ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

27 تغريدة 370 قراءة Sep 15, 2021
عبدة محررة وجاسوسة وممرضة ومباركة من الرب وأول امرأة تقود معركة حربية خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وأول سيدة من أصل أفريقي مزمع وضع صورتها على الدولار الأمريكي، من هي وما القصة ولماذا كل هذا الاحتفاء بها؟
#حياكم_تحت 🌹
في زمن خطّت فيه العبودية ذاتها كأمر مسلّم به، امتلكت عائلة بروديس القاطنة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، جمعًا من العبيد يقومون على مزرعتهم مترامية الأطراف، من بين هؤلاء العبيد حطاب وطباخة، سُمِح لهما أن يتزوجا عام 1808 في ظلال هذا التملك وتلك العبودية.
أنجب الزوجان تسعة من الأبناء، عاشوا جميعًا في وئام وسعادة رغم ما يعانونه من شظف عيش مدقع وشقاء عميم، وذلك قبل أن تأخذ حياتهم في التقلب والتبدل حين شرعت عائلة بروديس (المالكة لهم) في بيع بعض الأبناء، لقد باعت الثلاثة الكبار منهم، وأبقت على الستة الآخرين!!
بعد بيع الكبار وجدت أرامنتا الابنة الوسطى ذاتها أكبر إخوتها، حيث عمدت إلى معاونة أمها في رعاية إخوتها الصغار والقيام على أمرهم، بالإضافة إلى ما أسند إليها من أعمال من مالكيها، كعملها كجليسة أطفال لأبناء السيدة سوزان، والتي كانت لاتتورع عن معاقبتها وجلدها مع كل بكاء لرضيعها الصغير
جلد مؤلم متكرر لا تزول آثاره عن الجسد، دفع أرامنتا إلى الهروب كثيرًا، ذات مرة وجدت ذاتها مختبئة في حظيرة للخنازير، ظلت فيها مدة خمسة أيام، أيام صعبة تقاتلت فيها مع الخنازير على الطعام، وبعد أن تضورت جوعًا عادت أدراجها إلى الجلد أعني إلى بيت السيدة سوزان.
أصيبت أرامنتا في رأسها إصابة بالغة من أحد المراقبين البيض، حين رماها متعمدًا بأحد مثاقيل الميزان، شج المثقال رأسها وتسبب في إغماءات مزمنة استمرت معها مدى حياتها، لقد باتت غير قادرة على العمل بنفس المجهود السابق، هنا قررت عائلة بروديس المالكة لها بيعها.
حين نما إلى أرامنتا رغبة آل بروديس في بيعها، تقدمت عليهم خطوة وشرعت على الفور في الهروب، تسللت ليلا حتى وصلت إلى نفق للسكة الحديد، والذي كان مفيدا جدا في هروبها، ثم سارت من بعده بمحاذاة نهر تشوبتانك حتى وصلت إلى بنسلفانيا سيرًا على الأقدام كل هذا على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع.
لاحقًا وبعد وصولها تخلت أرامنتا عن اسمها، واستبدلته باسم أمها هاريت مضافًا له اسم زوجها توبمان الذي توفى عنها في وقت سابق، هنا في بنسلفانيا استنشقت هاريت أولى نسمات الحرية، وشرعت على الفور في العمل ضمن وظائف شاقة لتوفير قوت يومها، غريبة في مكان غريب لكن كفى بالحرية حياة.
تأملت هاريت بسعادة ما تنعم به من انفكاك عن الاستعباد، لكنها عادت أدراجها إلى حزن دفين يملؤها على أسرتها وبقية المستعبدين الذين يعانون الأمرين في الساحل الشرقي بميريلاند، لذلك قررت العودة إلى هناك من أجل إنقاذهم من ضيم العبودية وتهريبهم باستخدام نفس الطريق والطريقة التي فرت بها.
ضربت هاريت موعدًا دائمًا مع الشتاء، فهو أنسب الأوقات لمساعدة مستعبدين على الفرار، فالليل طويل مظلم وجميع من لديه بيت يأوي إليه دون تردد هربًا من الصقيع والثلوج، فيما الخارج أو الطرقات ملك للمشردين والمستعبدين وترحب على الدوام بالفارين.
على مدى أحد عشر عامًا من موعدها الأول الذي كان عام 1851، نجحت هاريت في التردد على الساحل الشرقي، ضمن ثلاثة عشرة حملة، أنقذت خلالها 300 عبد من ضمنهم أشقاؤها الثلاثة: هنري وبين وروبرت، وزوجاتهم وعدد من أطفالهم، كما زودت آخرين بمعلومات دقيقة حول طرق الهروب الآمنة.
تسببت هاريت في إزعاج شديد لذوي العرق الأبيض من مالكي العبيد، وهو ما حذا بهم إلى إعلانات كثيرة تعد من يقبض عليها بمكافآت سخية، حيث وصل مجموع المكافآت التي أعلنها مالكو العبيد على طول الساحل الشرقي إلى ما يقارب الأربعين ألف دولار، وهو رقم كبير وكبير جدًا حينها.
كانت هاريت ذات إيمان مسيحي عميق، تسير في مهماتها لإنقاذ الآخرين بكل حب وبكل إخلاص ممكن، فيما تخبر الناس دومًا أن الله يخاطرها في نفسها ويرشدها في طريقها، وأن ثمة أصوات وروئ ترافقها دومًا في إغماءاتها المتكررة، لذلك التف حولها كثيرون ودعموا مسيرها!
في عام 1861 اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية بين جيش الاتحاد وبين الولايات الانفصالية، في تلك الفترة عملت هاريت كممرضة مع جيش الاتحاد، تحضر العلاجات، وتعالج الجنود، وتساعد المصابين بالجدري، وبسبب عدم إصابتها بالمرض انتشرت شائعات قوية تعزز ما تدعيه من كونها مباركة من الرب.
