تزامنت بداية ضعف الدولة العثمانية مع عصر التنوير الأوربي، وكان من جملة ما تناوله فلاسفة التنوير هو تحليل أوضاع "الشرق" وسرّ ضعف الدولة العثمانية أو "الترك" كما كانوا يطلقون عليها وقتئذٍ، وغنيٌّ عن الإبانة أن كل هذه الأعمال الفكرية مبنية على صورة "الشرق"* في المخيّلة الأوربية.
وكل التحليلات التي صدرت من فلاسفتهم مغروسة في أرضٍ أوروبيّة خالصة، فإذا نُقِلت طائفة من أعمال فلاسفة ذاك العصر إلى العربيّة وأُشِيعت في العرب أفكارهم، أصبح العربي يرى نفسه كما يراه الأوربي.
بل أكثر من ذلك وهو الأخطر أنه يرى عِلله وأدواءه هي العلل والأدواء التي وضع الأوربي مبضعه عليها، ومن ثم يدور معالجًا هذه الأدواء بالأدوية التي حدّدها الأوربي بناء على تصوّره عن الشرق ثم تصوّره عن علله وأدوائه، فتنغلق رأس العربي على ذلك ويُمسَخ.
وخذ مثالًا: مصطلحات "الاستبداد" و"المستبدّ العادل" و"المستبدّ المستنير" التي تكررّت كثيرًا في فكر العرب في عصر "النهضة" كالكواكبي مثلا، ستجده راجعًا بحذافيره إلى إنتاج فلاسفة عصر التنوير باعتباره "داء الدولة العثمانية والشرق من ورائها" فينسحب المفكّر العربي إلى هذه الدوامة
فيرى نفسه ومشكلاته ودواءه بعيون أوروبية تنويرية خالصة.
فيعالج نفسه بيدٍ غيرِ يدِه تحسّست منه ما لم يُحِسّه هو من نفسه وإنا لله وإنا إليه راجعون
ولما كان زعيم ترجمة هذه الأفكار وإدخالها إلى عقل العربي هو رفاعة الطهطاوي انتقده شاكر نقدًا لاذعًا لمآل عمله إلى هذا الإفساد.
فيعالج نفسه بيدٍ غيرِ يدِه تحسّست منه ما لم يُحِسّه هو من نفسه وإنا لله وإنا إليه راجعون
ولما كان زعيم ترجمة هذه الأفكار وإدخالها إلى عقل العربي هو رفاعة الطهطاوي انتقده شاكر نقدًا لاذعًا لمآل عمله إلى هذا الإفساد.
والمطالع لأدب هذه الفترة بشكل عام يدرك هذا المعنى بسهولة
جاري تحميل الاقتراحات...