ربما هذه التغريدة بالذات فرصة للحديث عن مسألة المدارس الخاصة ومناهجها والضجة التي حدثت خلال الأسبوع الماضي، أقول أن المشكلة الحقيقية هنا في عدم إدراك المشتغلين بهذه المدارس للأبعاد الفلسفية للمفاهيم المسلّمة في المدارس الدولية، مثل مفهوم "الدولية" و"العالمية" وما شابههما.
مفاهيم مثل الدولية والعالمية وتنوّع الجنسيات والأعراق والأديان داخل سقف المدرسة الواحدة = له خلفية فلسفية ومجموعة قيم يراد تحقيقها نحن سلّمنا بها دون أن نعرف مآلاتها، أو لا نعرف البناء المعرفي للطالب ومدى تحقق الأهداف المرجوّة فيه، لأننا نحن لا نعرف ماذا نريد لأبناءنا أصلا.
بعد التعريب القسري للمناهج الحكومية في قطر، لجأ الناس للمدارس الدولية أو التي تدرّس "بالأنجليزية"، لأنه كما قلت سابقا أن الناس تبع للسوق والسوق لم يعرّب فلماذا إذن يريد ولي الأمر أن يتعلّم ابنه بالعربية؟ وللتحقيق: فإن التدريس بلغة أجنبية يختلف عن تدريس اللغة الأجنبية.
المسألة هنا ليست مؤامراتية ولا زرع خفي لقيم أجنبية، نحن أنفسنا تقبّلنا مفهوم المواطنة العالمية ومعجبون لتجربة الأمم المتحدة والـ multiculturalism ومفهوم المواطنة نفسه والتسامح والتعايش الخ من المفاهيم الحديثة التي تسبقها مجموعة من التصورات الفلسفية وهذا مآله: فلماذا الفجع؟
والفكرة المسيطرة على أولياء الأمور والقطريين العاملين في هذه المدارس بل وحتى المسؤولين في وزارة التعليم= أن التجاوزات هذه تحل بزيادة المراقبة على المنهج وحذف ما يتعارض مع القيم والأمور ستنضبط متى أدرك الأجنبي أننا ناس نقدّس عاداتنا وديننا وخلاص! بينما الأمر ليس كذلك تماما!!
وأقول دائما في ما يشبه هذا الشأن: أن تبني الطالب بناءا معرفيا بعيدا عن رؤيتك الكونية وفلسفتك الخاصة بك تتجنّب فيه المعارضة الصريحة للدين= لا يعني أنك لا تنشئ بنيانا معرفيا مصادما في شكله الكلي، نحن نفتقر لنظرية فلسفية تربوية تنطلق من رؤيتنا وفلسفتنا، فإذن المراقبة ليست مجدية.
المفاهيم والتصورات التي تمر عبر المنهج الخفي من المدرّس "الدولي" هي عندي أخطر بكثير من خطأ يظهر هنا وهناك في مناهج تلك المدارس، هذه المدارس تتبنّى نظاما قيميا بعيدا عن تصوراتك وفلسفتك في التعامل مع المعرفة نفسها ولذلك كان من الطبيعي أن لا ينتبه من وضع المنهج وانتبه ولي الأمر.
وثمة مسألة أخرى غاية في الأهمية، هذه المدارس مليئة بالاستسلام للرجل الأبيض، كمية الاستسلام له وللمفاهيم التي يتحدث بها وللطريقة التي يدير بها المدرسة= أمر فوق أن يتم تصوّره من عوام الناس، هذه الانبطاح يبدأ من المسؤول القطري مرورا بالطالب وانتهاءا بولي الأمر.
أحد هذه المدارس "الدولية" التي تحمل اسم قطر في شعارها: منذ أن تأسست منذ ما يقارب العقدين لم يترأسها غير رجل أبيض، ويتم استبعاد غيرهم بمجرّد الترشّح، خذ هذا وقسه على المفاهيم والقيم في المدرسة ومن ثم آخرا يأتي المنهج اللي الناس زعلانة منه!!!
وهذه ليست ملاحظة خاصة بنا، ابحث عن الـ Whiteness as a capital في حقل الدراسات الاجتماعية التربوية أو الفلسفة التربوية لتعرف ما أقول، عشرات الدراسات والأبحاث السنوية التي تنشر تتكلم عن هذا المفهوم في مختلف الدول في العالم، المسألة ليست قلة مراقبة، في قطر خصوصا لن تنقصنا مراقبة :)
تتبعت في فترة مضت ما يتم تدريسه في كليات التربية في دول الخليج بل وحتى الجامعات العربية، أغلب ما يهمهم هو كيف يضبط المدرّس صفه، وكيف يستخدم التكنلوجيا وكيف يصبح مهرجا ليتم إدماج الطالب في الدرس، لكن لا أحد يطرح
فلسفة تربوية، ولا أحد اجتهد ليتم بناء أساس فلسفي للمناهج!
فلسفة تربوية، ولا أحد اجتهد ليتم بناء أساس فلسفي للمناهج!
في قطر لا أحد يجيب أصلا عن كيفية معارضة القيم الدينية، أو التقاليد الوطنية، أو الهوية الوطنية، لا أحد يعرف ماهية هذه المفاهيم أساسا، الكل يتحدث في عموميات ومفاهيم عائمة، بل لا أحد أصلا وجدته منزعج من غياب أجوبة عن تلك الماهيات.. لأن عوار الراس يكمن التفاصيل ربما :)
ما الحل؟ لا أدري حقيقة، أحد الدراسات التي تناولت إحدى هذه المدارس وجدت أن حتى المعلّم المتديّن مثلا يعيش اضطراب هوياتي بين أن يدرس أبناءه في هذه المدرسة ليحصلوا على شيء من الرأسمال الثقافي في مجتمعهم وفي ذات الوقت يشعر بالأسى على حالتهم الثقافية. المسألة ليست بتلك البساطة!
ربما نحن بحاجة في أول الأمر لتشجيع البحث التربوي الفلسفي، يترجم ما كتب في هذا الحقل ويستكتب الباحثين المسلمين لأنتاج فكري قد يرسم أول طريق حل الأزمة، أما الحلول التي تتعلّق بالمراقبة والتشديد فيها، فالأولى إصلاح المناهج الحكومية التي يبدو أنها رايحة ذاك الصوب على ما يبدو :)
أخيرا: في مثل هذه الحقول، تجنّب اللجوء للتفسيرات المؤامراتية، أغلب هذه المدارس تم تأسيسها على يد تربويين قطريين، اختاروا بأنفسهم الاتجاه "الدولية، العالمية" واختاروا بأنفسهم أن يتسيّد عليهم الأبيض فلسفيا وإداريا ونفسيا ..بل ودينيا ، المشكلة فينا وفي وعينا لا في غيرنا.
جاري تحميل الاقتراحات...