انتمت هاريت إلى جيش الاتحاد لما عرفته عنه من نية لإلغاء العبودية بشكل تام، وبعد أن تحقق ذلك بإعلان تحرير العبيد الذي أصدره أبراهام لنكولن عام 1863م، لم يكن كافيًا بالنسبة لـ هاريت أن تقف بمجهودها عند حدود المساعدة الإنسانية كممرضة، فكان اشتراكها المباشر في تطبيق هذا التحرير.
وضعت ذاتها تحت أوامر القيادة العسكرية التي ارتأت خبرتها الكبيرة في التعامل مع الطبيعة الوعرة، فأسندت لها قيادة مجموعة استطلاعية ترسم خرائط وتستكشف المناطق المنعزلة داخل أراضي العدو، وعبر ذلك الاستطلاع قدمت هاريت معلومات استخباراتية دقيقة ساهمت في احتلال منطقة فيل في كاليفورنيا.
بعد هذه المعلومات الاستخباراتية عينها العقيد جيمس مونتقمري كمستشارة له، ورافقته خلال هجومه على مجموعة شاسعة من المزارع قرب نهر كومباهي، حيث تمكنت القوة من إضرام النيران في المزارع وتدمير بنيتها التحتية، ثم قفل الجنود عائدين إلى قواربهم البخارية.
أطلقت القوارب صفارتها لتدوي في جميع الأرجاء، حينها أدرك عبيد المنطقة الصفارات تخص جنود الاتحاد، ففروا جميعًا يتدافعون في مشهد مهيب نحو الشاطئ حيث كانت هاريت في انتظارهم، ووفرت لأكثر من 750 شخصًا منهم مكانا على القوارب التي قفلت بهم نحو بوفورت محررين.
جزاء لجهدها الاستثنائي مع قوات الاتحاد؛ خصص له الجيش الاتحادي مؤونة دورية، لكنها اعتذرت عنها حتى لا يظن أقرانها من المحررين أنها تتلقى معاملة خاصة، ثم بدأت في تحصيل رزقها عبر مهن بسيطة مثل بيع الفطائر والبيرة النباتية وغير ذلك، ثم لم يلبث أن ضاق بها الحال ماديا.
تزوجت عام 1869 من نيلسون ديفيز أحد العسكريين القدامى المرافقين لها، وعاشا معا في مدينة أوبورن مدة 20 عاما، وقاما بتبني طفلة عرفت باسم جيرتي، وانصب اهتمام هاريت في تلك السنوات على دعم قضايا المرأة والمطالبة بمنحها الحق في التصويت والانتخاب، عبر عديد من الفعاليات.
حتى العام 1890 كانت لا تزال هاريت تعاني بشدة من إصابة رأسها التي تعرضت لها وهي صغيرة، حيث احتاجت إلى الخضوع لعملية عاجلة في الدماغ، وقد أجريت لها العملية دون أي مواد تخدير، إذ طلبت رصاصة وعضت عليها كما كان جنود الحرب الأهلية يفعلون عند بتر أطرافهم.
في عام 1903 قامت هاريت بالتبرع بعقار كبير يحيط به قطعة أرض شاسعة تتعدى أكثر من 100 ألف متر بنيويورك، تبرعت به لصالح الكنيسة الأسقفية الميثودية، بغرض تحويله إلى بيت للمسنين المعوزين، وقد افتتح عام 1908 وحمل اسم توبمان وأقيم له حفل كبير كانت فيه هي ضيف الشرف.
على الرغم من عطائها اللا محدود للغير إلا أن هاريت ومع تقدمها في السن عانت بشدة من فقر مدقع، وهو ما حدا بصحيفة نيويورك عام 1911 إلى وصفها بالمريضة المفلسة، فأطلق مناصريها حملة تبرعات تهدف إلى دعمها وإعانتها، وقد استجاب للحملة كثيرون.
محاطة بالأصدقاء وأفراد أسرتها، تلفظت هاريت أنفاسها الأخيرة في الحياة عام 1913 بسبب إلتهاب رئوي حاد، حيث دفنت في مقبرة فورت هيل في مدينة أوبورن مع مرتبة الشرف العسكرية، مع كثير من التقدير والاعتبار لشخصها وتاريخها حيث وضعت لوحة تحمل صورتها على محكمة المدينة.
بعد ذلك خلد اسم هاريت في التاريخ الأمريكي من خلال كثير من الإشارات، فقد أطلقت البحرية الأمريكية اسمها على إحدى سفنها، لتكون بذلك أولى سيدة أفريقية تحظى بذلك، وفي عام 1978 أطلق البريد طابعًا بريديًا تكريميا لها، وفي 2013 قرر أوباما وضع صورتها على الدولار.
اختار أوباما أن توضع صورتها على فئة العشرين دولار، وأن تحل في ذلك محل الرئيس السابق أندرو جاكسون الموضوعة صورته بالفعل والذي تلاحقه اتهامات عنصرية تجاه السود، ومع قدوم ترامب عطل الرجل هذا القرار، لكن بايدن قرر التعجيل من تنفيذه خلال الأشهر القادمة.
وفي حال نُفِذ القرار ستكون هاريت توبمان أول شخصية أمريكية من أصول أفريقية يتم وضع صورتها على الدولار الأمريكي، وأول سيدة تطبع صورتها على أوراق النقد الأمريكية خلال أكثر من 100 عام، حيث سبقتها واشنطن السيدة الأولى السابقة وزوجة الرئيس جورج واشنطن عام 1891.

جاري تحميل الاقتراحات...