه قد ضايقني إلى حد ما وأنا أقول في اقتضاب: عظيم
تراجع مُطلقاً ضحكة مرحة قبل أن يُلوح بسبابته، قائلاً: لو أردت نصيحتي يا صديقي فاطرح عن ذهنك هذا التزمت العسكري واندمج في عالمنا هذا
قُلت في حزم: كنت أظن أن الرصانة هى أساس عمل المخابرات 👇
86/هزّ رأسه نفياً في بطء قبل أن يتطلع إلى عينىّ مباشرة ويقول في ابتسامته الكبيرة: عملنا لا صلة له بالرصانة أو المرح يا صديقي .. عِش كما يحلو لك ما دام ما تفعله يُنعش آلتك الرئيسية
أطلّ التساؤل من عينىّ فمال نحوي وأكمل مُشيراً إلى رأسه: هذه👇
87/شملنا الصمت بضع لحظات بعد أن نطق عبارته الأخيرة هذه وكلانا يتطلّع إلى عينيّ الآخر مباشرة قبل أن يعتدل هو في مقعده ويسألني في جدية لا تتفق مع طبيعته المرحة: ما الذي يُقلقك بالضبط؟!👇
88/لم أعتد أبداً الإفصاح عن مشاعري للآخرين وعلى الرغم من هذا فقد وجدت نفسي أجيبه في بساطة: ما زال ينقصني الكثير
هزّ كتفيه قائلاً: هذا أمر طبيعى .. لقد بدأت عملك بصعوبة
كرّرت في توتر: ما زال ينقصني الكثير حتى أبدأ عملي بشكل جيد 👇
89/سألني في اهتمام: ما الذي ينقُصك بالضبط؟!
أجبته في سرعة وكأنني كنت أنتظر سؤاله في شغف: #المعلومات
كنت أتصور أن جوابي سيُدهشه أو سيُثير تعجبه أو استنكاره.. إلا أنني فوجئت به يستعيد ابتسامته العريضة وهو يقول: أمر طبيعى
..ثم نهض من مقعده فجأة مُضيفاً: أترُك لي هذا الأمر 👇
90/سألته في شيء من اللهفة: وماذا يُمكنك أن تفعل في هذا الشأن؟!
أطلّق ضحكة مرحة وهو يندفع نحو الباب مُجيباً :سترى...
تابَعته ببصري وهو يُغادر الحُجرة قبل أن أتراجع في مقعدي مُتسائلاً في أعماقي في قلق عارم: أكان من المنطقى أن أتحدث إليه في هذا الشأن؟! 👇
91/ثم كرّرْت في أعماقي السؤال نفسه: ما الذي يمكنه أن يفعله؟!
لقد تعلّمنا في مدرسة المخابرات أن إحدى القواعد الأساسية في عالم المخابرات هى (المعرفة بقدر الحاجة)
وهذه قاعدة تبدأ مع كل عملية 👇
92/فالكُل في أثناء العملية هُم قطع لوحة الشطرنج يُحركها لاعب ماهر بخطة مُسبقة تم تحديد هدفها مُسبقاً ولكن خطواتها تتحدد وتتطور مع تحركات قطع الخصم 👇
93/وفي اللُعبة لا يعرف كل المعلومات سوى اللاعب وحده أما قطع الشطرنج فكل منها لا يعرف إلا ما يخص دوره فقط
ومن هنا أتت العبارة : (المعرفة بقدر الحاجة)
وأنا أُدرك الحكمة من هذا جيدًا ..👇
94/فالعمل خلال الخطة يدور في إطار #السرية_التامة حتى لا يعرف الخصم تحركاتك القادمة مُسبقاً فيستعد لمواجهتها أو ضربها عند اللزوم ..
والسرية التامة هذه تستلزم ألا يتجاوز السر عقل صاحبه فقط
هو وحده يمتلك كل المعرفة ..ويُشارك فيها معاونيه ومستشاريه فقط 👇
95/أما الأفراد أو قطع #الشطرنج فمعارفهم لابد أن تكون محدودة بأدوراهم حتى لا ينكشف السر أو ينتشر ..بل إن بعضهم لا يعلم حتى لماذا يقوم بهذا الدور ؟؟ أو ما الهدف منه؟؟ولكنه يُنفذه فقط..وبمنتهى الدقة ..وبمُنتهى الأمانة 👇
96/وهذا لا يتنافى مع ضرورة أن يعرف كل فرد كل المعلومات التي تساعده على القيام بدوره على أكمل وجه ممكن ولكن دون معرفة زائدة ..
باختصار : على كل فرد معرفة ما يُفيده دون أدنى زيادة أو نُقصان ..👇
97/وكما ترون فهذه عملية بالغة الدقة ولا يقدر على إدارتها بنجاح إلا لاعب ماهر...خبير... مُحنك...وبرتبة ضابط ..
#ضابط_مخابرات 👇
98/وتصحيحاً لمعلومة خاطئة سائدة.. لا يعمل ضابط المخابرات وحده أبداً فعندما نقول: إنه يتولى عملية ما فهذا يعني أنه يرأس فريق من المُفكرين والمُخططين والمُستشارين والخُبراء لأنه لا يُمكن لعقل واحد أن يُدير لُعبة متكاملة ..👇
99/وهذا بديهياً لأن الخصم يُدير عملياته بفريق من الخُبراء ولابد من أن تتصدى له بفريق آخر من الخبراء .. 👇
100/هذا لأنه من المُستحيل أن يهبط لاعب واحد مهما بلغت براعته إلى ملعب كرة قدم ليواجه الفريق الخصم بأكمله ثم يكون المطلوب منه أن يحرز أهدافاً أيضاً!! من المُستحيل تماماً !!
هذا ألف باء عمل المخابرات كما تعلّمته على أيدي خُبراء 👇
101/انتزعنى فجأة من أفكاري هذه صوت طرقات رصينة على الباب فرفعت رأسي قائلا في آلية: أُدخل..
لم أكد أنطقها حتى شعرْت بشيء من الحَنق لأنني لم أتبع القواعد التي تُحتم السؤال عن الطارق أولاً وصرخت في أعماقي أنه من الضروري أن أنتبه إلى هذا في المرة القادمة 👇
102/ولكنني لم أستغرق طويلاً في حالة اللوم الذاتي هذه إذ انفتح باب مكتبي الصغير في هدوء وظهر على عتبته ذلك الرجل برصانته المُعتاد وصوته الرفيع وهو يقول: أخبروني أنك تريدني يا سيدي 👇
103/انفرجّت شفتاى لإنكار هذا واستنكاره وسؤاله عمّن أبلغه به لولا أن استدرك في سرعة: بشأن المعلومات
وعندئذ فهمت على الفور إنه عريض المنكبين وهذا ما فعله ..
لقد أرسل إلىّ هذا الرجل الرصين لسبب ما ..
سبب جعلني أسأله في اهتمام: وهل يمكنك أن تفيدني في هذا الشأن؟!👇
104/أجابني في هدوء رصين وهو يدخل إلى المكتب: بالتأكيد
...يومها عرفت الكثير عن العالم المُحيط بي في الإدارة ..إدارة المخابرات👇
105/عرفتُ أن هذا الرجل الرصين شخصية مُدهشة بحق وتدعو إلى الاحترام إلى أقصى حد مُمكن ...إنه أرشيف حي يحمل في عقله وأعماقه وكل ذرة في كيانه كمّاً هائلاً من المعلومات عن عالَم المخابرات وتاريخه وعملياته وأسراره المُدهشة 👇
106/ثم إنه يمتلك أسلوب سلِس جذّاب وهو يروي عملية مخابرات قديمة أو يشرح نُقطة غامضة أو يُفسر خطوة حسمت قضية ما 👇
107/ولساعات طويلة لم أشعُر بمرورها راح عقلي يحتشد بعشرات القصص والروايات والمعلومات ...معلومات ..معلومات ..معلومات ..
والمُدهش أنني لم أشعر أبداً بالتعب أو الإجهاد ..أو الملل ..
أو حتى الشبَع ..
بل على العكس تماماً لقد تضاعّف فهمي للمعرفة والمعلومات أكثر ..وأكثر ..وأكثر 👇
108/والرائع أن الأرشيف الحي الذي أمامي لم يُظهر أى ضجر أو يُعلن تعبه أو إجهاده ..بل كان يبدو هادئ ورصين كعادته ومُستعد للمُضى في حديثه حتى آخر مدى لولا أن سمِعنا صوت عريض المنكبين وهو يقول ضاحكاً: رُويدكما .. المخابرات لن تنتهي الليلة 👇
109/انتبهتُ مع كلماته فقط إلى أننا قد تجاوزنا ساعات العمل الأساسية بأربع ساعات كاملة دون أن ينبهني الرصين لهذا أو يُبدى تبرمه أو غضبه بسبب تلك الساعات الإضافية التي أجبرته على قضائها بشغفي الشديد للمعلومات واحتملها هو برصانته وشهامته وطبيعته المُهذبة التي أكشفها لأول مرة 👇
110/أما عريض المنكبين فقد تابع بمرحه المعتاد وهو يُشير بسبّابته: المعلومات هنا لا حصر لها وستظل تنهل منها حتى آخر لحظة في حياتك
وغمز بعينه وهو يُضيف ضاحكًا: ثم إنني قررت أن أدعوك لتناول طعام الغداء لنتعارّف أكثر على الأقل 👇
111/نهض الرصين بعد كلمات عريض المنكبين وقال في هدوء رصيني مهذب: غداً نُكمل.
ثم استدرّك في سرعة: لو أن هذا يُناسبك..
نهضت بدوري أصافحه في حرارة واحترام قائلاً: يُناسبني بالتأكيد👇
112/اتسعَت ابتسامة عريض المنكبين وهو يعقد ساعديه أمام صدره القوى وظل صامتاً حتى انصرف وجه الرصين تماماً فقال وهو يغمز بعينه عابثًا في مرح: من الواضح أن الغُلاف العسكري سيذوب بسرعة
أشرتُ بيدي نحو الباب الذي انصرف منه الرصين وأنا أقول:إنه رجل رائع 👇
113/فهم عريض المنكبين ما أعنيه على الفور فأومأ برأسه موافقاً وهو يقول بابتسامة كبيرة: بالتأكيد
سألتَه في اهتمام: أهو ضابط مخابرات قديم؟!
هزّ رأسه نفياً وهو يقول في بساطة: إنه ليس ضابط مخابرات 👇
114/إتسعت عيناى في دهشة فأضاف عريض المنكبين: إنه موظف قديم هنا
فهتفْت بكل دهشة الدنيا: موظف؟!!!!
قال في بساطة وهو يُفسح لي الطريق لنُغادر المكتب معاً: نعم .. موظف مسئول عن أرشيف العمليات
ثم ضحك مُضيفاً: هل تعتقد أن أجهزة المخابرات تعمل بالضُباط وحدهم؟!👇
115/قُلت في انبهار ونحن نسير في ممرات المبنى: ولكنه يملك قَدر مُدهش من المعلومات
وافقني بإيماءة من رأسه قائلاً: نعم .. إننا نتعمد على ذاكرته الأرشيفية المُدهشة هذه كثيراً 👇
116/شغلني التفكير في هذا الأمر طوال طريقنا إلى ذلك المطعم الأنيق الهادئ الذي يحتل طابق كامل من المبنى الإدارى الثالث وما إن جمعتنا مائدة الطعام حتى سألت عريض المنكبين في اهتمام: ألدينا هنا عدد كبير من المُوظفين؟!👇
117/أومأ عريض المنكبين برأسه إيجاباً وقال: بالطبع .. لدينا موظفون للحسابات وشئون الأفراد وكل الأعمال الإدارية الأخرى
ثم ابتسم مُستطردًا:حتى رجال المخابرات يحتاجون إلى من يتولى شئون رواتبهم وأعمالهم يا زَميلي👇
118/كدت أهتف بأن هذا أمر طبيعي وأُعلن دهشتي من أنني لم أنتبه إليه إلا أنني اكتفيت بالتراجع في مقعدي وأنا أقول: بالتأكيد 👇
119/تناول عريض المنكبين طعامه في هدوء لا يتناسب مع مرحه ونشاطه المُعتادين وقال، وهو يمضغ قطعة من اللحم المشوى: هل فكّرت في أية مخابرات تنوي ان تبدأ عملك معنا؟
تساءلتُ بدهشة عارمة: ما الذي يعنيه هذا؟! أهناك مخابرات أخرى هنا؟!👇
120/ابتلَع عريض المنكبين قطعة اللحم المشوي ثم ابتسم ابتسامة كبيرة وهو يمسح فمه بمنشفة صغيرة ويميل نحوي قائلاً: بالطبع أيها التلميذ الجديد .. هناك نوعان من المخابرات دوماً..
