(( كلُّ شيءٍ بحسابه ))
كثيرًا ما أُردِّد هذه العبارة عندما يبتليني الله بضائقة أو مرض أو فقد حبيب، أو يعتريني همٌّ أو نَصَبٌ من جَرَّاءِ عملٍ أقومُ به، أو يغشاني ضيقٌ أو كَدَرٌ من إيذاءٍ يلحقني أو كيدٌ يُخطَّطُ لي.
كثيرًا ما أُردِّد هذه العبارة عندما يبتليني الله بضائقة أو مرض أو فقد حبيب، أو يعتريني همٌّ أو نَصَبٌ من جَرَّاءِ عملٍ أقومُ به، أو يغشاني ضيقٌ أو كَدَرٌ من إيذاءٍ يلحقني أو كيدٌ يُخطَّطُ لي.
وأقصُد بالعبارة أن الله الرحيم الرحمن الحليم الكريم المنَّان ما ساقَ لي شيئًا من ذلك ليُعذِّبني، فهو أرحمُ بنفسي مني، وأعلم بحالي وما يدورُ في حياتي،
ولذلك فإنه- بلا شك، نعم بلا شك- لن يُضيِّعني، وأنه ما ساقَ لي ذلك إلا ليرفع درجاتي عنده، وليُقرِّبني إليه، وكلُّ ما عليَّ فعله أن أُحسِن الظنَّ به، وأُسلِّم الأمر إليه.
١) من أجل هذا، فعندما تنتصبُ قائمًا تُؤدِّي صلاتك في خشوعٍ وتبتُّلٍ وتضرُّعٍ، وتُطيل في قراءتك وتتأنَّى في ركوعِك وسجودك، بينما ترى غيرَك يُسرِعُ في صلاته، وينقُرها نقرَ الغُراب، فحينها لا تقُل: لماذا أشقى ويرتاح غيري؟
ولكن أيقِن أن "كُلَّ شيءٍ بحسابه"؛ فمولاك قد اختصَّك من سائرِ خلقه ليرفع مقامَك عنده، ولتُطيل لقاءَك بين يديه، فأنتَ في صلاتك في مقام العزِّ والشرف والرفعة بين يَدَيْ ملك الملوك وعظيم السماوات والأرض، فهنيئًا لك ذلك اللقاء الميمون الذي يتوارى معه كلُّ نَصَب وتعب.
٢) وإذا قضيتَ الساعات بين يَدَيْ صفحات كتاب الله العزيز: تلاوةً وحفظًا وتدبُّرًا، بينما ترى غيرك يُقلِّب صفحة أو صفحتين على عَجَلٍ ثم ينصرف، فلا تقل: لماذا أُضيِّعُ أوقاتي وأُجهِدُ جسدي، بينما غيري يكفيه القليلُ من التلاوة العابرة؟
وإنما عليك أن تتأكَّد أن "كلَّ شيءٍ بحسابه"؛ وأن ربَّك في تلك اللحظات التي تقضيها مع كتابه الكريم يُباهي بك ملائكته، ويرسلهم إليك ليستمتعوا بتلاوتك ويُؤنسوك في مجلسك، ويستغفروا لك ويُؤمِّنوا على دعائك،
وأنك ستنال عن كلٍّ حرفٍ تقرؤه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، والله يُضاعِف لمن يشاء، وأنك ستنال من النفحات الربانية والكرامات الإلهية ما لا يتصوَّره عقلُك البسيط، فطِبْ نفسًا بكتاب الله، واحرِصْ على مجالسته ومصاحبته، يكون لك مُؤنِسًا لك في قبرك، وشفيعًا لك عند الله يوم تلقاه.
٣) وعندما تخرج من بيتك للدعوة في سبيل الله أو لبذل الخير والمعروف للناس والسَّعْي في معونتهم وتفريج الكُرَب عنهم، ثم تقضي ساعات يومك تُعلِّم هذا وتساعد ذاك، تُقيم هذا البناء وتُصلِح تلك الأعطال، تراجع هذه المؤسسة وتتصل بذاك المسؤول،
وتبقى متردِّدًا بين هذا المكان وذاك، والعَرَقُ يتصبَّبُ منك والتعب يُنهِكُك، بينما ترى أصحابَك يتجوَّلون ويتنزَّهون، فعندها لا تقُل: لماذا أُضني نفسي وأُفني عُمْري في مثل هذه الأعمال، وغيري يتلذَّذ بمُتَع الحياة؟
ولكن قُل: "كلُّ شيءٍ بحسابه"؛ فربُّك إذا أحبَّ عبدًا سخَّره لخدمة خلقه، وشَغَل أوقاته فيما يُرضيه سبحانه، وتذكَّر قول حبيبك المصطفى- عليه الصلاة والسلام-:
((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ)) [سُنَن الترمذي، حديث رقم: 2685، ج 5، ص 50]، وقوله:
((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) [صحيح مسلم، حديث رقم: 2699، ج 4، ص 2074].
٤) وعندما تنتابُك الأمراض والعِلَل، وتُداهمُك الحوادث والمِحَن، ويبتليك مولاك بنقصٍ في مالِك أو فقدانٍ لأحبائك، فلا تقُل: لماذا يبتليني ويترك غيري، أو لماذا يحرمني ويُعطي غيري، أو كما يقول بعض الناس: لماذا لا يتذكَّرني إلا بالمصائب؟
ولكن أحسِنْ ظنَّك بربِّك، واعلم أن "كلَّ شيءٍ بحسابه"؛ فربُّك إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه، والمؤمن يُبتلى على قَدْر إيمانه، وتذكَّر أنه ما ابتلاك إلا ليرفع قَدْركَ عنده، وما أخذ منك إلا ليُعوِّضَكَ خيرًا منه،
واعلم أن جسدَك وأهلَك ومالَك كلُّها وديعةٌ عندك، ولربِّك أن يتصرَّف بها كيفما شاء وفي أيِّ وقتٍ شاء، وما عليك إلا الاحتساب والتسليم له سبحانه، واعلم أن أجْرَ ذلك عظيمٌ عند الله، فهو يقول:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة:155-157].
وأخيرًا، تذكَّر قول نبي الرحمة- عليه من ربي أفضل صلاة وأزكى سلام-:
((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) [صحيح مسلم، حديث رقم: 2999، ج 4، ص 2074].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
جاري تحميل الاقتراحات...