الأعاصير غير متوقعة، لا تعرف أين ستضرب الريح، وأين سينهلُّ الماء. كنت في دارسيت في استوديو صغير استأجرته في بداية الأمر بستين ريال قبل أن يتضاعف سعره ثلاثة أضعاف بعد جونو وبداية الغلاء الخانق في مسقط. اليوم الأوَّل مع خميس المقيمي، شعور دراماتيكي هائل بالذعر من الطبيعة.
كان الكلام وقتها يدور على أن الإعصار سيدخل من مطرح، وكنت في دارسيت فاتخذت قراري الاستراتيجي باللجوء إلى أين؟ الحيل! عبقري صح! كانت معي سيارتي الجالانت أوَّل سيارة حقيقية أستخدمها في حياتي، ذهبت لأشتري خبز وكعك للشباب وفي طريق العودة مررت بمجرى ماء وإذا به أعمق مما توقعت.
غرقت السيارة، وعدت مشيا من شارع الحيل إلى الخوض، كانت الخطة أن أذهب إلى منزل صديق لي لنمضي وقت العصف سويا، مرّ عليّ وفي طريقنا لمنزله حاصرنا الماء، الماء أغرق اللاندكروز إلى مستوى النوافذ الجانبية. مجازفة كبيرة للغاية، وورطة لم يحسب لها أحدٌ حسابا.
وبدأ الماء يحاصرنا، وأعيتنا السبل. هربت من دارسيت إلى الحيل، وإذا بالغرقة الكبيرة تحدث في الحيل. التجأنا إلى منزلٍ لأحد معارف رفاق الورطة، وحتى الساعة الثانية أو الثالثة فجرا في انتظار نهاية العصف. بعدها أخذنا طريق العودة كل إلى منزله.
لم يكن أحد يعلم أن الشارع المتجه من دوار مزون نحو دوار الكتكوت [آنذاك] قد انكسر، ولولا تغيير السائق قراره وأخذ مسار آخر لربما لم أكن هُنا لأحكي لكم الحكاية. أرسل لي صديق صورة سيارتي والوادي يلعب بها لعبا، غرق مع السيارة مصرّي المفضل وجميع نسخ مجموعتي القصصية [إشارات] ..
وبعد جونو وانقشاعه تغيرت أشياء كثيرة في عمان. بدأ الغلاء وارتفاع الإيجارات، وتغيرت الحياة في مسقط، وصدح صوتٌ من أصوات الغضب النادرة في عُمان، من هُناك بزغت ظاهرة أبو فيصل التي استمرت لخمس سنوات كاملة، حاضرة في الذاكرة الشعبية العُمانية بكل ملامحها و تناقضاتها ومضحكاتها المبكية.
لم يأخذ جونو سيارتي فقط. أهداني أيضا عدوى بكتيرية في الصدر استمرت معي لستة أشهر، أصبت بها بعد ذهابي إلى قريّات، وهُناك رأيت مشهداً سيحاصر ذاكرتي للأبد، هول المأساة والصدمة، وحالة عارمة من الحب والتكافل والتواد، جمالٌ إنساني باهر في قلب مأساة ماديّة طبيعية.
ولكن أليست هذه طبيعة الإنسان؟ يتجاوز آلامه مع الزمن؟ يعلم الله ماذا سيحدث في هذا الإعصار ومن الذي سيتضرر، حفظ الله الجميع، ولكن المعلوم من المنطق بالضرورة أن الهلع ليس حلا. ونعم هذا صعب، أن تحافظ على هدوئك وأنت في قلب عاصفة .. حرفيا!
جاري تحميل الاقتراحات...