ومع انبهاري الشديد رُحت أستمع إليه بمنتهى الشغَف
ورُحت أنهل من فيض جديد من المعلومات ..بلا حدود
✍️✍️✍️✍️👇
121/✅سالب وموجب:
تؤكد معظم الأقوال المأثورة في كل أنحاء العالم تقريباً أن الإنبطاعات الأولى تدوم دوماً ..ولكنني وبعد أسبوع واحد من العمل في جهاز المخابرات وبعد أن أنهيت مرحلة التدريبات الأولية تأكدت من أن هذا القول خاطئ....خاطئ تماماً👇
122/فمع لقائي الأول به لم يرُق لي أبداً عريض المنكبين بسبب مرحه الزائد وابتسامته المُشرقة دائماً نظراً لما ألفته في كُليتي العسكرية من الانضباط والصرامة وضبط النفس والجدّية بلا حدود👇
123/أما الآن وبعد أسبوع واحد من تناول طعام الغداء معاً في المطعم المُلحق بأحد مباني الجهاز أصبحت أحترمه كثيراً...كثيراً جداً
..بل لست أبالغ أبداً عندما أؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنني قد صرت مبهوراً به وحتى النخاع 👇
124/فلست أنسى أبداً تلك الجدية الهادئة التي راح يتحدث بها إلىّ مع بساطته النادرة وهو يشرح لي الفارق الجوهري بين نوعين المُخابرات:
👈 المُخابرات الإيجابية
👈المُخابرات السلبية
👇
125/بل وما زلت أذكر نص كلماته وهو يقول:
أجهزة المُخابرات في أية دولة في العالم تنقسم إلى قسمين رئيسيين وهما :
👈المخابرات الإيجابية
👈المخابرات السلبية أوالمُخابرات الوقائية
👇
126/فالمخابرات الإيجابية مهمتها السعي لجمع كل المعلومات المُمكنة السياسية والاقتصادية والعسكرية عن دول الجوار أو المواجهةأو الدول التي تربطنا بها علاقة ما بحيث يمكنها أن تضع أمام أصحاب القرار في دولتها كل ما يضمن اتخاذهم القرارت الصحيحة في الأوقات الصحيحة سواء في السلم أو الحرب👇
127/ وفي بعض الأحيان يتطوّر عمل المُخابرات الإيجابية إلى إثارة القلاقل أو الفتن أو حتى أعمال التدريب والتخريب لو اقتضى الأمر وبالذات في أوقات المواجهة أو زمن الحروب 👇
128/والمُخابرات تسعى للنجاح في عملها بكل الوسائل الممكنة ومنها تجنيد عملاء وسط صفوف العدو أو الخصم أو زرع الجواسيس في أعماقه أو إخفاء بعض أجهزة الرصد والمراقبة أو التنصت وكل ما يمكن أن يخطر على بالك مما يُحقق السيادة المعلوماتية لدولتها 👇
129/ أما المخابرات السلبية أو الوقائية فهي الجانب المعاكس تماماً لهذا ..أو أنها المسئولة عن حماية الأمن القومي ومنع مُخابرات الخصم من تحقيق كل الأهداف التي تسعى إليها في الجانب الإيجابي منها لذا فهى تحمي الأسرار وتكشف الجواسيس والعملاء وتمنع الفتن والانقلابات وغيرها👇
130/يومها أكمَل حديثه الجاد ثم مال تجاهي واستعاد ابتسامته وهو يسألني بلهجته المرحة ذات اللمحة العابثة: والآن أيهما ستختار لبدء عملك هنا؟؟ 👇
131/فتراجعْت في مقعدي وأنا أسأله في اهتمام:
وهل الاختيار متاح؟!
أجابني في سرعة: بالتأكيد 👇
132/...ثم استعاد عريض المنكبين جديّته مُتابعاً: القاعدة الرئيسية هنا هى ضرورة أن تعمل في مجال يمكنك التفاعل معه .. في البداية على الأقل فعملنا يحتاج إلى منتهى اليقظة ومنتهى التفاعل .. باختصار يحتاج إلى منتهى الحُب ولن يمكنك أن تمنح عملك كل هذا إلا لو أحببته بحق👇
133/كانت كلماته أقرب إلى الفلسفة والشاعرية منها إلى كلمات رجل مخابرات مُحنك إلا أنها راقت لي كثيراً مما جعلني أسأله في اهتمام: وماذا تقترح؟!
فابتسم قائلاً في دهشة: أنا؟!
ثم أطلق ضحكة عالية مرحة قبل أن يستطرد: المُفترض أن هذا قرارك أنت
فقُلت في سرعة: وأنا أسألك النُصح والمشورة👇
134/ظهرَت على وجهه دهشة كبيرة استغرقت لحظة واحدة قبل أن يتراجع في مقعده ويقول في بطء: تسألني أنا؟!
أجبت بنفس السرعة: بالتأكيد
ظلّ صامت بضع لحظات وهو يتطلّع إلى وجهي مُباشرة ويحّك ذقنه بسبّابته بشكل يوحي بأنه يحاول كتمان انفعال ما في أعماقه قبل أن يقول: حسناً 👇
135/نطقَها بلهجة غلَبها انفعالها قبل أن يتنحنح ويستعيد توازنه مُستطرداً في حزم: في هذه الحالة أنصحك بأن تبدأ عملك في المخابرات الوقائية
سألتَه في اهتمام: ولماذا؟!
👇
136/أشار بيده قائلاً: العمل في المخابرات الوقائية أقل خطورة حيث إنك ستعمل داخل حدود دولتك في أغلب الأحيان وستملك ناصية نفسك وتجد حولك كل ما تحتاج إليه وكل من تحتاج إليه لإتقان العمل على أفضل وجه 👇
137/وتابع قائلاً: ثم إنك في الوقت نفسه ستكتسب خبرة لا بأس لها في التعامل مع الجواسيس والعُملاء وستتعلم كل ما ينبغي أن تتعلّمه بشأن الإجراءات القانونية الصحيحة التي تجعل قضيتك محكمة تماماً👇
138/إبتسمتُ وأنا أقول في شيء من الزهو لم أتعمّده: أظنني قد اكتسبت خبرة مناسبة في هذا الشأن من خلال ملفات العمليات السابقة
تراجّع في مقعده وعاد يتطلع إلىّ مباشرة قبل أن يسألني فجأة: هل تُجيد لعبة الشطرنج؟!
أدهشني سؤاله فأجبته في حذر: إلى حد ما👇
139/سألني في جدية: هل تعتقد أنه يوجد لاعب شطرنج واحد في العالم كله يجهل قواعد اللعبة؟!
أجبته في سرعة ودهشة: هذا مستحيل !
عاد يميل تجاهي قائلاً: إذاً فكل لاعب شطرنج يعرف قواعد اللعبة
فهتفْت: بكل تأكيد👇
140/تطلّع إلى عينىّ مباشرة هذه المرة وهو يقول: وعلى الرغم من هذا فلن تجد دورَيّ شطرنج مُتشابهين أو متطابقين تماماً مهما طالعت..
أدركْت ما يعنيه على الفور فتراجعْت في مقعدي وأنا أغمغم: هذا صحيح 👇
141/ابتسم مُطمئناً لاستيعابي الفكرة وهو يقول: هكذا عمليات المخابرات ...الكل يعرف القواعد والكل يتّبعها بمنتهى الدقة ولكن لا توجد عمليات متشابهة أبداً ..فكل عملية لها ظروفها وتعقيداتها وأساليبها والوسائل اللازمة للتعامل معها 👇
142/والوسيلة الوحيدة لاكتساب الخبرة في هذا المِضمار هى أن تخوض اللُعبة بنفسك وأن تواجه كل مخاطرها ومتاعبها وتعقيداتها وأن تتعامل بنفسك مع جاسوس أو عميل وتتابعه وتراقبه وترصده وتُلاعبه ...
ثم توقّف ليلتقط نفساً عميقاً قبل أن تتسع ابتسامته وهو يضيف: بهذا فقط تُصبح #رجل_مخابرات 👇
143/كنت مبهوراً بما يقول لذا رُحت أتطلع إليه صامتاً بضع لحظات قبل أن أسأله في خفوت: أهكذا بدأت أنت؟!
أومأ برأسه إيجاباً وقال: نعم
سألته في فضول: وأين أنت الآن؟!
صمَت طويلاً هذه المرة قبل أن يجيب في بطء:
لماذا تتعجل الأمور؟!
ثم اعتدل فجأة مضيفاً:قريباً ستعرف كل شيء عما يحدث هنا👇
144/هكذا أنهى حديثه في ذلك اليوم ثم أتبعه بابتسامة عريضة وهو يقول في مرح: ألن نتناول طعامنا؟!
...ووجدت نفسي أضحك بدوري هاتفًا في حماسة: بالتأكيد👇
145/ومنذ ذلك اليوم ارتبطتُ ارتباطاً وثيقاً بعريض المنكبين وكذلك الرجل الرصين الذي اعتاد المرور بمكتبي يومياً ليروي لي بعض العمليات القديمة👇
146/والواقع أنني أدمن هذه اللقاءات ..أُدمن الاستماع إلى العمليات القديمة من بين شفتي الرجل الرصين..وأدمنْت الاستزادة من المعارف والقواعد في جلساتي مع عريض المنكبين...وانهالت الاكتشافات على ذهني بشكل أدهشني كثيراً👇
147/فلقد أدركْت أن الرجل الصارم كان يوماً الدينامو المحرك للجهاز كله.. أما ذلك الذي التقيته في البداية فكان أبرع رجال العمليات الخاصة والرجل الذي تسند إليه كل عملية تحتاج إلى قلب ميت وشجاعة بلا حدود وانتحارية لا تعرف التراجع أو الاستسلام 👇
148/ولكن المفاجأة الكُبرى كانت تخُص ذلك المرح عريض المنكبينفالرجل على الرغم من مرحه الزائد هو عبقري الشطرنج المُخابراتي وأبرع من يدير عملية ما ..مهما بلغت صعوباتها وتعقيداتها
إنه أشبه بأينشتين بالنسبة لمضماره هذا 👇
149/ولقد برزَت موهبته الفذّة هذه منذ كان يعمل في المخابرات الوقائية وتطورّت بشكل مُدهش عندما بدأ عمله كضابط حالة مما جعله يحتّل الآن مكانة خاصة جداً في الجهاز 👇
150/ومن واقع الملفات كان من الواضح أنه يمتلك عقلية شديدة الدقة والتنظيم ويُمكنها التعامل مع عدة محاور في وقت واحد وبمهارة مُدهشة وعبقرية يندُر وجودها في هذا المجال ومع معرفتي هذه ازداد احترامي له وانبهاري به وأصبحتُ مبهوراً ببساطته ومرحه ومُداعباته المُستمرة👇
151/وتنفيذاً لنصيحته قررْت أن أبدأ العمل من خلال الفرع الوقائي في الجهاز وسجلّت مطلبي هذا رسمياً وبدأت مرحلة التدريب الجديدة وهذه واحدة من مزايا العمل في جهاز مخابرات ...
(أنك لا تتوقّف عن التعلُم واكتساب الخِبرات أبداً)
وهذا أمر مُمتع وإلى أقصى حد👇
152/ولقد أقبلْت على مرحلة التدريب الجديدة هذه بمنتهى الشغَف ورُحت أنهل منها في شراهة غير مسبوقة حتى إنني حصلت على تقدير ممتاز في نهايتها وعلى مفاجأة مُدهشة ورائعة👇
153/فبعد أسبوع واحد من انتهاء الدورة التدريبية تم تكليفي بعملية جاسوسية داخلية ..
أول عملية في حياتي المهنية وفي عالمي المُدهش .. عالم المُخابرات ✍✍✍✍👇
154/✅العملية الأولى :
كنت أؤدي أعمالي اليومية المُعتادة وأراجع بعض الملفات لاكتساب بعض الخبرات النظرية من أعمال القُدامى عندما دخل الرجل الرصين إلى مكتبي فجأة وأشار بإبهامه خلف ظهره قائلاً في اهتمام بالغ لم يتعارض مع رصانته المُعتادة :سيادته يطلب رؤيتك فوراً👇
155/فاعتدلْت مُردداً في حذر: سيادته؟!
فنطق الرصين إسم الرجل الصارم بشكل يوحي بالاحترام والتقدير الشديدين قبل أن يضيف وهو يومئ برأسه بشكل لم أفهم وقتها: إنه لا يحب الانتظار طويلاً👇
156/لملمْت أوراقي بسرعة وأغلقت مكتبي خلفي بإحكام كما تقتضي التعليمات الأمنية ثم اتجهت مباشرة إلى مكتب الرجل الصارم في المبنى المجاور وكل خلية في مخي تدرس الموقف وتحاول إيجاد أجوبة شافية لهذا الاستدعاء العاجل المفاجئ👇
157/ولكنني أعترف هنا في هذه المذكرات بأنني لم أتوصل إلى الجواب الحقيقي أو حتى أتخيله أبداً..
بل إن كل توقعاتي قد خابت تماماً مع لحظات اللقاء الأولى كلها بلا استثناء👇
158/فأول ما توقعته هو أن يستقبلني الرجل الصارم بأسلوبه المعتاد الذي يتناسب مع اللقب الذي أطلقه عليه وأن يُلقي على مسامعي في غلظة وآلية و ...👇
159/ولكن الرجل الصارم لم يفعل هذا أبداً..لقد استقبلني في مكتبه بهدوء شديد ودعاني إلى الجلوس على المقعد المجاور لمكتبه ثم التقط ملف من أمامه ونقله أمامي وهو يقول في لهجة بدت لي ودودة إلى حد كبير: طالِع الصفحة الأولى من هذا الملف يا رجل وأخبرني برأيك فيما تحتوي عليه👇
160/كنت أعلم من واقع خبرتي النظرية أن الصفحة الأولى بها في المُعتاد ملخص سريع وافي لمحتويات الملف كله لذا فقد طالعتها في دقة واهتمام👇
161/ثمم قُلت في حذر لم يُمكنني تجاوزه: إننا نتحدث عن جاسوس يعمل لحساب دولة مُعادية في موقع حسّاس من حكومتنا ولقد تم كشف أمره بسبب بعض الأخطاء البسيطة التي وقع فيها دون أن يدري والتي كشفتها عيوننا فتم وضعه تحت المراقبة استعداداً لإلقاء القبض عليه 👇
162/تراجّع الرجل الصارم في مقعده وسألني: هل تعرف هذا الإسم جيداً؟!
