خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

23 تغريدة 48 قراءة Sep 26, 2021
سموّ الهِمم
حولنا رائعون يثيرون فينا مكامن الدهشة والغبطة،ويجبروننا على التوقف أمام تفاصيلهم،والاقتراب من عوالمهم،لنأخذ منها قَبَسا،أو نجد فيها هدى
لا شيء يشدني كإعجابي بذوي الهمم..أولئك الذين تناطح هممهم رؤوس الجبال،وتصاحب طموحاتهم نُدَفَ الغيوم،وتنادم أحلامهم بعيدات النجوم.
لا تغرّهم سفاسف الأمور، ولا يلتفتون للتوافهِ من الأفعال والكلمات..
هم أناسٌ سمت أنفسهم عن صغائر الحياة، لتتطلّع إلى كل ما هو رفيع، وكل ما هو سامق، لهم في النخيل مَثَل، وفي الصقور قدوة، وعلى صدورهم نياشينُ براقةٌ مَنَحَتْها إياهم أيادي الفلاح، فهي تزداد بهم جمالًا وبريقًا.
ما رأيت شابًّا ذا همّةٍ عالية وإلا وبريق النجاح يلمع في عينيه، وشدائد الحياة تلين بين ساعديه، وطيش الشباب في منظور وهمٌ ليس له إليه سبيل.
هم شبابٌ امتلأتْ نفوسهم بعظائم الأمور، وتَضَلَّعتْ أرواحهم بمكارم الأخلاق..
لا يغرهم وَهَج الألقاب، ولا تغريهم القشور، ويجدون في الإنجازات أحلامهم، وفي المهمات الصعبة سياحتهم.
لسمو الهمة شموخٌ في النفس، وعلياءٌ في الروح، ورفعةٌ في الطموح، فإن رزقك الله ذرية، فازرع في وجدان فلذات كبدك سمو الهمة
علمهم أن صاحب الهمة عظيمٌ بطموحه، عظيمٌ بأحلامه، عظيمٌ بمساعيه، وأشعرهم أننا في زمنٍ يعجُّ العالم فيه بالشكليات، وينشغل الناس فيه بالمظهر عن المخبر، ويفتح بابه على مصراعيه لقصار الهمم الذين يتصدرون ويُصَدِّرون سفاسفهم إلى الناس.
علِّمْهم أن الفضيلة تاجٌ وإن قلّ طالبوها، وأن الحياة كتابٌ يدوّن فيه كل ما سعى له الإنسان، ونشِّئْهم على مثل قول أبي مُحَسَّد:
وإذا كانت النّفوسُ كبارًا
تَعِبَتْ في مُرادِها الأجسامُ
ولقّنهم أيضا قوله:
لا يُدرِكُ المَجدَ إلّا سَيِّدٌ فَطِنٌ
لِمَا يَشُقُّ عَلى الساداتِ فعّالُ
لَولا المشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ
الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ
ذِكرُ الفَتى عُمرُهُ الثاني وحاجَتُهُ
ما قاتَهُ وفُضولُ العيشِ أَشغالُ
وزدهم أيضاً من درره:
ذَريني أَنَل ما لا يُنالُ مِنَ العُلا
فصَعبُ العُلا في الصعبِ والسهلُ في السهلِ
تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً
ولا بُدَّ دونَ الشَّهْدِ مِن إبَرِ النحلِ
ونَغِّمْ عليهم قول الشاعر:
دعنا نسافر في دروب إبائنا
ولنا من الهممِ العظيمةِ زادُ
ميعادُنا الفوز العظيمُ فإن يَكُنْ
موتٌ فعندَ إلهِنا الميعادُ
لا بأس لو مُتْنا على دربِ المنى
فالموتُ في دربِ المنى ميلادُ
وردد عليهم قول محمد إقبال:
وخَلِّ الهُوَيْنَى للضعيفِ ولا تَكُنْ
نؤوماً فإن الحزمَ ليس بنائمِ
واستنهضهم بقول الطغرائي:
قد هَيَّؤُوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ
فاربَأْ بنفسِكَ أن تَرعَى مع الهَمَلِ
وحاورهم في قول ابن عبدربِّه الأندلسي:
الحُرُّ لا يكتفي مِن نيلِ مَكرمةٍ
حتّى يرومَ التي من دونِها العَطَبُ
يَسعَى بهِ أملٌ مِن دونِهِ أَجَلٌ
