صفية الجفري
صفية الجفري

@saf_aljifri

26 تغريدة 14 قراءة Oct 01, 2021
الرحلة إلى الله ..قواعد مقررة وأولويات مرتبة ..قراءة في كتاب إيضاح أسرار علوم المقربين : أسعد باطلاعكم : وقد اقتطفت شذرات من المقالة في التغريدات التالية ..
mudawala.blogspot.com
غاية الإمام العيدروس من تأليف الكتاب هو الأخذ بيد القارىء إلى طريق القرب من الله، وهو يقدّم للمسلم خطة واضحة ترتب أولويات الطريق . ثم إنه يؤكد على أن اتباع هذه الخطة ليس اختياريا، وإنما هو جار على قواعد مقررة ، وتجاهلها يدل على فساد دين صاحبها
يقول : " فقد يكون القلب عاصيا، والجوارح طائعة...فعصيان الجوارح أهون من عصيان القلب "، و يحدثنا عن هؤلاء الذين يتصدّقون بالمال الكثير ولا يقومون بما وجب عليهم من نفقات ، والذين قد يحجون مرات ويدفعون أموالهم في حج النفل وهم يعلمون أن من المسلمين من هم أهل ضرورات فلا يسدون خلتهم .
. يضرب هذه الأمثلة ويقول إن هذا الخير لا يصدر عن قلوب صالحة، لأن القلوب الصالحة تحث أصحابها على عبادة الله وفقا للشرع لا انقيادا لهوى نفوسهم . ومن هؤلاء من يحسنون إلى الأباعد بطيب الكلام والفعل والمواساة والجبر ويحرمون زوجاتهم أو أقاربهم من كل وصل معنوي ومن كل احترام وجبر وإنصاف
والطريق الذي يقرر الإمام العيدروس أن علينا سلوكه أهم ما يميّزه أنه طريق يجعلك قادرا على الأنس بنفسك، ورفقتها كصديق، ولكأن ذاتك تكون خارجة عنك، تجالسها وتجالسك، وتقضي معها وقتا مثمرا ولو صمتا دون أن تشعر بغربة أو شتات.
هذا الطريق قوامه هو أن تعلم أن سبيلك إلى معرفة ربك هو معرفة نفسك، لأن الطريق إلى الله يبدأ بتزكية القلب وتطهيره من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة، وعلامة ذلك قلب تسكنه الرحمة بعباد الله، تسكنه الرحمة بكل أحد ، يرحم نفسه فيكرمها ولا يظلمها، ويرحم الناس، كل الناس
فيألم لألمهم، ويفرح لفرحهم، ويوفيهم حقوقهم، ويكرمهم . وكلما تمكنت الرحمة من القلب كان القلب إلى الله أقرب.
والعجب والحسد والشر هو من فرائض الدين ، وكما فرض الله على المسلم عبادات ظاهرة ، فقد فرض عليه أن يطهر قلبه من كل خلق ذميم ، ويؤكد الإمام العيدروس على أن المسلم ينبغي له ألا يشتغل بنوافل العبادات إلا بعد أداء فرض إصلاح قلبه، لأن النوافل من ذكر ونحوه لا تنوّر إلا القلب المطهر
وأثرها ضعيف على القلب الفاسد .، ولعل فقهه في هذه المسألة أن صاحب القلب الفاسد تزيده النوافل تباهيا بتدينه، وإمعانا في العجب ، والكبر، وينخدع الناس بكونه من أهل الدين، وهو فاسد الديانة
. والإمام العيدروس هنا يوافق ما قرره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين في كتاب: "آداب العزلة "من وجوب المخالطة ليختبر الإنسان أخلاقه ، ويهذبها، فالعزلة لا تكشف أخلاق المرء . يقول الإمام الغزالي: ( فكل مجرّب في الخلاء يسير) و ( لا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب ).
ونجد في الكتاب بعض توضيح لطريقة تطهير القلب من بعض الأمراض كالكبر لكن دون تفصيل واسع ودون تقص لعلاج جميع ما يفسد القلب من أمراض. ولعل الإمام العيدروس أراد أن يقدّم خطة عامة توجه المسترشد إلى الكتب التي توسّعت في بيان علاج أمراض القلوب ككتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
وكذلك أي كتاب يتوصل به المرء إلى مقصوده في تطهير قلبه من الأخلاق الفاسدة ولو كان كتابا معاصرا فالحكمة ضالة المؤمن .