فأومأت برأسي إيجاباً..
فسألني: وهل كنت تتصور أن يكون جاسوساً وعميلاً لأعداء وطننا؟!
ترددتُ لحظة قبل أن أقول في حذر:ما ورد في هذا الملف يشير إلى أن ....
فقاطعني وقد استعاد صرامته المعهودة: هل كنت تتصوّر هذا؟!👇
163/التقطتُ نفساً عميقاً قبل أن أجيب في حزم: لولا ما ورد في هذا الملف لما تخيّلت هذا أبداً ..
فضرب سطح مكتبه بيده وهو يقول في حماسة مُفاجئة: بالضبط 👇
164/ثم نهض من خلف مكتبه بحركة حادة مُباغتة وبدأ يتحرك في المكان متابعاً في حزم: الرجل يحتل منصب مرموق وحسّاس كما ترى ومن الواضح أنه قد تمت تغطيته بمهارة شديدة 👇
165/وتابع الرجل الصارم : من المُحتمل أنه يعمل لحسابهم منذ سنوات حتى إنه لم يعُد يتخذ أساليب الحيطة والحذر كالمعتاد والتي تضمن سلامته وأمنه وهذا أول خطأ يقع فيه الجاسوس الذي يظل في موقعه طويلاً إذ تتزايد ثقته بنفسه ويبدأ في إهمال أمنه الشخصي👇
166/استدار إلىّ وهو يرفع سبّابته أمام وجهه مُستطرداً :وهنا ينكشف جانب من رُقعته..
وهنا أدركْت أنه يعني بقوله هذا رقعة الشطرنج الوهمية التي تدور فوقها حرب الجواسيس دوماً فغمغمْت: هذا من حُسن حظنا
..انعقد حاجبا الرجل صارم وهو يلوح بسابته قائلاً بكل صرامته: لا شأن للحظ هنا👇
167/ثم جذب مقعداً وجلس أمامي مباشرة وهو يُضيف بلهجة حازمة صارمة وأسلوب أشبه بالمُعلم الذي يُلقن تلميذه قواعد لُعبة جديدة 👇
168/ كلنا نتفق على أن عملنا أشبه بصراع فوق رُقعة شطرنج ..القطع عليها هي الجنود الحقيقية والمعنوية والقواعد تحكُمنا وتحكُم خصومنا أيضاً وما دام الأمر كذلك فلا مجال للحظ على الإطلاق 👇
169/تماماً كلعبة الشطرنج الأصلية كل قطعة تربحها إما بمهارتك في اللعبة أو بخطأ يرتكبه خصمك على الرقعة .. وفي عمليتنا هذه أخطأ الخصم عندما لم يواصل التأكيد على أهمية الالتزام بقواعد الحيطة والحذر بالنسبة لعميله وهذا ما منحنا فرصة كشف أمره .. هل فهمت؟!
غمغمْت: بالتأكيد 👇
170/قال وهو ينهض فجأة: عظيم
ثم عاد خلف مكتبه وهو يُضيف بصرامته المعتادة: خُذ هذا الملف إلى مكتبك إذاً وادرسه بمُنتهى الدقة والعناية فهذه قضيتك الأولى
...قفز قلبي داخل صدري في لهفة واتسعَت عيناي على الرغم مني وأنا أهتف: قضيتي؟! أنا؟!👇
171/انعقَد حاجباه في شدة وهو يقول بمنتهى الصرامة: بالطبع .. هل تصورت أنك ستجلس هنا بدون عمل إلى الأبد؟!..
كانت كل ذرة في كياني تتفجّر بالحماسة والسعادة حتى إنني لم أستطع منع انفعالاتي من القفز إلى لسان وأنا أحمل الملف وأنهض قائلاً في لهفة: كلا يا سيدي .. كلا بالطبع 👇
172/كنت أندفع نحو باب المكتب وكُلي لهفة على بدء العمل فوراً عندما استوقفني الرجل الصارم قائلاً : تذكّر جيداً .. هنا لا يعمل أحد مُنفرداً
فقُلت بمُنتهى الحماسة: بالتأكيد يا سيدي .. لقد درست هذا من قبل .. درسته وحفظته جيداً👇
173/مال إلى الأمام وهو يقول لي في صرامة: إعمل على حُسن نقله إلى واقع الحياة العملية إذاً...👇
174/لم أنس عبارته ..وأنا أعود لمكتبي وأضع الملف أمامي محاولاً إقناع قلبي بالتوقف عن الخفَقان بقوة قبل أن تتمزق أضلاعي من عنف ضرباته ومنع أنفاسي المُتلاحقة من التواصل بهذا الشكل حتى لا أفقد وعيى وأنا أتطلّع للملف الذي ظهر لي أشبه بشهادة ميلاد جديدة في عالمي هذا..عالم المخابرات👇
175/سبع دقائق كاملة قضيتها مُحدقاً في الملف قبل أن ألتقط سماعة الهاتف الداخلي وأتحدث إلى الرصين قائلاً: أريدك فوراً..
لم تمُر دقيقة واحدة حتى وجدته يقف أمامي
بوجهه النحيل الرصين وهو يقول في هدوء: أوامرك👇
176/طلبتُ منه أن يغلق باب المكتب خلفه ودعوته إلى الجلوس وأنا أربّت على الملف قائلاً: إنها قضيتي الأولى..
فابتسَم ابتسامة رصينة كعادته وهو يقول: مبروك
فقُلت في سرعة: أريد خبرتك
فقال في حماسة رصينة: كلي رهن إشارتك 👇
177/لم أُطلعه على محتويات الملف في البداية وإنما رُحت أسأله عن كيفية العمل وأسلوب تكوين الفريق ووسائل التعامل مع الموقف وهو يُجيب كل أسئلتي في اهتمام هادئ دون حماسة أو انفعال 👇
178/وبعد ساعة كاملة كُنت قد راجعت معه كل ما درسته في صفوف مدرسة المخابرات من قبل بشأن إدارة عمليات كهذه وعاونني مُخلصاً في اختيار فريق العمل المُكون من(3) من الشباب وفتاة واحدة بالإضافة إليه هو كمرجع للمعلومات ومُنسق للعمل👇
179/وبعد أن تم تدوين كل هذا في مُحرر رسمي أطلّعته على الملف باعتباره فرد من فريق العمل
وفي أثناء مطالعته للملف قُمت بعمل كل الاتصالات الداخلية اللازمة لاجتماع فريق العمل بعد ساعة واحدة ثم سألته في اهتمام: ما رأيك؟!
هزّ رأسه مُجيباً: أمر مؤسف
ثم استدرك في رصانة: ولكنه ليس مفاجئ 👇
180/تراجعت في مقعدي بكل دهشتي: ليس مفاجئاً؟!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول:لو أنك طالعت ما طالعته عن عالم الجاسوسية لأدركت أن كل شيء ممكن مهما بلغت غرابته وتاريخ حرب الجواسيس به الكثير والكثير من الأمور الغريبة والمدهشة والمفزعة حتى إنك ستصبح بعد فترة من الخبرة مؤهل لتقبل أي شيء👇
181/تنهدتُ مُغمغماً : الرجل يحتل منصب مرموق بالفعل وكان هذا يكفيه
فهزّ كتفيه قائلاً : لسنا نعلم بعد لماذا عمل لحسابهم .. أو اضطر للعمل لحسابهم
فقلت مستنكراً: هل يمكن أن يخون وطنه على الرغم من إرادته؟!
فقال في هدوء رصين: كل شيء مُمكن 👇
182/لوّحت بيدى مُستنكراً وأنا أقول: إلا هذا .. ولو كان الأمر بيدى لاكتفيت بما يحويه هذا الملف وألقيت القبض عليه فوراً
فهز رأسه قائلاً في حزم: لا يُمكنك أن تفعل هذا 👇
183/فلوّحت بالملف هذه المرة وأنا أقول: هل قرأت الملف جيداً؟!
أومأ برأسه إيجاباً قبل أن يعتدل في مقعده قائلاً: نعم ووفقًا لما جاء به فهذا الرجل ليس جاسوس لدولة معادية على الإطلاق..
...وكانت هذه الكلمات مُفاجئة بالنسبة لي حقًا ..مُفاجئة ومدهشة كثيراً✍✍✍✍👇
184/✅التوازن:
على الرغم من كل ما قرأته ودرسته عن أعمال المخابرات وقواعد لعبة الجاسوسية منذ بدأت عملي كرجل مخابرات ومنذ قرّرت أن أتخصص في مكافحة الجاسوسية ومن كل ما رواه لي الرصين وما شرحه لي عريض المنكبين لم يكن الانتقال إلى عالم الواقع سهلاً أو بسيطاً أبداً 👇
185/فهناك في مكتبي الصغير في إدارة المخابرات لقنني الرصين بخبراته الطويلة درس جديد ومهم للغاية في عالم الجاسوسية ...فبالنسبة إليه وبعد أن قرأ ملف قضيتي الأولي وبمنتهى الاهتمام والعناية لم يكن الرجل الذي نسعى خلفه جاسوساً يعمل لحساب دولة مُعادية ...على الإطلاق ...
ولكن كيف؟!👇
186/هتفْت بالسؤال بمنتهى الدهشة والاستنكار وأنا أراجع في ذهني كل ما قرأته في ملف ذلك الرجل من أمور تصِمه إلى الأبد بالخيانة وتؤكد دون أدنى شك أنه جاسوس !!!! 👇
187/ولكن الرصين ظل هادئاً رصيناً كعادته ولم يتأثر كثيراً أو قليلاً بانفعالي واستنكاري وهو يشير بسبّابته، قائلاً : الدليل .. أين الدليل؟! 👇
188/ظهر قوله أشبه بصفعة قوية هوت على وجهي بمُنتهى العُنف وجعلتْني أرتّج في أعماقي بقوة وأنتبه لأول مرة إلى أننا لا نمتلك أى دليل مادي حتى هذه اللحظة يمكن أن يدين الرجل ...
وفي توتر فقُلت للرصين: لدينا هنا طن من القرائن
هزّ رأسه قائلاً: كلها لا تساوي شيء 👇
189/أحنقني هذا بشدة وقُلت غاضباً: وكيف هذا؟! لقد ارتكب الرجل عدة أخطاء كبيرة لفتت إليه الانتباه وتمت مراقبته بدقة وتأكدّنا تماماً من أنه يرسل بعض المعلومات السرية الخاصة بموقعه شديد الحساسية إلى دولة مُعادية ...كيف تقول عن كل هذا إنه لا يساوي شيئًا؟!👇
190/إبتسم الرصين ابتسامة هادئة رصينة كعادته وهو يقول:
لو أننا جهاز أمن داخلي كالشرطة أو المباحث مثلاً لكان هذا يكفي للقبض على المشتبه فيه واستجوابه وربما وضعه تحت عدة ضغوط أيضاً حتى ينهار ويعترف أو يكشف عن أدلة مادية تكفي لإدانته قضائياً 👇
191/ثم مال نحوي مُستطرداً: ولكن ماذا لو لم ينكشف الدليل؟!
تراجعْت في مقعدي ببطء وحذر ودرست السؤال في ذهني جيداً قبل أن أجيب في بطء: أظننا كنا سنضطّر لإطلاق سراحه
فهتف في حزم: بالضبط 👇
192/لم أفهم ما يهدف إليه بدقة فتطلّعْت إليه مُتسائلاً مما جعله يُتابع وقد استعاد رصانته المألوفة:بالنسبة لأجهزة الأمن الداخية قد يمكن استيعاب أمر كهذا باعتبار أنها تواجه عشرات الجرائم يومياً 👇
193/ومن المُستحيل أن تبلُغ نسبة نجاحها في حلها 100% أو حتى 90% ثم إن أجهزة الأمن الداخلية تواجه أشخاص ليست لهم سُلطة موازية لسلطتهم فهم إما مواطنون عاديون أو حتى مسئولين فلن يكونوا أبداً فوق المُساءلة 👇
194/لذا فإلقائها القبض على متهم تثبت براءته فيما بعد أو يصعب إثبات إدانته يمكن أن يمضي بأقل خسائر ممكنة فالمواطن يخضع لقوانين دولته التي قد تبيح احتجازه للاشتباه أو لاستكمال الأدلة وأقصى ما يمكن أن يحدث هو أن يطالب بتعويض مادي لقاء ما تعرض له من معاملة قاسية أو اتهامات باطلة👇
195/ثم تابع الرصين :أما بالنسبة لأجهزة المخابرات فالأمر يختلف تماماً إذ إنك عندما تتهم شخص ما بالخيانة أو التجسس إنما تتهم في الواقع دولة أخرى بدس ذلك الشخص بين صفوفك لانتزاع ما تُخفيه من معلومات👇
196/ بمعنى أدق ... الاتهام هنا هو اتهام دول لبعضها البعض من خلال أفراد يعملون لحساب جهة سيادية عليا في تلك الدول وهذا يعني أن الخطأ لن يُقابله مجرد تعويض مادي أو اعتذار ديبلوماسي ...بل قد يتطور إلى أزمات سياسية عنيفة يُمكن أن تبلغ في بعض الأحيان حد #إعلان_الحرب 👇
197/اعتدلْت في مقعدي بحركة حادة هاتفاً في انفعال: إلى هذا الحد؟!
