عبادة الأصنام في المجتمع اليوناني!
كان المجتمع اليوناني، مثله مثل المجتمعات البدائية الجاهلة التي لم تهد بهدي الوحي، مجتمعًا وثنيًا يعبد معظم أهل الأصنام، ويقدسونهم ويحتفلون بهم، ويتضرعوا إليهم، ويلبسونهم أفخر الملابس وأثمن المجوهرات والذهب، يطلبون منهم النصر والتأييد.
كان المجتمع اليوناني، مثله مثل المجتمعات البدائية الجاهلة التي لم تهد بهدي الوحي، مجتمعًا وثنيًا يعبد معظم أهل الأصنام، ويقدسونهم ويحتفلون بهم، ويتضرعوا إليهم، ويلبسونهم أفخر الملابس وأثمن المجوهرات والذهب، يطلبون منهم النصر والتأييد.
وقد تفاوتت مواقف الناس في المجتمع اليوناني من عبادة الأصنام، ليس من حيث شرعيتها، إذ هو السائد والرسمي هناك، وإنما في هل الأصنام بذاتها هي الآلهة؟ أم هي مجرد رموز وواسطة بين الناس والآلهة؟ بمعنى أن التقريب إليهم إنما بوصفهم شفعاء عند الآلهة.
وبطبيعة الحال، لا يستطيع الإنسان أن يجزم بدوافع جمهور النَّاس القدماء في مسألة نوع عبادة وتقديس الأصنام، لا عند العرب ولا عند العجم ومنهم اليونان، فبعض النَّاس –وحتى في زمننا هذا- يقدسون الأصنام لذاتها واعتقادهم بركاتها بنفسها ولقوة ذاتية فيها.
وقد رأيتُ صغيرًا وكبيرًا في بلدان كثيرة حول العالم، وخصوصًا بلاد الشرق الأقصى، يعبدون آلهتهم بحجم الجبال أو أصغر في معابدهم، ويعبدون آلهتهم بحجم اليد أو أصغر في سيارتهم يعلقونها، ويجسدون من كل شيء آلهتهم، حتى جسدوا الأعضاء التناسلية كآلهة!
وكلما كان الإنسان عاميًّا تعلق بذات الصنم واعتقد فيه، كما يفعل غلاة الصوفية في الأولياء وتقديسهم وتقديس القبور، فالعوام يقدسون ذات الأولياء وأماكن القبور، وقد زرتُ بنفسي أماكن كثيرة للهندوسية والبوذية وغلاة الصوفية، فوجدتهم يقدسون ذوات الأشياء ويعتقدون بنفسها.
لكن، إذا تثقف الإنسان أو تفلسف أحيانًا أو حُجِجَ قام بفلسفة عبادة الأصنام والقبور والأوثان بأنها مجرد رموز وواسطة ليس إلا. وهذا ما قاله بعض كفار العرب من قبيلة قريش وغيرهم.
قال الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، و(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
قال قتادة: "إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم ، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ; ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم ، وما ينوبهم من أمر الدنيا".
وهذا الأمر حدث نفسه في المجتمع اليوناني الوثني، حيث كان كما يُقَرِّر الفيلسوف اليوناني يوهيميروس، أن الأصنام والتماثيل التي كانت تعبد كآلهة في المجتمع اليوناني وغيره، هي في الحقيقية ليست أكثر من شخصيات بارزة ومعتبرة في التاريخ، حيث بدأ النَّاس في عبادتهم وتقديسهم كآلهة بعد موتهم!
وكان بعض الفلاسفة يعبدون الأصنام، إما وثنية أو مجاراة للمجتمع، فقد ذَكَرَ ابن تيميَّة حين تحدث عن عقيدة فلاسفة اليونان في الإله والآلهة: "وفي كتبهم [=أي المسيحيين] أنَّ بولس لما صار إلى أثينا دار الفلاسفة، وفيها دارُ الأصنام".
وبالفعل جاء في سفر أعمال الرسل، (الأصحاح 17): "وبَينَما بولُسُ في أثينا، ثارَ غضَبُهُ عِندَما رَأى المدينةَ مَملوءَةً بالأصنامِ. وكانَ جماعَةٌ مِنَ الفلاسِفةِ الأبـيقوريّينَ والرِواقيّينَ يُجادِلونَهُ، فقالَ بَعضُهُم: (ماذا يريدُ هذا الثّرثارُ أنْ يقولَ؟) وقالَ آخرونَ: (هوَ
يُبَشّرُ بآلهةٍ غريبةٍ)، لأنّ بولُسَ كانَ يُبَشّرُ بـيَسوعَ والقيامَةِ. فأخذوا بولُسَ إلى مَجلِسِ المدينةِ في الأرِيوباغوسَ وقالوا لَه: (نُريدُ أنْ نَعرِفَ هذا المذهَبَ الجديدَ الذي تُبَشّرُ بِه، لأنّ تَعاليمَهُ غريبَةٌ على مَسامِعِنا، ونَحنُ نَرغَبُ في معرِفَةِ مَعناها). فوقَفَ
بولُسُ في وسَطِ المَجلسِ وقالَ: (يا أهلَ أثينا! أطوفُ في مَدينَتِكُم وأنظُرُ إلى معابِدِكُم وجَدتُ مَذبَحًا مكتوبًا عليهِ: إلى الإلهِ المَجهولِ...يَجبُ علَينا أن لا نَحسُبَ الأُلوهيّةَ شَكلاً صنَعَهُ الإنسانُ بِفَنّهِ ومَهارتِهِ مِنْ ذهَبٍ أو فِضّةٍ أو حجَرٍ)".
