محمد عبدالحميد القضاة Mohammad AlQudah
محمد عبدالحميد القضاة Mohammad AlQudah

@MohammdAlqudah

10 تغريدة 19 قراءة Oct 10, 2021
كانت آخر هدية وصلت والدي هي كتاب الدكتور عاصم منصور " عامان من العزلة "، حاول أبي قراءته قبل العملية الجراحية ولكنه لم يستطع إكماله، و بعد العملية طلب مني ان احتفظ بالنسخة و ان اقرأها عنه.
احتفظت بنسخته ولكنني لم استطع ان اقرأ منه اكثر من مكان الاشارة التي وضعها الوالد لتوثيق إلى أين وصل، و أظن ان الكثير من الأمور في داخلي بعد وفاته توقفت إلى حيث وصل.
عندما قرأ أبي عنوان الكتاب ابتسم، لأنني كنت من باب تخفيف المصاب عليه أخبرته عن مجموعة من القصص أكتبها وكنت وضعت لها عنواناً اسمه: " عام في الطابق B2 "، جمعت فيها كل شيء رأيته خلال عام من دخول والدي المستمر لمركز الحسين للسرطان للعلاج.
من أناس يدخلون بكل خوفٍ وحُزن للبدء بالعلاج، إلى أناس يخرجون من نفس الباب بكل سعادة وسرور بعد ان انتهوا من كل جرعات العلاج. عائلاتٌ كانت تتماسك طوال تواجدها مع المريض في غرفته، لكنها تركض لهذا الطابق حتى تبكي على اكتاف بعضها أشد البكاء.
من أراد أن يعرف عظيم نعمة الله عليه بالصحة، فليذهب يوماً هناك ويشاهد كيف تعيش العائلات أسابيع من الحزن والخوف والأمل. لا تكاد تمر دقائق دون ان ترى شخصاً يخرج باكياً بعد ان تدهورت حالة شخص يعنيه. ساعة واحدة هناك كانت تكفي لاستذكار عظيم نعمة الله بالصحة والعافية.
كنت أنا ومجموعة من المراجعين نحضر معنا الطعام، كان في ذلك الطابق زوايا تنجب فيها القطط وتخبئ اطفالها. كنا نبحث عنهم بالساعات لنطعمهم، واتفقنا على أسمائهم وعرفنا زوايا اختبائهم. كان إطعامهم يعطي الكثير من المراجعين والمرافقين سعادة كانوا يفتقدونها في سرير المرض او غرفة العلاج.
لا أدري ان كنت سأمتلك الجرأة أو القدرة يوماً على إكمال شيء بعد انا غادرنا والدي، ولكنني إن نسيت كل القصص التي حصلت فلن أنسى السيارة الفارهة جداً التي أغلقت طريق الاصطفاف في الطابق، و بدل ان تتحرك للأمام لتفسح الطريق لمن خلفها توقفت وبدأ سائقها يتحرك بحركات غريبة في مقعده.
غضبت جداً من استهتار السائق ونزلت من سيارتي وطرقت شباكه، لأكتشف أنه شباكها، و ان السائق فتاة كانت تحاول تثبيت الشعر المستعار بعد ان سقط كل شعرها بسبب العلاج. احتقرت نفسي، في الحقيقة توقفت للحظات عن التفكير بشيء، وبدل ان اطلب منها التحرك سألتها ان كانت بحاجة لمساعدة، تبسمت وشكرت.
هؤلاء مجرد تبسمهم يدلني على قوتهم. أظن ان عمرها لم يتجاوز العشرين إلا بقليل، ولكنها اعطتني درساً عن عشرات الأعوام، فنحن لا نعرف شيئاً عن ظروف الآخرين ولا يجوز لنا أن نبقى نُصدر أحكامنا على الحياة دون ان نضع نفسنا بموضع الآخرين.
عام في البي تو، او بالأحرى مع آخر دخول للوالد صارت 18 شهراً في البي تو، طابق الاصطفاف المخصص لسيارات المراجعين، في كل يوم قصة تكفي ان أتعلم وأتذكر انني غارقٌ بأفضال الله ونعمه، ولكنني غارقٌ في التقصير في عبادته وشكره، وفي خدمة الناس الذين يستحقون ان نخدمهم بكل إخلاص.

جاري تحميل الاقتراحات...