أشار بسبّابته مُجيباً: هناك وقائع تاريخية تؤكد هذا 👇
198/ إلتقى حاجباي وأنا أفكر فيما قاله جيداً قبل أن أقول في حذر: أنت تعني إذاً أنه بدون دليل مادي قوي يضمن إدانة الجاسوس والدولة التي يعمل لحسابها تُصبح القضية كلها وكأنها لم تكُن 👇
199/أومأ الرصين برأسه إيجاباً وقال: بالضبط ففي نظم الأمن الداخلية يمكنك أن تُلقي القبض على المشتبه فيه أولاً ثم تستكمل العثور على الأدلة فيما بعد... أما مع أجهزة المخابرات فأنت تستكمل البحث عن كل الأدلة أولاً وعندما تُمسكها بقبضتك في قوة تنقّض على المُتهم وتُلقى القبض عليه 👇
200/عُدت أتراجع في مقعدي وأنا أقول: حسناً ..فهمت
لقد استوعبْت الدرس تماماً هذه المرة ...
الدليل أولاً ... الدليل قبل كل شيء...👇
201/وهنا بدأت أرى الصورة كما يراها الرجل الرصين تماماً ...
صحيح أننا واثقون من أن ذلك الرجل جاسوس...ولكننا لا نمتلك الدليل المادي الكافى لإدانته لذا لابد أن نبذل قصارى جهدنا للبحث عنه إذاً ...وبكل الوسائل المُمكنة 👇
202/والواقع أن الدرس الذي لقنّني إياه الرصين كان له أفضل الأثر في تغيير مسار قضيتي الأولى تماماً
فبعد أقل من ساعة وعندما بدأ اجتماعي مع فريق العمل الذي انتقيته لقضيتي الأولى كانت الخطة التي وضعها ذهني في البداية قد تغيرت تماماً...لقد تطوّرت ...وتبلوّرت ...واتضحَت 👇
203/وبمعاونة الرصين أصبحَت خطة حِرفية واحترافية إلى حدٍ مُدهش ...لست أنكر أنني في الدقائق الأولى شعرت بشيء من التوتر لجلوسي على قمة مائدة الاجتماعات ورئاستي لطاقم عمل مُحترف في قضية عملية أولى بلا خبرات سابقة باستثناء ما قرأته وسمعته وشاهدته 👇
204/ثم بدأنا في مناقشة العملية وراح التوتر يقل ...ويقل ...ويقل حتى تلاشى تماماً ...تلاشى أمام اهتمامنا الشديد بمناقشة كل التفاصيل وكل المعلومات و ....👇
205/وفجأة ارتّد إليّ ذلك التوتر كله ..بل وتضاعف مرتين على الأقل وبمُنتهى العُنف ...
إرتّد عندما وقع بصري على صورة واحدة....صورة الجاسوس مع أسرته مع زوجته وابنيه وابنته الصغيرة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها بعد👇
206/ كانوا جميعهم يبتسمون ابتسامة كبيرة رقيقة ...ابتسامة أُسرة سعيدة ...أسرة عائلها جاسوس خائن يبيع أسرار وطنه لأعدائه ...
ومن الواضح أن الرصين قد لاحظ ما أشعر به فاعتدل قائلاً فجأة في حزم شديد: قرارك يا سيدي 👇
207/أدركْت لحظتها أنه يستحثني على المقاومة وتجاوُز مشاعري الشخصية واتخاذ القرار ببدء العملية ...
القرار الذي لابد أن يتخذه أي قائد في أية معركة بغض النظر عن مشاعره وانفعالاته الشخصية ...القرار الذي يضع المصلحة العامة وأمن الوطن فوق كل اعتبار مهما كانت الأسباب ...👇
208/وبكل ما تبقّى لي من حزم وحسم اعتدلْت في مقعدي قائلاً: سنبدأ التنفيذ على الفور😡
وعلى الرغم من الألم، الذي يعتصر قلبي وصدري بدأت في توزيع الأدوار على أفراد الفريق لمراقبة الرجل وتتبعه وزرع أجهزة التنصت والمراقبة في مكتبه ومنزله وسيارته وحتى في ثيابه الشخصية لو اقتضى الأمر👇
209/وانفّض الاجتماع وعدت لمكتبي ومعي صورة أسرة ذلك الجاسوس ووضعتها أمامي ورحت أتطلع إليها..
خطأ !!!
نطق عريض المنكبين الكلمة في مرح عجيب وهو يدخل لمكتبي وابتسامته العريضة تملأ وجهه كالمعتاد ولوح بسبابته أمام وجهه وهو يجلس على المقعد المقابل لمكتبي : لا تسمح لهذا بالحدوث أبداً👇
210/تنهدتُ قائلاً: من الواضح أن المعلومات تبلغك بسرعة
هزّ كتفيه وقال بنفس الابتسامة المرحة: أمر طبيعى فأنا المُشرف رسمياً على قضيتك الأولى
تراجعت هاتفاً في دهشة كبيرة حمِلَت على الرغم مني لمحة من الاستنكار: مشرف رسمي؟! 👇
211/انطلقَت من صدره ضحكة مرحة صافية قبل أن يقول: إطمئن ... هذا لا يعني تدخلي في عملك أو انتزاع قيادتك التامة لقضيتك الأولى ...إنني أتابع ما تقوم به فقط حتى يتم تقييمك للعمليات القادمة
فانعقد حاجباى وأنا أقول: هو أخبرك ... أليس كذلك؟!👇
212/أدرك عريض المنكبين على الفور أنني أشير إلى الرصين فابتسَم وهو يقول: مُطلَقاً ... إنه يعمل ضمن فريقك الآن ولن يُبلغ أي مخلوق آخر بما يدور داخل حجرة اجتماعاتكم أبداً
ثم مال تجاهي وغمز بعينه مُتابعاً: هذا يُخالف قواعد العمل السرى تماماً 👇
213/ازداد انعقاد حاجبىّ وأنا أسأله في شئ من العصبية: كيف عرفت إذاً؟!
ضحك مرة أخرى وهو يشير للصورة، قائلاً: هذه الصورة ضمن أوراق قضيتك ولو نظرت خلفها فستجد ختماً يشير إلى هذا ويخص المسئولين عن حفظ الملفات السرية وبمجرد دخولي لاحظْت هذا الختم فوراً ورأيت نظرة التأثر في عينيك👇
214/وعاد عريض المنكبين يغمز بعينه مُستطرداً والأمر بعد هذا لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء
حاولْت أن أبتسم وأنا أقول: بالضبط 🙂👇
215/ثم تطلّع إلى وجهي مباشرة وقال في جدية :من الأمور التي ينبغي أن تُدركها جيداً عندما تنزل إلى ميدان القتال أو إلى رُقعة شطرنج الجاسوسية كما نُسميها هنا أن خصمك مثلك ... بشر ... شخص يحيا مثل أى شخص آخر... شخص له مهنة وأُسرة وعلاقات واتصالات اجتماعية 👇
216/ ثم تابع قائلاً: الفارق الوحيد بينك وبينه هو أنه اختار طريق الخيانة وأنت اخترت طريق الشرَف ...ولأنه اختار طريقه بإرادته فهو يستحق كل ما يترتب على اختياره هذا وكل ما يؤدى إليه الطريق الذي يسير فيه طوال الوقت 👇
217/ثم مال نحوي مُتابعاً: وعندما تتخذ قرار بسجن الجاسوس أو القبض عليه أو حتى تصفيته لابد أن تؤمن تماماً بأنك تؤدى واجبك وتُحقق العدالة ...كذلك يُفكر القاضي على منصته وهو يُصدر حكم بالإعدام على قاتل أو آخر بالسجن المؤبد على تاجر مُخدِرات 👇
218/أو حتى ثالث بالسجن المؤقت على شاب وسيم أنيق اغتصب فتاة بريئة دون رحمة أو شفقة ...هكذا يُفكر الجندي في ساحة القتال عندما يُصوب سلاحه إلى صدر عدوه،ويُطلق عليه النار دون تردُد أو خوف ...كُلهم يدركون أن من أمامهم هو بشر مثلهم ولكنهم يثقون تماماً في أن ما يفعلونه هو العدل والحق👇
219/قُلت في خفوت:وماذا عن الرحمة؟!
كان شديد الجدية والصرامة وهو يجيب في سرعة: ((((لا رحمة مع العدو))))
ثم التقط نفَساً عميقاً ليتابع: فالرحمة ينبغي أن توجّه إلى الضحية، وليس إلى المجرم ...الرحمة لا ينبغي بذلها دون ترشيد وإلا لأدت إلى فوضى عارمة لا يُمكنك السيطرة عليها فيما بعد👇
220/أطلقتُ كل مشاعري وانفعالاتي في زفرة حارة قبل أن أقول: أنت على حق ..كل شيء ينبغي أن يتوازن حتى يستقيم الكون
فابتسم وهو يسألني: هل ستؤدى عملك كما ينبغي؟!
أجبته في حزم: بالتأكيد.
تابَع وهو ينهض: ودون أن تسمح لمشاعرك الشخصية بالتدخل؟!
فأجبته وأنا أنهض بدوري: أعدك بهذا 👇
221/صافحْته في حرارة وقال وابتسامته تتسع: كنتُ واثقاً من هذا...
ثم استدار ليُغادر مكتبي ثم توقّف فجأة وعاد يلتفت إليّ وهو يتساءل في اهتمام: أخبِرني ... ماذا ستفعل بذلك الجاسوس بعد أن تمتلك الدليل المادى وتُوقعه في قبضتك؟!👇
222/قُلت في حزم مُحاولاً اكتساب إعجابه: سأُقدمه للعدالة بالطبع لينال جزاءه الذي يستحقّه
فاستعاد ابتسامته وهو يسألني: وهل تعتقد أن هذا أفضل ما يُمكنك أن تفعله؟!
سألْته في حيرة: أليس كذلك؟!👇
223/عاد إلىّ عريض المنكبين ومال تجاهي وقال في حزم على الرغم من ابتسامته الكبيرة: ليس بالضرورة
وفي هذه المرة كانت دهشتي كبيرة وعارمة ...للغاية !!!!
✍️✍️✍️✍️👇
224/✅الإزدواج :
كل شيء سار وفقاً للخطة بمنتهى الدقة والإحكام لقد أحكمنا حصار الجاسوس بشكل لم يحدث من قبل ..
كل مكان تطأه قدماه كان ينقل إلينا أدق أدق أسراره طوال الوقت
منزله ..مكتبه ..سيارته ..وحتى ناديه الخاص 👇
225/كل شيء أصبح مُسجلاً بالصوت والصورة بشكل جعل حياته كلها بالنسبة لنا أشبه بكتاب كبير مفتوح ....وعلى الرغم من هذا كله لم يقع في يدنا دليل إدانته المنشود !! 👇
226/لقد تسلّل بعض عُملائنا إلى أماكنه وقاموا بتفتيشها بمنتهى الدقة وتحت إشراف #قسم_تنظيف_خاص
وقسم التنظيف هذا لمن لا يعرفه هو القسم المسئول عن فحص كل مكان تمتد إليه أصابعنا بالتفتيش والتنقيب قبل أن ندخل إليه أو حتى نمِسّه ..وبعد أن نُنهي عملنا بشأنه 👇
227/والعاملون في هذا القسم مُحترفون ومُتخصصون في كشف كل وسائل الخداع التي يمكن أن يستخدمها الجاسوس لحماية أسراره وأدواته وكشف أية محاولة للعبَث بها ..
ومهما بلغت براعة الجاسوس في هذا المضمار فهم يكشفون وسائله وينتبهون إليها ويجيدون التعامل معها ..بمنتهى السرعة
والدقة👇
228/وبعد الانتهاء من فحص كل ما نُريد ودس كل ما نرغب في أى مكان نشاء، تُصبح مهمتهم هى إخفاء ما فعلناه وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه وأيضاً بمنتهى السرعة والدقة 👇
229/وفي هذه العملية بالذات قام رجال قسم التنظيف بواجبهم خير قيام في منزل الجاسوس ومكتبه وفتحوا أمامنا الطريق لكشف كل ما يخفيه فيهما وكاد كل شيء ينتهي على خير ما يرام ..لولا ما حدث 👇
230/فبعد أن أنهينا عملنا وأتممنا مهمتنا وكنا نستعد للانصراف وعلى الرغم من حذر كل أفراد الفريق وعنايتهم الفائقة فقد أحدنا توازنه فجأة وكاد يسقط أرضاً فامتدت يده بحركة غريزية للتشبث بأي شيء و ...وارتطمت يده بإناء فخاري أنيق ..ووثب آخر بكل قوته محاولاً إنقاذ الإناء ..ولكن 👇
231/ولكن المسافة التى تفصِله عنه كانت كبيرة ..بل أكبر مما ينبغي وسقط إناء الزهور واصطدم بالأرض ..وتحطّم
وهنا أصبحنا أمام مشكلة عَويصة للغاية 👇
232/فعلى الرغم من كُل حذَرنا وكل ما فعله خُبراء التنظيف قبلنا وبعدنا.. ها نحن الآن نُغادر تاركين خلفنا دليلاً قوياً واضحاً على أننا كُنا هنا.... إناء زهور ثمين مُحطَّم 👇
233/وهبط علينا جميعاً وجوم مُحبط ونحن نُحدق في الإناء ونُحاول البحث عن كل الاحتمالات الممكنة و ...