إنْ كَفَّهُ رَهَبٌ يَسْتَدْعِهِ رَغَبُ
لذاك ما سالَ موسى ربَّهُ أَرِني
أنظُرْ إليكَ وفي تسآلِهِ عَجَبُ
يبغي التّزيُّدَ فيما نالَ من كرمٍ
وهو النَّجِيُّ لديهِ الوحيُ والكتُبُ
واتلُ عليهم قول حافظ إبراهيم:
شَمِّرْ وكافِحْ في الحياةِ فهذهِ
دنياكَ دارُ تناحرٍ وكفاحِ
وإذا أَلَحَّ عليكَ خَطْبٌ لا تَهُنْ
واضرِبْ على الإلحاحِ بالإلحاحِ
وأنشدهم ترنيمة إبراهيم طوقان:
كفكِفْ دموعَكَ ليس ينفعُكَ البكاءُ ولا العويلْ
وانهض ولا تَشْكُ الزمان فما شكا إلا الكسولْ
واسلك بهمتك السبيل ولا تقل كيف السبيلْ؟
ما ضل ذو أملٍ سعى يومًا وحكمتُهُ الدليلْ
كلا ولا خاب امرؤٌ يومًا ومقصدُهُ نبيلْ
إن الشعر يلهب العزائم، ويذكي الطموح، وفي النثر أيضاً ما يستنهض الهمم إلى القمم، وقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال:
«لا تصغرنَّ هِمَّتُكم؛ فإني لم أرَ أقعَدَ عن المكرمات من صغر الهمم».
وقد ورد أن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله قال لدكين الراجز:
إنّ لي نفسًا توّاقة، فإذا بلغك أنّي صرت إلى أشرف من منزلتي هذه، فبعين ما أرينّك (قال له ذلك وهو عامل المدينة لسليمان بن عبد الملك) ….
فلمّا صارت إليه الخلافة قدم عليه دكين، فقال له:
أنا كما أعلمتك أنّ لي نفسا توّاقة، وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدّنيا، فلمّا بلغتها وجدتها تتوق لأشرف منازل الآخرة.
ومن مأثور أقوال الإمام مالك رحمه الله: «عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سفّ منها، فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها».
ولابن الجوزي:
«من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دنيٌّ».
ومن الأقوال التراثية:
«لا يراني الله أرعى روضة سهلة الأكناف من شاء رعاها»، وأيضا:
«لو تعلقت همة أحدكم بالثريا لنالها».
ومن الأقوال العالمية:
«رُبَّ هِمَّة أحيَتْ أُمّة»،
وقولهم:
«الأفكار متوفرة بكثرة لكن الأشخاص الذين يحولونها إلى إنجازات نادرون جدا»
وقِيل أيضا:
«التسويف خدعة النفس العاجزة والهمة القاعدة»،
وما أجمل قولهم:
«من سقوط الهمة أن ترتبط الآمال بالتافه من الأحوال».
كل الأمم والشعوب يتفقون على أن علو الهمة درب النجاح، وأن تضاؤل الهمة لا ينتج إلا الضعف، والعيش التعيس.
ما زال ديننا الحنيف يؤكد فينا معاني القوة، ويزهدنا في الخمول، وكذلك دروس الحياة تشرح لنا أن الذي غَيّروا وأثّروا لم يكن من بينهم خامل متواكل، بل كلهم شديد الطُّمُوح، حديد الجُمُوح.
متى تشربت النفس هذه المعاني صارت أشبه ما تكون بالطبيعة فيها، وكانت اللقمة التي يكسبها المرء المثابر بجهده ألذ طعمًا ورائحةً في فمه من اللقمة السائغة التي توضع في فمه دون جهد.
إنها معانٍ لا يدركها إلا أفذاذ من طراز خاص، فما الذي يمنعك أن تكون منهم، وكل شيء يقول إنك تشبههم شكلًا وروحا؟!
اليوم بسم الله فابدأ، وبِهِ استعن وعلى بركته انطلق، وبتوفيقه اصعد، وتوكّل عليه ثقةً ويقينًا ..وحينها أستطيع أن أجزم لك بأنّ موعدك الفلاح.
#خالد_بن_ابراهيم_الجريوي

جاري تحميل الاقتراحات...