وقد حاول الفيلسوف المنطقي فَرْفُوريوس فلسفة ظاهرة عبادة الأصنام بقوله: "الذين يصنعون التماثيل كتبجيل للآلهة لا يتصورون أنَّ الإله بذاته في الخشب أو الحجر المستخدم في صنعها، إنما تم صنعها ليتذكر من رآها الإله؛ لأداء طقوس التطهير، أو لتسهيل أداء الصلاة، حيث يتوسل كل شخص إلى الإله".
ويذكر عالم الآثار إيرين رومانو أنَّ النحت في اليونان القديمة يعتبر مرادفًا للثقافة اليونانية نفسها، وأنَّ النحت لعب دورًا مهمًا في حياة الإغريق، في الحياة الجنائزية والتذكارية والعامة والخاصة والمقدسة، ويؤكد أنَّ أكثر المنحوتات اليونانية قداسة وتبجيلاً هو تمثال=صنم العبادة.
وأنَّ للأوثان في الفكر الديني اليوناني والممارسة أهمية بالغة جدًا، وأنَّه في القرون (الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد)، كانت هي الفترة التي أصبحت فيها عبادة الأصنام الدين اليوناني رسميًا في أيديولوجيته وطقوسه، وأنَّ كل معبد يوناني يضم مثل هذه الأصنام المعبودة.
وأن كل مدينة وملاذ يوناني بها معبد واحد على الأقل، وغالبًا ما يكون هناك العديد من المعابد والأضرحة مع مثل هذه التماثيل. مع العلم أنَّ المسيحية حينما ظهرت اجتهدت في مسح وطمس وتحطيم معظم تلك الأصنام والإيقونات الوثنية اليونانية.
ويعتقد عالم الآثار إيرين رومانو أنَّ الأصنام هذه هي بدائل أرضية أو مظاهر رمزية لوجود الآلهة، ولهذا السبب كانت الأصنام تعتبر أشياء مقدسة للغاية عند اليونان. ويرى أنَّه من المحتمل أن يكون لدى الإغريق أفكار مختلفة حول ماهية المعبود أو ما يعنيه.
لكن يرى أنه من المشكوك فيه أن اليوناني -بغض النظر عن حماسة معتقداته الدينية- كان يعتقد أن المعبود هو الإله (الذكر) أو الإله (الأنثى) بشكل فعلي، لكن المعابد اليونانية إنما نشأت نتيجة لأجل وجود هذه الأصنام ووجوب تقديسها، وكان المذبح داخل المعبد مكانًا مقدسًا وربما ماثل قداسة الصنم.
ولم تكن الأصنام عند اليونان حكرًا على المعابد، بل وجودت الأصنام في العديد من الأماكن، في الساحات العامة، وفي الفضاءات الطبيعية، ومرسومة على المزهريات التي في البيوت، ولهذا كان أحجامها متفاوتة كثيرًا، ما بين العملاق الشاهق إلى الأحجام الصغيرة أو مجرد الرسومات المزخرفة،
واختلفت المواد التي صممت بها تلك الأصنام من الذهب والعاج أو الحجارة إلى الرخام إلى البرونز إلى الخشب أو الخزف. ولهذا كانت في المجتمع اليوناني توجد الأصنام الصغيرة المصنوعة من الخشب وتوجد في البيوت الخاصة بالأفراد، أو تحمل باليد ويطاف بها في المسيرات في الاحتفالات الدينية.
وكانوا يُلْبِسون الأصنام التي يعبدونها الملابس والمجوهرات والحلي، ويقدمون إليها الطعام.
ويبين المؤرخ المختص بالتراث والتاريخ اليوناني جورج غروت أنَّ المعبد اليوناني لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل هو مكان الإقامة الفعلي للإله، ذلك المعبد الذي تم تقديمه إلى الإله من خلال حفل التكريس الرسمي، ويمثله الصنم في المعبد.
ويتم غسل التمثال رسميًا وإلباسه ملابسه الفاخرة ورعايته بكل احترام يمكن منحه لشخصٍ حقيقي حي. وكانت العامة تنسب حكايات معجزة لتلك الأصنام، مما يترتب عليها مزيد من مظاهر الاحترام تجاه الأصنام، وتزرع الشعور الداخلي الحقيقي في منفعة ومضرة تلك الأصنام المصنوعة من الخشب والرخام.
ولهذا يروون أن الأصنام هي رمز التعاطف أو السخط في اللحظات الحرجة أو الخطرة التي تمر بالمتوسل إليها، ويظهر استجابته على شكل بكاء التمثال، أو تعرقه، أو يغمض عينيه، أو يلوح الرمح في يديه، وكانوا يعتقدون أن أصنامهم تنصرهم في المعارك على أعدائهم، ولذلاك كان يتضرعون إليها قبل كل معركة.
جاري تحميل الاقتراحات...