(لا بأس .. انصرفوا أنتم واتركوا الأمر لنا)
قالها مسئول مجموعة التنظيف في حَزم وثقة جعلاني أسأله في حيرة قلِقة مُتوترة : وكيف سيمكنكم التعامل مع الأمر ؟!👇
234/أدهشَنى أنه ابتسم في هدوء شديد وهو يربّت على كتفي قائلاً : سنتعامَل مع الموقف ..إطمئن
ووفقاً لنُظم العمل كان من الخطأ أن أضيّع الوقت في مناقشة الموقف مع المسئول الرئيسي عنه ..وكان من الضروري أن أنصرف مع فريقي ..وهذا ما فعلته ...ولكن عقلي لم يهدأ أبداً 👇
235/فطوال ما تبقى من الليل لم يُغمض لي جفن لحظة واحدة وأنا أبحث عن حل لهذا المأزق وأدير الأمر في رأسي مرّات ومرّات ومرّات ..👇
236/وفي الصباح المُبكر تصورت أننى أول من وصل إلى مكتبه إلا أنني فوجئت بعريض المنكبين أمامي مع ابتسامته المرحة الكبيرة وهو يهتف بصوته الجهورى : عيناك المُنتفختان توحيان بأرق طويل .. أليس كذلك ؟! 👇
237/أجبته بالإيجاب واندفعت على الرغم مني أروي له الموقف كله وأشرح له مدى توتري وقلقي وحيرتي و ...👇
238/وفي رصانة شديدة قاطعني عريض المنكبين قائلاً : ما تفعله خطأ كبير يا صديقي.. إنهم مُحترفون مثلك .. أنت أديت واجبك وهُم سيؤدون واجبهم كما ينبغي ولو أنك قضيت ليلتك ساهراً متأرقاً مع كل مشكلة تخص خبير آخر فسينهار عقلك تماماً قبل أن تبلغ مهمتك الأولى مُنتصفها 👇
239/سألته في اهتمام شديد :هل تعتقد بالفعل أنهم سيُعالجون الموقف ؟!
هزّ كتفيه العريضين مُجيباً : ليس لدي ذرة واحدة من الشك
سألته في لهفة : وكيف سيفعلونها ؟!
أجاب في سرعة : سيجدون وسيلة ما
ثم أضاف في صرامة تُخالف طبيعته تماماً :إنهم مُحترفون 👇
240/وعلى الرغم من أن عبارته لم تضع جواب شافي لحيرتي إلا أن الحزم الذي نطقها به جعلني أهدأ تماماً وأشكره بشدة.. ثم أجري اتصال بالرصين لأضع معه اللمسات الأخيرة للعملية ..
وبابتسامته المرِحة التي صرت أعشقها نهض عريض المنكبين قائلا :عظيم .. ها أنت ذا تتحول إلى مُحترف حقيقي 👇
241/ولا يُمكنكم أن تتصوّروا كم أسعدَتني عبارته وأمتعَتني وبثّت في عروقي المزيد والمزيد من الثقة والقوة ..
وفي اجتماع المجموعة رُحنا نُناقش كيفية وموعد إلقاء القبض على الجاسوس والوسيلة التي سنتعامل بها معه بعد أن تكتمل الأدلة ويسقُط في قبضتنا و ...👇
242/وفي نهاية الاجتماع مِلت تجاه الرصين أسأله هامساً :هل تدري ما الذي فعلوه أمس بشأن إناء الزهور المُحطّم ؟!👇
243/مال الرصين تجاهي بدوره وهمس بكل رصانته المعهودة : لقد حطّموا نافذة المطبخ من الخارج وألقوا عبرها قِطاً ضالاً إلى داخل الشقة 👇
244/انتفض كياني كله بمنتهى الدهشة والانبهار!
يا له من حل بسيط ورائع !! قط ضال حطّم نافذة المطبخ وتسلّل من باقي قُضبانها إلى الداخل هو التفسير المنطقي المقبول والبعيد تماماً عن الشكوك لتحطم الإناء داخل المكان
عبقرية حقيقية واحتراف حقيقي..كان عريض المنكبين على حق..إنهم مُحترفون !👇
245/المهم خطتنا تواصلت لأسبوع آخر قبل أن تجتمع لدينا كل الأدلة التي نحتاجها لإنهاء العملية وإلقاء القبض على الجاسوس
..وفي اليوم الموعود حاصرنا منزله واتخذنا مواقعنا بمنتهى الدقة والحذر وانتظرنا حتى بدأت أجهزتنا في رصد حالة بث لاسلكي 👇
246/ثم انقضّضنا على المنزل وكان من المُستحيل أن يُنكر الجاسوس التُهمة ..لقد فوجئ بنا نُحيط به من كل جانب وهو يجلس أمام جهاز الاتصال اللاسلكي وفي يده كتاب الشفرة ..
وبسُرعة كنا نضع أيدينا أمامه على كل ما يُخفيه ..كل أدوات التجسس ..ومخابئ المعلومات ..كل شيء 👇
247/وانهار الجاسوس تماماً أمام أسرته وأعلّن رغبته في الاعتراف ..والتعاون ..
وهنا استعدْت حواري مع عريض المنكبين عندما سألني عن أفضل ما يُمكنني أن أفعله بعد أن يقع الجاسوس في قبضتي ..
(أن تنقِل ولاءه إليك) 👇
248/جوابه يومها أصابني بدهشة مستنكرة وجعلني أقول في شيء من الغضب والتوتر : أى ولاء هذا ؟! إنه مجرد جاسوس خائن لوطنه !
فأشار بسبابته في مرح وهو يقول : لكنه ما زال مُواطناً ودوافع تجنيده لم تكُن أبداً كراهية هذا الوطن 👇
249/لم أفهم يومها ما يعنيه فسألته في توتر: ما الذي تعنيه بالضبط ؟!
مال يومها تجاهي وهو يسألني في شيء من المرح : هل سمعت من قبل عن #الجاسوس_المزدوج ؟!
فأجبته في اهتمام : بالطبع .. إنه الجاسوس مزدوج الانتماء الذي يعمل لحساب جهتين في وقت واحد 👇
250/هزّ رأسه نفياً وهو يقول بنفس الابتسامة المرحة : خطأ يا صديقي .. لا يوجد في الوجود كله شخص يعاني من حالة ازدواج في الانتماء ..كل شخص ينتمي حتماً لجهة واحدة أو عقيدة واحدة أو وطن واحد 👇
251/أما #الجاسوس_المزدوج فهو شخص يعمل لحساب جهتين تتصوّر كل منهما أنه ينتمي إليها ولكن الواقع أنه ينتمي لجهة واحدة منها تُساعده وتُعاونه بكل رجالها وخُبرائها لخداع الجهة الثانية ودفعها إلى الاقتناع بولائه وإخلاصه لها 👇
252/كان التعريف منطقياً قوياً حتى إننى تراجعت في انبهار مُغمغماً : هذا صحيح
هزّ كتفيه العريضين قائلاً :ومنطقى أيضاً فلا يُمكنك أن تتصور لاعباً واحداً مهما بلغت مهارته ينزل إلى ملعب كرة القدم مثلاً ليُنافس فريقين قويين بكافة طاقميهما ثم ينجح في هزيمتهما معاً 👇
253/إبتسمت مُغمغمًا :بالتأكيد
وهنا اتسعت ابتسامته المرحة وهو يعتدل ليظهر أكثر قوة وأعلى قامة وهو يقول : اتخذ قرارك من هذا المنطلق إذاً .. إسأل نفسك ما الأكثر فائدة لوطنك؟؟ هذا هو المعيار الوحيد 👇
254/إستعدْتُ الحوار كله وأنا أواجه ذلك الجاسوس الذي كان يائساً مُنهاراً ثم شددْت قامتي وأنا أسأله في قوة : تُرى ألديك استعداد للتكفير عن جريمتك في حق وطنك ومُواطنيك ؟!
فهتف الجاسوس كالغريق الذي يتمسك بآخر قشة للنجاة : سأفعل كل ما تطلبونه مني👇
255/وانعقَد حاجباي في صرامة وأنا أتطلّع إلى عيني الجاسوس مُباشرةً وذهني يرسم ملامح الجولة التالية ..فمنذ هذه اللحظة بدأَت اللُعبة تتخذ أبعاداً جديدة ..وخطيرة ..
إلى أقصى حد مُمكن ✍️✍️✍️✍️👇
256/✅السقوط:
من المؤكد أن العمل في أى جهاز مخابرات لا يمكن أن يُصيب صاحبه بالملل أبداً فكل يوم لابد وأن يحمل لك خبرة جديدة أو مفاجأة مثيرة أو درساً يفيدك كثيراً أن تتعلّمه👇
257/وعندما أوقعْنا بذلك الجاسوس وأحكمنا قبضتنا حوله كنت أبدأ مرحلة جديدة من عملي تختلف تماماً عن كل المراحل السابقة ...مرحلة التعامل المباشر مع جاسوس مزدوج 👇
258/في البداية قُمنا بنقله إلى مكان خاص مؤمَّن خارج المبنى الرئيسي لنا وهناك ووفقاً لما تعلّمته على يد عريض المنكبين والرصين طلبْت منه أن يكتب اعترافاً كاملاً بما حدث 👇
259/ولقد أطاع الجاسوس أوامري دون مناقشة وكتب الاعتراف بأصابع مُرتجفة وهو يتوقف في كل لحظة ليسألنا إذا كان من الضروري أن يضيف التفاصيل الصغيرة والدقيقة وكنا نؤكد له في كل مرة وبصبر وهدوء شديدين حتمية أن يفعل هذا👇
260/وخلال ساعة كاملة تقريباً كتَب الجاسوس اعترافه التفصيلي في (8) صفحات كبيرة ..
وعندما قدم إلىّ اعترافه سألني بلهجة أقرب إلى الضراعة عما إذا كُنت صادقاً في العرض الذي قدمته له فأكّدْت له هذا👇
261/ثم راجعْت اعترافه وادعيّت أن خطه غير مقروء بسبب اضطرابه وتوتره وطلبت منه أن يعيد كتابته بنفس التفاصيل مرة ثانية ..
كان الغرض من هذا كما درست جيداً هو أن يضيف الجاسوس أية تفاصيل جديدة ربما تكون قد أفلتت من ذهنه وهو يدوّن اعترافه الأول الذي وضعه تحت تأثير انفعالاته الجارفة👇
262/ولقد استغرقت كتابة الاعتراف للمرة الثانية (44)دقيقة فقط وكان يحوي بالفعل بعض التفاصيل الصغيرة التي لم تظهر في المرة الأولى .. وهنا طلبت منه كتابة اعترافه للمرة الثالثة👇
263/وعلى الرغم من حيرته عاد الجاسوس يكتب الاعتراف ويضيف إليه معلومة صغيرة هنا أو موقف عابر هنا أو عبارة لم يتذكرها في المرة الأولى أو الثانية 👇
264/وهكذا ..وبعد انتهائه من كتابة اعترافه التفصيلي للمرة الثالثة في(33) دقيقة تناولْته منه وناولته لأحد أفراد الفريق الذي أسرع به إلى قسم خاص يتولى مراجعة التفاصيل وتحديد مدى صدقها ومدى تورط الرجل في العمل لحساب جهاز المخابرات المُعادي👇
265/أما أنا فقد بدأْت مع وكيل النيابة عملية الاستجواب..وأمام عدسات الفيديو راح الجاسوس يُدلي شفاهة باعتراف تفصيلي جديد به كل شئ بلا استثناء .. تحدّث عن أسلوب الإيقاع به هناك في الدولة التي يعمل لحسابها ودفعه قهراً إلى العمل ضد دولته الأُم 👇
266/والواقع أن الأسلوب الذي اتبعوه كان يستحق التقييم والدراسة بالفعل ولقد ساعدَتهم كثيراً نُظمهم المُغلقة وقوانينهم الصارمة الجافة👇
267/ولقد بدأ الأمر منذ ما يزيد قليلاً على الأعوام العشرين ..وقت أن كان الرجل مُعيد صغير في واحدة من الكليات العملية ما زال متفتحاً للحياة ويحلم بالحصول على شهادة الدكتوراه التي ستؤهله للتفوق في عمله والصعود إلى أعلى المراتب 👇
268/ولأنه أحد القليلين في تخصُصه فقد حصل على منحة خاصة للحصول على رسالة الدكتوراه من إحدى الدول الباردة ذات المكانة المتميزة على الخريطة العالمية 👇
269/وسافر المُعيد الشاب إلى تلك الدولة وكله شغف إلى بدء دراسته مستعيناً بإمكانياتها المتقدمة ومعاملها الضخمة الشهيرة ..ولأنه ينتمي إلى بعثة رسمية تتبع الدولة كانت مخصصاته المالية محدودة تكفي بالكاد لحياة هادئة بسيطة وفقاً لأسعار الصرف الرسمية هناك👇
270/ثم ظهر فجأة ذلك الشخص الذي يتواجد حتماً في كل عملية من عمليات الجاسوسية والمخابرات ..الشخص الأنيق الوسيم الظريف الودود الذي يجيد عقد الصداقات والارتباطات والذي يظهر دوماً فور الحاجة إليه كما لو أنه جنّى مصباح علاء الدين الأسطوري الشهير👇
271/وعندما ظهر ذلك الشخص ارتبط ظهوره لدى المُعيد الشاب بانتعاش مالي مُباغت إذ أقنعه باستبدال ما يتم إرساله إليه عبر الوسائل الرسمية في الوقت الذي يبلغ فيه سعر السوق (3) أضعاف هذا الرقم على الأقل👇
272/وعندما أبدى المُعيد الشاب تخوّفه من عنف العقوبة المفروضة على كل من يتجاوز النُظم الاقتصادية الرسمية لجأ ذلك الشخص إلى طمئنته وأكّد له أنه سيتولى الأمر بنفسه وسيُجنبه كل المخاطر الممكنة👇
273/وبمنتهى القلق والتوتر جازف المعيد الشاب بإعطاء ذلك الشخص نصف ما وصله من دولته وراح يرتجف في منزله مُتسائلاً عما يمكن أن يحدث لو سقط ذلك الشخص في قبضة الشرطة وهل سيشي به أم لا وحاول أن يُهدئ نفسه بأنه لا يوجد أي دليل على أنها نقوده وأنه يستطيع الإنكار بكل إصرار و ....👇
274/ولكن ذلك الشخص عاد بسرعة وهو يحمل النقود المحلية(3) أضعاف التحويلات الرسمية بالفعل👇
275/وكان من الطبيعي أن يسعَد المُعيد الشاب جداً بعد أن تضاعّف دخله الشهري (3) مرات دُفعة واحدة مما ساعده على أن يحيا برفاهية أكثر وأن يشتري العديد من البضائع الرخيصة المدعومة التي ستوفر له الكثير عندما تحين لحظة الارتباط والزواج 👇
276/واستمر الموقف وتكرّر في كل شهر ..