ونجد أن الإمام العيدروس يفرّق بين عبادة الغني وعبادة الفقير ، فيجعل عبادة الغني بعد تطهير القلب والقيام بالفرائض الظاهرة هي الإحسان لأهل الحاجة ، وعبادة الفقير بعد الفرائض القلبية والبدنية هي النوافل والذكر .
أقول : وقد يشترك الفقير مع الغني في العبادة المتعدية في الإحسان المعنوي للناس، في الاستماع للمهمومين ، وجبر خواطرهم بطيب الكلام ، والمشورة الصادقة المخلصة .
قة المخلصة .
◦ ثم إن الإمام العيدروس يذكرنا هنا بملمح مهم وهو أن التساهل في ارتكاب المحرّمات يفسد القلب من حيث لا يشعر صاحبها، فإذا فسد القلب أظلمت البصيرة، فإذا أظلمت خبط صاحبها خبط عشواء ، فنجده يعبد الله وفقا لما يمليه عليه هواه ولو نُبّه إلى مخالفته الشرع فإنه يصدّ مستكبرا
وفي الكتاب تقريرات يصح أن نصنفها في عصرنا ضمن المسائل المتعلقة بالذكاء العاطفي كتفريق الإمام العيدروس بين الذكاء الذي يقود صاحبه للفضيلة،وبين الخبث الذي يقود صاحبه إلى الشر والكيد والأذى فيجعل الأول نابعا من العقل الذي يقود صاحبه لحسن التمييز بين الخير والشر، بل وبين أهون الشرين
وخير الخيرين . ويجعل الثاني وهو الخبث ناتجا عن إدراكات حسية تطبع عليها النفس، كالحيوانات الخبيثة، ويقول إن الخبث لا يصدر عن عاقل، لأن العقل ينور قلب صاحبه ويجعله محبا للفضيلة، تسكن الرحمة قلبه، ويأبى الظلم ، فلا يظلم نفسه ولا يظلم غيره.
ثم يذكر الإمام العيدروس أن العقلاء تتفاوت عقولهم، وأكملهم عقلا من أمورهم محكمة حزما وتيقظا وفطنة، وهؤلاء يكونون أهل هيبة وسلطان على النفوس، وينقل عن المغيرة بن شعبة قوله عن عمر بن الخطاب–رضي الله عنهما – : " كان عمر بن الخطاب -–رضي الله عنه- أعقل من أن يُخدع ، وأكرم من أن يَخدع".
ويحدّثنا الإمام العيدروس عن أهمية تنظيم أفكارنا والوعي بمشاعرنا قبل التحدث، فنجعل ألسنتنا وراء قلوبنا، ولا نقل شيئا حتى نزنه بميزان العقل . يقول: " واعلم أن تأثير الكلام في نفس السامع على قدر إصداره من نفس المتكلم، فإن كان الكلام صادرا عن قوة نفس أثّر في السامع تأثيرا قويا=
، وإن كان صادرا عن ضعف نفس أثّر في السامع تأثيرا ضعيفا، فلأجل ذلك ينبغي لكل أحد أن يعتبر حال نفسه قبل إصدار الكلام ، ليصدر كلامه عن نفس ساكنة. "
كما أنه ينبه إلى مسألة نفسية مهمة تتعلق بالتعامل مع من تبغضه لسوء أخلاقه، يقول: " واعلم أن من ينفر قلبك عنه أن عنده من المقت لك مثل ما له عندك فإن قدرت فارغب عنه، وإن لم يمكنك، واضطررت إليه فتعمل – لعلها فاعمل – في صلاح قلبه لك بإصلاح قلبك له
كما قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- : " احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك "
وطريق ذلك أن تمثل لنفسك شيئا من محاسنه ، لأنه لا يخلو الإنسان من مكرمة ما ، وإن قلّت وخفيت مثل سخاوة نفس، أو شجاعة، أو حميّة ، فإن هذه الصفات كثيرا ما تقع في ظلمة الناس وجبابرتهم ، ثم تناسى خصاله الذميمة ، وأبعد إحضارها من خيالك ، ليصير ميلك إليه مألوفا=
فإنه إذ ذاك يميل قلبه إليك بحسب ما صلح له من قلبك ، لأن النفوس تطالع النفوس، ويحس بعضها بأحوال بعض فهي سريعة التقلّب تختلف عليها الأطوار."
والإمام العيدروس هنا يرشدنا إلى هذه الطريقة في التعامل مع وجوب الالتزام بالإطار الأخلاقي العام الذي أكد عليه مرات في ثنايا الكتاب وهو أن المسلم معتدل في أخلاقه ، يعامل الناس بالحسنى والحكمة معا بما لا يضيّع الحقوق ولا ينتهكها .

جاري تحميل الاقتراحات...