واعتاد الشاب هذه الحياة المُترفة ..ثم فجأة اختفى ذلك الشخص !
اختفى تماماً مع بداية الشهر الجديد ولم يستطع الشاب العُثور عليه أبداً.. ومضَت بضعة أيام من الشهر والشاب يواصل البحث عن ذلك الشخص وتوتره يتضاعف ..ويتضاعف ..ويتضاعف ..👇
277/وعندما بلغ توتره مبلَغه ولم يعد أمامه سوى الاستسلام وتغيير ما لديه بالأسعار الرسمية تلقّى اتصال مفاجئ من ذلك الشخص ..
وبكل لهفة الدنيا سأله عن غيابه وسر اختفائه وأُحبط تماماً بعد أن أبلغه الشخص أنه في بلدة بعيدة في عمل مهم جداً وأنه لن يستطيع العودة قبل منتصف الشهر التالي👇
278/ثم طلب منه ذلك الشخص أن يقوم بعملية الاستبدال بنفسه وطمأنه بأن هذا سيتم عند ناصية بنايته وفي دقيقة واحدة ودون أن يشعر أحد فكل ما عليه هو أن يذهب للناصية في السادسة مساء ً وسيجد الرجل بانتظاره ليُسلمه حقيبة النقود المحلية ويتسلم منه نقود البعثة ثم ينصرف كلاهما لحال سبيله👇
279/وعلى الرغم من قلق الشاب وتحفظه إلا أنه قرر المجازفة بإتمام التبادل شخصياً حتى لا يخسر الفارق الكبير لسعر الصرف👇
280/وفي السادسة مساءً بالضبط هبط المُعيد الشاب إلى ناصية بنايته وكان ذلك الرجل في انتظاره وهو يحمل حقيبة النقد المحلي..كل شئ سار تماماً كما أخبره به ذلك الشخص ...لولا فارق واحد 👇
281/لقد ألقت الشرطة القبض عليهما معاً مُتلبسين بمخالفة القوانين الاقتصادية الصارمة ! ..وانهار المُعيد الشاب ..انهار تماماً 👇
282/وبمنتهى القسوة والخشونة عامله رجال الشرطة المحليين وهم يستجوبونه طوال يومين كاملين بشكل مُتصل دون أن يسمحوا له بإغماض عينيه لحظة واحدة وهم يواصلون الصراخ في وجهه دون انقطاع بمنتهى الوحشية والشراسة👇
283/وبعد أن نفدت طاقته تماماً تم إلقاؤه مع (10) آخرين في زنزانة ضيقة حقيرة لا تليق بحيوان أجرّب 👇
284/وطلبوا من الجميع التطلع إلى نافذة بابها طوال الوقت مع تحذير قاسي بأن من يحول عينيه عن تلك النافذة الصغيرة ولو لحظة واحدة في الليل أو النهار سينقّض عليه الحراس وينتزعونه من مكانه وينهالون عليه ضرباً حتى يفقد الوعى 👇
285/وخلال ساعته الأولى في تلك الزنزانة الرهيبة أثبت الرجال أنهم لم يبالغوا لحظة فيما قالوه بعد أن انتزعوا رجلين بالفعل وأوسعوهما ضرباً حتى تحطم صدر أحدهما ونزف الآخر من كل فتحات جسده في غزارة👇
286/وبعد يومين آخرين في تلك الظروف الرهيبة كان الشاب مُستعداً للتعاون مع الشيطان نفسه لو أنه عرض عليه إخراجه من هذا الجحيم 👇
287/لذا كان من السهل جداً أن يقبل عرض جهاز المخابرات في الدولة نفسهاةخاصةً وأنهم أكّدوا له أنهم لا يبتغون أية معلومات عن وطنه الأم ..بل عن الأجانب المُقيمين فيه فقط ..وبمجرد موافقته سلّمه رجال المخابرات هناك رزمة من النقد المحلي ثم طلبوا منه توقيع إيصال بالاستلام👇
288/ودون أن يُفكر لحظة واحدة وقّع المعيد الشاب الإيصال الذي يُثبت أنه قد تقاضى ذلك المبلغ من مُخابرات دولة أجنبية ....وهكذا سقط في قبضتهم تماماً...
وفي عالم المخابرات يُقال : إنه قد أصبح مِلكاً لهم 👇
289/وعندما عاد لموطنه بعد نهاية بعثته كان يرتجف ذُعراً خشية أن ينكشف أمره ويضيع مُستقبله كله ..ولكن لم يستوقّفه أحد أو حتى ينتبه إليه ..بل ولم يطالبه جهاز المخابرات الأجنبية بأية معلومات عن أية جهة وحتى عن الأجانب المُقيمين ومرّت سنوات وسنوات...وسنوات👇
290/ومع مرورها نسى المُعيد الشاب الأمر تماماً أو أنه قد ألقاه في جزء مهمل من ذاكرته وراح يمارس حياته الطبيعية ويترقّى في مجال عمله حتى بلغت شهرته حداً كبيراً أقنع المسئولين بتعيينه في منصب كبير وحسّاس و ....👇
291/وهنا فقط ظهر جهاز المُخابرات الأجنبي ..
ظهر حاملاً عشرات الصور والتسجيلات وبالطبع الإيصال الذي يُثبت تورطه في العمل معهم ..
وهنا فقط ظهرت مطالبهم وحاجتهم إلى المعلومات عن الأجانب المقيمين ...وعن أبناء وطنه أيضاً👇
292/ولأن سقوطه من هذا الموقع الحسّاس سيكون مدوياً لم يجد أمامه سوى الاستسلام ..
والخيانة ...ولكن حتى هذا لم يمنعه من #السقوط ..وبمنتهى العنف و ....👇
293/(المستوى الثالث)!!
نطقها أحد أفراد الفريق وهو يناولني تقرير القسم الخاص عن الاعتراف التفصيلي للجاسوس فالتقطْته من يده وطالعته بمنتهى الاهتمام قبل أن أرفع عينىّ إلى ذلك الجاسوس قائلاً له في صرامة : لماذا لم تذكر في اعترافك أنهم قد استدعوك لدورتين تدريبيتين خارج الوطن؟!😡👇
294/اتسعّت عينا الجاسوس وسقط فكه السُفلي في ذهول تام ...لأن ما أخفاه عنا وما أخبرْته به كان حقيقياً...حقيقياً تماماً ✍✍✍✍👇
295/✅مستويات اللُعبة:
على الرغم من أنني قد درست مئات الحالات قبل أن أبدأ عملي فعلياً وشاهدت عشرات الأفلام لحالات استجواب جواسيس بعد سقوطهم في قبضة أجهزة المخابرات إلا أنها كانت أول مرة أشاهد فيها صدمة الجاسوس بشكل مُباشر 👇
296/فهناك في حُجرة الاستجواب وعندما واجهت الجاسوس بأنه قد أخفى معلومات حيوية عنا في اعترافاته التفصيلية أصابه ذهول شديد حتى كدت أشعر نحوه بالشفَقة !👇
297/لقد اتسعَت عيناه عن آخرهما وجَحظتا حتى كادتا تقفزان من مجريهما وارتجفت أطرافه بشدة وارتطمت أسنانه وملأ العرق البارد وجهه وظهر صوته أشد شحوباً من قسماته وهو يقول :إنني لم أتعمّد هذا 👇
298/ألقيتُ تقرير اللجنة إليه وأنا أقول في صرامة : ماذا تسمي ما فعلته إذاً ؟!
ظهرت الحيرة واضحة في ملامحه وهو يبحث باستماتة عن جواب قبل أن يندفع قائلاً في مرارة : لقد نسيت👇
299/كانت حجّة سخيفة تافهة زادت من احتقاري للجاسوس وغضبي منه وأنا أقول في صرامة أشّد : نسيت ماذا ؟! نسيت دورتين تدريبيتين كاملتين ؟! قُل لي يا رجل : أين قاموا بتدريبك على وسائل التجسس المتطورة ؟! في أية دولة ؟!
..كان مُنهاراً وهو يُغمغم : وهل سيصنع هذا فارقاً ؟!👇
300/أجبتُه بنفس الصرامة القاسية : كل معلومة يمكن أن تصنع فارقاً مهما بلغت ضآلتها أو دقتها .. لقد أخبرْتك بهذا منذ البداية
..ثم مِلت تجاهه مُستطرداً : ومن المؤكد أنهم أخبروك به أيضاً 👇
301/عادت أطرافه ترتجف وخفض عينيه في انهيار تام وكان صوت نحيبه واضحاً فلم ينبس أى منّا ببنت شفة كما تقتضي القواعد واكتفينا بالتطلع إليه صامتين حتى غمغّم في انهيار : هل يمكنني أن أكتب اعترافي مرة أخرى ؟!
فأجبته بمنتهى الصرامة وأنا أدفع الأوراق والقلم إليه : بالتأكيد 👇
302/واستغرقَت كتابة اعترافه التفصيلي للمرة الرابعة أكثر من ساعة هذه المرة ولكنه أضاف إليه كل التفاصيل التي أغفلها عامداً قبل ذلك👇
303/إعترافات أضاف إليها مرحلة تعاونه مع جهاز المخابرات الأجنبي ونشاطه السري بعد أن تولى منصبه والمعلومات التي منحها لهم والتي طالبوه بعدها بالسفر إليهم في واحدة من دول أوروبا حيث قاموا بتطوير أداءه عن طريق برنامج تدريبي عاد بعده إلى وطنه الأم وهو أكثر كفاءة في مِضمار التجسس👇
304/ولعام كامل تقريباً واصل مشوار الخيانة ومنحهم المزيد والمزيد من المعلومات مما جعلهم يقررون تطوير أداءه مرة أخرى فاستدعوه ليتلقى الدورة التدريبية التي أهلته للوصول للمستوى الثالث.. وفي عالم الجاسوسية لا يُمكن للجاسوس أن يترقّى من مستوى لآخر إلا لو أثبت نجاحه في المستوى السابق👇
305/وأجهزة المخابرات لا تمنح أسرارها لأحد عبَثاً فإذا ما تعاملت معه باعتباره جاسوس بسيط فهي تضعه في المستوى الأول وتمنحه من التدريبات والمعلومات ما يكفيه للقيام بدوره على هذا المستوى فقط 👇
306/وعندما يجتهد الجاسوس في خيانته ويمنح سادته الكثير من المعلومات المفيدة يتم نقله إلى المستوى الثاني حيث يتلّقى تدريبات أكثر ويتعرف وسائل أحدث ويمتلك القدرة على نقل المعلومات بالصوت والصورة أيضاً ومع إثباته فائدته يتم نقله إلى المستوى الثالث ...وهكذا 👇
307/ومن النادر أن تجد جاسوس أو عميل على دراية كافية بلعبة المستويات أو بمستويات اللعبة هذه فكل ما يُدركه هو أنه يتم تدريبه كل فترة زمنية للقيام بأعمال أكثر ...وعندما يُدلي الجاسوس باعترافه يُحاول دوماً إنكار تورطه حتى آخر رمَق ويسعى لتجنب كل ما يُثبت رضاه وتورطه أو تطوّره 👇
308/لذا فهناك خُبراء لمراجعة هذا الاعتراف..
خبراء يدرسون كل سطر وكل جملة وكل كلمة ..بل وكل حرف ..وبحِرَفية مُدهشة ودراسات عِلمية دقيقة يمكنهم استخلاص المستوى التدريبي الذي بلغه الجاسوس من خلال اعترافه ومن خلال ما تم العثور عليه معه أو في منزله لحظة إلقاء القبض عليه 👇
309/وعبر هذا وذاك تمكّن الخُبراء من الجزم بأن جاسوسنا هذا قد بلَغ المستوى الثالث من التدريبات وهذا يعني أنه قد تلقّى دورتين تدريبيتين على الأقل وهذا يعني بالتبعية أنه قد منَح الخصم الكثير ..والكثير جداً 👇
310/وبعد تكرار اعترافه التفصيلي للمرة الخامسة إنهار الجاسوس تماماً وراح يبكي في مرارة👇
311/ في حين رُحت أنا أتطلّع إلى الجاسوس في صمت وعقلي يسترجّع كلمات عريض المنكبين في اجتماعنا الأخير : ( في لحظة ما سيكون عليك تقييم الأمر كله بشكل شخصي وبغض النظر عن درجة تورط الشخص فمهمتك هى أن تتخذ القرار ..إما أن تتركه ليلقى مصيره المحتوم أو تُجازف بمحاولة تجنيده لحسابك)👇
312/من الناحية المنطقية كان التخلي عنه أقل مُجازفة فإعلان خيانته سيُعد انتصار لجهاز مخابراتنا وطعنة في سويداء قلب جهاز مُخابرات العدو ولن تكون هناك مخاطر أو عقبات أو احتمالات فشل 👇
313/أما السعي لتجنيده كعميل مزدوج فكان يضع كل الاحتمالات على كفتين متوازنتين ..النجاح والفشل .. الأمان والخطر .. المكسب والخسارة ..
ولم يكن اتخاذ القرار سهلاً أو بسيطاً وكان علىّ أن أدرس الموقف جيداً وأراجع كل نقطة منه في ذِهني👇
314/ولسبب ما.. شعر الرصين بما يدور في أعمق أعماقي فتسلل إلى جواري وهمس في أذني : ماذا سنفعل به ؟!
أحنقني أن يُلقي سؤاله هذا في اللحظة التي بلغت فيها حيرتي ذروتها فهمست بدوري في حدة : ماذا ستفعل أنت لو كنت في موضعي ؟!👇👇
315/هزّ الرصين كتفيه وهو يجيب برصانته المعهودة : هذا يتوقف على عامل مهم جداً
همست في شئ من العصبية : أتعني انتماءه وولاءه ؟!..
كُنت أتوقع جواب إيجابي حاسم.. إلا أنني فوجئت به يهز رأسه نفياً وهو يهمس بتلك الرصانة التي أصبحت تُثير حنقي : كلا 👇
316/إلتفتُ إليه بدهشة مستنكرة فمال نحوي مرة أخرى هامسًا : بل على الفائدة المرجوة من تجنيده لحسابنا ..
كان جوابه منطقياً كالمُعتاد على الرغم من مُخالفته لكل ما دار في ذهني طوال الوقت مما ضاعف من حنقي وأنا أتمتم : بالتأكيد 👇
317/رُحت أعيد دراسة الموقف في ذهني على ضوء المعطيات الجديدة التي أنارها الرصين في عقلي في حين مسح الجاسوس دموعه وغمغّم في مرارة فائقة : لم يكن أمامي خيار آخر 👇
318/شتّتت عبارته تفكيري وجعلتني أقول في صرامة :كل إنسان يملك الخيار التام في كل قرار يتخذه بإرادته 👇
319/قال في مزيج من المرارة والعصبية :وماذا كنت ستفعل لو أنك في موضعي ؟! ماذا كان ينبغي أن أفعل ؟!
أجبْته في صرامة أكثر : ما ينبغي أن يفعله أى مواطن شريف .. تأتي إلى مبنى المخابرات الذي يعرفه الجميع وتقُص علينا كل ما حدث👇
320/قال في عصبية أكثر : وهل كُنتم ستصدقونني وقتها ؟!
مِلت تجاهه قائلاً : كُنا سنعلم أنك صادق كما علمنا الآن أنك كاذب..
فاتسعَت عيناه عن آخرهما وكأنما صدمَتْه هذه الحقيقة البسيطة وظلّ يُحدق فيّ بضع لحظات قبل أن يعاود الانهيار مُغمغماً : إذاً فقد خسِرْتُ كل شيء👇
321/لم أحاول حتى إجابة عبارته أو التعليق عليها بحرف واحد قبل أن أتخذ قراري بشأنه في حين غمغّم الرصين برصانته المُستفزة : لقد وصلت إلى المستوى الأخير
فهتَف الجاسوس بكل ذُعر الدنيا : حقًا ؟!
ثم انهار تماماً👇
322/إنهار الجاسوس وراح يبكي وينتحب ويضرب المائدة بقبضتيه في مرارة وقد أيقّن من أنه قد خسر اللعبة وفقد أسرته وعمله ومستقبله وكل ما تصوّر أنه يستطيع بناءه عبر خيانة وطنه وشعبه👇
323/وهنا وبينما أتطلّع إلى حالة انهياره التام هذه قفز القرار إلى ذهني فجأة..قرار يختلف عن كل ما يمكن أن يتوقعه أو يفترضه الرصين..قرار يختلف تمام الاختلاف بشكل أدهشني أنا شخصياً...وبشدة ✍✍✍✍👇
324/✅الجانب الآخر :
لدقيقة كاملة تقريباً حدّق عريض المنكبين في وجهي دون أن ينبس ببنت شفة ونحن نجلس في مكتبه ثم اعتدل ومال تجاهي قائلاً : هل لك أن تُكرّر ما قُلته مرة أخرى ؟! 👇
325/إلتقطْتُ نفسَاً عميقاً في محاولة للسيطرة على تلك الرهبة التي تنتابني دوماً كلما جلست أمام عريض المنكبين وقُلت مُكّرراً : أريد رفع قيمة ذلك الجاسوس لدى الدولة الأجنبية التي يعمل لحسابها
فتساءل في اقتضاب : ثم ؟!
أجبْته في سرعة : ثم أوقِع عن طريقه أي جواسيس آخرين 👇
326/مرة أخرى تطلّع إلىّ في صمت ثم تراجع في مقعده قائلاً :
هل يُمكنك أن تشرح لي الأمر أكثر 👇
327/لستُ أدري لماذا انتابتني سعادة جمّة عندما سألني تفسيراً أكثر استفاضة حتى إنني شعرت بحماس عجيب وأنا أجيبه :من مُطالعتي لبعض ملفاتنا علمت أنه لدينا #عميل_خامل في نفس الدولة التي جندّت الجاسوس 👇
328/وهناك شكوك قوية بأن ذلك العميل قد انقلب علينا وقرر التوقف عن العمل لحسابنا بعد أن حصل على مكافأة سخية .. وما أفكر فيه الآن هو أن أستخدم هذا الجاسوس لحرق العميل الخامل 👇
329/ارتفع حاجباه في إعجاب واضح أثلّج صدري كثيراً وهو يقول : إذاً فستُدرب الجاسوس الذي ألقينا القبض عليه على ادّعاء الحصول على معلومات مهمة تُشير إلى أن ذلك العميل الخامل يعمل لحسابنا 👇
330/وتابع عريض المنكبين : وعندما يتحققون في تلك الدولة عن الأمر سيكتشفون أن المعلومة صحيحة وستزداد لديهم قيمة جاسوسهم هذا ويرفعونه إلى مستوى متقدم 😎👇
331/تراجعْت في مقعدي وحاولْت السيطرة على حالة الزهو التي انتابتني وأنا أقول : ما آمله هو أن يبلُغ المستوى الأخير
فانعقد حاجباه في تساؤل فأضَفت في حماس : مستوى الجاسوس المُقيم 👇
332/ارتفع حاجباه لحظة ثم عادا ينخفضان وهو يقول : والجاسوس المُقيم هو أعلى رتب الجواسيس
فهتفتُ في حماس : ليس هذا فقط ولكنه المسئول عن كل الجواسيس والعملاء في منطقته أيضاً ومحور الارتكاز الرئيسي لكل شبكات التجسس من حوله👇
333/ثم مِلت تجاهه وتضاعّف حماسي وأنا أُُضيف : لو عملنا على أن ترتفع رتبة الجاسوس إذاً وأحكمنا السيطرة عليه وتطويعه للعمل لحسابنا فسيُمكننا عن طريقه خلال عام أو عامين أن نكشف مجموعة كبيرة من الجواسيس المُماثلين في نطاقنا 👇
334/حكّ عريض المنكبين ذقنه بضع لحظات قبل أن يشير بيده قائلاً : الجاسوس بطبعه شخص خائن لا يمكن ضمان ولائه وتطويعه لمهمة كهذه لن يكون بالأمر السهل
فهززت كتفي قائلاً : ومن قال إن عملنا يهدف للسهل ؟!
اتسعّت ابتسامته وكانت لي أشبه بوسام نصر وهو يقول :على برَكة الله إذاً 😎👇
335/ولأن القرارات الخطيرة كهذه لا يمكن أن تُتخذ بصورة فردية في أي جهاز مخابرات في العالم فقد طلبت عقد اجتماع مع مجموعة من الخبراء من بينهم عريض المنكبين والرصين أيضاً حيث طرحْت فكرتي ورُحت أناقشها معهم لأربع ساعات كاملة ثم نالت موافقتهم مع بعض التحفُظات والتوجيهات البسيطة 👇
336/وكان علىّ أن أبدأ مرحلة التنفيذ ..ووفقًا لنظام العمل الدقيق كنا قد قمنا بتغطية غياب الجاسوس عن عمله تحسُباً لما يُمكن أن يُسفر عنه الأمر لذا فقد اجتمعْت معه على الفور ولم يكُن قد فارق بعد حالة الانهيار التي أصابته منذ إلقاء القبض عليه 👇
337/ولقد تعمّدْت أن أترك الجاسوس أمامي في حالته هذه لبعض الوقت قبل أن أسأله في شيء من الصرامة : هل تشعر بالندم ؟!
فأومأ برأسه في مرارة وهو يُجيب : وبالضياع أيضاً👇
338/تراجعتُ في مقعدي وعقدتُ أصابع كفي أمام وجهي قائلاً :
وماذا لو أن لديك فرصة للتكفير عما فعلت ؟!
فانسدلت الدموع من عينيه وهو يُغمغم : بالسجن ؟!
مِلت نحوه قائلاً في حزم : بل بالتعاون 😎👇
339/كان قولي هذا أشبه بطوق نجاة تلقّاه الجاسوس وسط بحر ثائر مُتلاطم الأمواج لذا فلم يكد يسمعه حتى هتف بكل لهفة الدنيا :
أنا مستعد لفعل كل ما تُريدون 👇
340/وبالنسبة لنا لم يكُن قوله هذا كافياً لتأكيد استعداده الفعلي للتعاون.. لذا كان علىّ إخضاعه لسلسلة طويلة من العمليات والتدريبات والاختبارات أيضاً للتأكد من استعداده وولائه وقدرته على لعب الدور الصعب الذي سيُسند إليه👇
341/كان عليه أولاً أن يبقى على اتصالاته مع جهاز مخابرات الخصم بشكل لا يمنحهم أدنى شك في أمره وفي استمرار تعاونه معهم وفي الوقت ذاته كان عليه الخضوع لعدة جلسات نفسية خاصة تستهدف في مرحلتها الأولى تحييده وفي الثانية جذبه وفي الثالثة تأكيد استعداده 👇
342/والواقع أن الرجل قد أبدى تعاون تام باعتبارها أفضل فرصة يمكن أن يحصل عليها في موقفه هذا وكان يكفيه أن يعود إلى منزله ويقضي ليلته بين أسرته ثم يعود في الصباح ليتلقّى تدريباته فالشعور بالتعلُق بمركب مٌُفاجىء قبل الغرق شعور بالدنيا وما فيها وحتماً لن يتكرّر👇
343/ولقد أفادتنا كثيراً التدريبات التي تلقّاها في جهاز المخابرات المضاد،والتي أهلّته للعب دوره ثم استغللناها نحن لنوجه به ضربتنا إليهم..ولكن تحويل ولاء الجاسوس ليس بالأمر السهل أو الهيّن أو حتى المضمون لذا فهو يستغرق فترة طويلة للغاية ويحتاج إلى رجل مخابرات مُتفرغ طوال المرحلة 👇
344/ولقد احتاج منا هذا إلى(6) أشهر كاملة بلغ الإرهاق خلالها مبلغه حتى إنني فوجئت ذات يوم بالرصين إلى جواري يقول في إشفاق امتزَج برصانته المعهودة : أظنك تحتاج للراحة 👇
345/انتبهت في تلك اللحظة فقط، إلى أنني قد غفوت على مقعدي فانتبهت متوتراً وأنا أقول : لا بأس .. إنها غفوة بسيطة.
فتمتّم في رصانة :الغفوة قد تعني الكثير في هذا العالم 👇
346/شعرتُ بالحرَج لقوله واعتدلت على مقعدي وأنا أسأله في شيء من الصرامة أردت أن أخفي بها حرَجي : هل وصلَت آخر تقارير المتابعة ؟!
فأومأ برأسه إيجابًا برصانته التي تستفزّني أحياناً ووضع أمامي ملف كبير وهو يقول : الخبراء يقولون إنه صار مؤهَلاً 👇
347/إلتقطتُ نفسَاً عميقاً في ارتياح وأنا أقول : عظيم .. يمكننا أن نبدأ مرحلة التنفيذ إذاً...
ومرحلة التنفيذ هذه ليست خطوة واحدة كما قد يبدو من نُطقها وإنما هي عدة مراحل مدروسة بمنتهى الدقة بحيث تنجح في خداع #الجانب_الآخر وتجعله يرى تطور الموقف منطقياً تماماً 👇
348/في البداية تمّت ترقية الرجل ونقله إلى منصب يُتيح له الإطلاع على مزيد من المعلومات والأسرار باعتبار أن هذا سيُحقق هدف مزدوج حيث إنه سيُقنع الجانب الآخر أنه ما زال فوق مستوى الشبهات كما سيُبرر في الوقت نفسه تصاعد أهمية ما يرسله لهم ..ثم بدأَت مرحلة تطوير المعلومات تدريجياً 👇
349/وكان من الواضح أن تلك المرحلة قد جذبَت انتباه الخصوم بشدة إذ راحوا يُطالبون الرجل بالمزيد من المعلومات في نهَم شديد إلا أننا حرصنا طوال الوقت على أن نمنحهم قَدر محسوب منها لا يُشبع نهمهم ولا يوقف لهفتهم في الوقت نفسه👇
350/وعندما حانت اللحظة المُناسبة بدأنا في إرسال المعلومات الخاصة بعميلنا الخامل إلى الجانب الآخر ...وكانت صدمة لهم ...صدمة قوية وبسُرعة تحرّكوا وحاصّروا العميل وأوقّعوا به..واحترق ذلك العميل ..احترق ليُضيء الطريق أمام رجُلنا الجديد😎👇
351/وعن طريق مصدر داخلي تلّقى الرجل مكافأة سخية عن تلك المعلومات الخطيرة جداً مما جعلنا نتأكد من وجود جواسيس آخرين داخل أرضنا لم نكتشف أمرهم بعد👇
352/ولكن وعلى الرغم من سعادتهم لم يكن رجال الجانب الآخر من البُسطاء أو السُذّج فقد تصرّفوا كما ينبغي أن يكون عليه المُحترفون ..واستدعوا جاسوسهم إلى إحدى الدول الأوربية
وكانت هذه أخطر مرحلة في العملية كلها ....أخطر مرحلة على الإطلاق✍️✍️✍️✍️👇
353/✅أخطر مرحلة :
طوال أكثر من (7) ساعات متصلة اجتمعْت بفريق العمل وعدد من خبراء المخابرات في بعض المجالات لمناقشة كيفية السيطرة على الأمور عندما نسمح للجاسوس بالخروج ولقاء الطرف الآخر خارج الحدود 👇
354/كان هناك احتمال أن ينكشف الرجل ويُدرك الآخرون أنه قد تحول إلى عميل مزدوج يعمل لحسابنا واحتمال آخر أن ينقلب علينا عندما يجد نفسه خارج الحدود ..ولأن الاحتمال الأول كان أكثر خطورة لذا بدأنا به مناقشاتنا ورُحنا ندرسه من كل الوجوه وبكل الصُور المُمكنة👇
355/ولأن عريض المنكبين أكثرنا خبرة وحنكة فقد اقتنعنا جميعاً بوجهة نظره عندما أكّد أنهم سيحاولون استجوابه بواسطة جهاز كشف الكذب حتماً لتأكيد استمرار ولائه👇
356/وفي حالات مُماثلة نقوم عادةً بتدريب العميل على التعامل مع جهاز كشف الكذب الذي لا يخرج عن كونه آلة قياس مُتعددة (Poly Gram) مُهمتها قياس معدلات النبض والتنفس وإفراز العرق لتحديد ما إذا كان الشخص يكذب أم لا؟ 👇
357/وكل أجهزة المخابرات تُدرب رجالها على التعامل مع تلك الأجهزة والسيطرة على أعصابهم لخداعها أو مراوغة الأسئلة بإجابات صحيحة ولكنها غير مباشرة ولكن في حالتنا هذه كان هذا مُستحيلاً تماماً 👇
358/فالاستدعاء جاء مُحدداً مهلة قصيرة جداً للقاء بالإضافة إلى أن طبيعة العميل نفسه كانت عصبية قابلة للانهيار مع الضغوط الشديدة التي سيُمارسونها عليه حتماً وكل هذا يعني أنه سيسقُط في قبضتهم دون أدنى شك 👇
359/ولكن رفْض ذهابه للقائهم كان يعني تأكيد شكوكهم وحذفه تماماً من منطقة ثقتهم وانعدام فائدته 100% ..لذا كان الأمر مُعقداً ..وكان الاجتماع طويلاً للغاية ..
ولكن مع نسمات الفجر الأولى كنا قد وضعنا الخطوط العريضة لخِطة مكونة من (3) خطوات 👇
360/وبعد جلسة طويلة مع الجاسوس سمحْنا له بالسفر ..
وفي تلك الدولة الأجنبية التقى به رجال مخابرات الخصم واستقبلوه بالتقدير والترحاب ثم اصطحبوه فوراً إلى طائرة أخرى حملتهم مباشرةً إلى دولتهم الأم 👇
361/وعندما استقبلوه في مكاتبهم الرئيسية قام العميل نفسه بتنفيذ الخطوة الأولى من الخطة عندما فاجأهم بكّم من المعلومات الحديثة التي بهرَتهم وجعلتهم مُثبّتين على مقاعدهم لمدة(15) دقيقة كاملة قبل أن يُخبروه بحماس أنه مال زال بالفعل أفضل رجالهم في المنطقة 👇
362/ولكن هذا لم يمنعهم من تحديد موعد معه في صباح اليوم التالي لاختبار كشف الكذب بعد أن أكّدوا له أنه لا أحد يُفلت منه أو ينجح في خداعه أبداً...
وفي المنزل الصغير الذي قضى فيه ليلة نفّذ العميل الخطوة الثانية وفقاً لتوجيهات الخُبراء الدقيقة👇
363/فوفقًا للمعلومات التي جمعناها من مصادر مُختلفة كُنا نعلم أنهم سيُجرون الاختبار في 7:30 صباحاً في مختبرهم الرئيسي أسفل مبنى مخابراتهم لذا ففي 6:00 صباحاً أخرّج هو من جيب خفي في حزامه عَقار خاص تناوله مع قليل من الماء لتهدئة أعصابه وإزالة كل توتراته الداخلية 👇
364/أما الخطوة الثالثة فكانت أعقّدها على الإطلاق حتى عند اقتراحها أثناء المناقشة مع الفريق كله .....لكنها كانت فعّالة للغاية 👇
365/فعندما هبط العميل من ذلك المنزل الصغير ليستقل سيارة رجال مُخابرات الخصم ظهر عند الناصية فجأة شاب طائش ينطلق بدراجته في تهور واضح وبتوقيت دقيق بارع انحرف الشاب فجأة ووثب بدراجته ثم ارتطم بالعميل وأوقعه أرضاً في عُنف قبل أن يرتبك ويعتذر له وللجميع في خفوت وذُعر 👇
366/ولأن الوقت لا يكفي للدخول في شجار جانبي فقد اكتفى الرجال بتعنيفه وزجره ثم اصطحبوا العميل معهم وتركوا الشاب خلفهم يبتسم ابتسامة خبيثة مُنتصرة وهو ينطلق بدراجته مُبتعداً 👇
367/أما العميل نفسه فقد أبدى تألُمه من عنف سقوطه وأظهر الكثير من التوتر لما حدث حتى بلغ المُختبر وجلس إلى جهاز كشف الكذب والكل يُدرك ما أصابه في الصباح ...وبدأ الاختبار😎👇
368/ومع العقار المُهدئ وتظاهُره بالتوتر والألم نتيجة إصابته جاءت النتائج كلها مُرتبكة نوعاً ما ولا يُمكن تحديد موقفها بدقة لذا فقد بدأت الرجال في تفسيرها وفقًا لمُعطيات الموقف👇
369/ومع المعلومات الثمينة التي أحضرها والإصابة التي أصابته أمام عيونهم بشكل ظهر عشوائياً تماماً كانوا أكثر ميلاً إلى النظرة التفاؤلية في تفسير الأمور مما أقنعهم بولائه😎👇
370/وعن طريق مصادرنا الأخرى علمنا أن الرجل قد اجتاز اختبار كشف الكذب بنجاح وأن خُطتنا الثلاثية قد نجحت تماماً وبمُنتهى الدقة ...ولا أحد في الدنيا كلها يمكنه أن يتصور مدى سعادتي وارتياحي بنجاح لُعبتي الكبرى الأولى في هذا العالم الغامض والخطير والدقيق ...عالم المخابرات👇
371/وربما كان أكثر ما أسعدني هو تلك الابتسامة التي ملأت وجه عريض المنكبين وهو يصافحني قائلاً :مبروك 😉👇
372/لحظتها رقصَ قلبي فرِحاً وحمِلَت ملامحي كل ما في نفسي وأنا أدخل مكتبي مع الرجل الرصين الذي كان هادئاً رصيناً كعادته وكأنما الأمر لا يعنيه فهتَفْت به في حماس : نجحنا .. انتصرنا في أول مواجهة كبرى 💪💪💪💪👇
373/كُنت أعلم أن الرصين رجل صعب الانفعال إلا أنني وعلى الرغم من هذا كُنت أتمنّى أن يمنحني ولو لمحة من الارتياح تُعبر عن النجاح إلا أنه وعلى الرغم من هذا التفت إلىّ بكل رصانته التي تستفز مشاعري دوماً وقال : ولكن العملية لم تنتهِ بعد 😎👇
374/إنعقد حاجباي وأنا أقول في شيء من العصبية : الرجل تجاوز اختبار كشف الكذب !!!!
فهزّ كتفيه في هدوء قائلاً : ولكنه ما زال في أرضهم...
وهنا تفجّرت عبارته في تلافيف مُخي كالقُنبلة ونسفَت كل شعور بالنصر دُفعة واحدة لتضع بدلاً منه إحساس رهيب بالقلق جعلني أغمغم : أنت على حق 👇
375/ومع تبخُر سعادتي عُدت أجلس خلف مكتبي وأعيد دراساتي وحساباتي مرة أخرى قبل أن أهب هاتفًا : إجتماع 💪👇
376/لم يكُن أفراد مجموعة العمل قد استقروا خلف مكاتبهم بالفعل عندما وصلهم الاستدعاء فعادوا إلى حجرة الاجتماعات في قلق مُتسائل والتفوا حول المائدة لأحتل أنا قِمَتها قائلاً :
رجُلنا ما زال في أرض العدو 😡👇
377/كُنت أتوقع أن تبدأ عبارتي هذه دورة جديدة من المناقشات والحوارات والدراسات إلا أنني فوجئت بعريض المنكبين يبتسم قائلاً في هدوء : الرجل سيعود إلى القاهرة في طائرة التاسعة مساءً 😁
فحدّقت في وجهه مُندهشاً مُتوتراً فخفض عينيه مُتمتماً :
أنتَ لم تسأل 😠👇
378/وكان درساً قاسياً ...ولكنني استوعبته جيداً
بل الواقع أنني وجدت فيما حدث عدة دروس فلا ينبغي أبداً أن أحصُد النجاح قبل أن تُصبح نتائجه في قبضتي بالفعل 👇
379/ومن الضروري أيضاً ألا أتوقف عند جولة ناجحة قبل أن تنتهي المباراة كلها ولا تجاهُل حتى لأدق أدق التفاصيل ..
أو أتوقف عن مُتابعة المهمة لحظة واحدة مهما ظهرت ناجحة أو مُطمئِنَة ..والأهم من كل هذا أن أسيطر على مشاعري وانفعالاتي حتى آخر لحظة وحتى لآخر العُمر أيضاً 👇
380/وأمام مجموعة العمل اعترفْت بكل الأخطاء التي ارتكبْتها وطلبت من الجميع تسجيلها ومناقشتها حتى لا تتكرر أبداً مني أو من أى زميل آخر ..
ثم غادرت عائداً لمكتبي ..وهناك جلست صامتاً أسترجع كل ما حدث بكافة التفاصيل
أسترجع بداياتي..
وخطواتي ..
وتطوراتي ..
ونجاحاتي ..
وأخطائي أيضاً
👇
381/ووسط كل هذا واصلتُ مُتابعة رحلة العميل حتى عاد إلى أرض الوطن حيث استقبلته أسرته واصطحبته فوراً إلى منزله
وحفاظًا على السرية ظللت وفريقي صامتين صابرين حتى صباح اليوم التالي عندما التقينا به في مكان آمن وراح يروي لنا كل ما حدث له هناك👇
382/واستمعنا إليه نحن في صمت ودون أن نُقاطعه بحرف واحد حتى انتهى من روايته التي تطابقت تماماً مع ما لدينا من معلومات ..وكان هذا دليلاً على أن الرجل قد عاد إلى رُشده وأنه قد استعاد ولاءه الأصلي لنا مع ثقة الطرف الآخر التامة ..وفي عالمنا يُعتبر هذا نجاحاً كاملاً💪👇
383/لذا فقد عُدت إلى مكتبي لأكتب تقريري وأقدمه إلى رؤسائي ..ولست أدري كم استغرق هذا من وقت فقد انهمكت في الأمر تماماً حتى فوجئت بعريض المنكبين أمامي يبتسم ابتسامة واضحة 👇
384/وما أن أطّل التساؤل من عينىّ حتى مال عريض المنكبين تجاهي ومد يده إليّ قائلاً : دعني أهنئُك
صافحته مُتسائلاً : على نجاح العملية؟!
فهزَ رأسه نفياً في صمت... في حين أجاب الرصين وهو يمد يده إلىّ بدوره وابتسامته (النادرة) لم تُفارق شفتيه بعد : بل على اجتيازك #أخطر_مرحلة 👇

جاري تحميل الاقتراحات...