43 تغريدة 43 قراءة Sep 13, 2021
تحت عنوان “كيف أصبحت حربٌ حربًا صليبيَّة”، نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 11 مارس من عام 2003 ميلاديًّا، أي قبل اجتياح العراق بأيَّام قليلة، مقالًا يعبِّر عن إيمان الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دابليو بوش، بعقيدة التدبيريَّة الإلهيَّة، ناقلةً عن قوله
“الأحداث لا تتحَّكم فيها الصدف أو التغيير الأعمى، بل يدُ الربِّ العادلة الأمينة”. اعتقد بوش أنَّ انتخابه رئيسًا كان وفق مخطَّط إلهي، حتَّى أنَّه صرَّح لصديق له، كان حاكمًا لولاية تكساس، بأنَّه يعتقد أنَّ الربَّ أراده يترشَّح للرئاسة.
ذكرت دراسات عديدة في الشرق والغرب أن هناك أبعادا أخرى للحروب الصليبية تم إخفاؤها عمداً عن صفحات التاريخ، وكان من أحدث هذه الدراسات التي صدرت حديثاً كتاب “اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبيبة” للباحث المصري د. بهاء الأمير، حيث أشار إلى أن تلك الحروب
لم يكن لها من المسيحية إلا الغلاف والقشرة، أما في جوهرها فكانت يهوديةً خالصة.
كتاب “الدم المقدس: الكأس المقدسة” لميشيل بيجنت وهنري لنكولن ، وما كتبه روبرت لوماس أحد الخبراء في تاريخ الجمعيات السرية وأشهر من أرَّخ للماسونية، وألبرت بايك سيد الماسونية في القرن التاسع عشر وغيرهم، ورجّح من خلالها وجود تلك الدوافع الخفية للحروب الصليبية.
وتفصيل ذلك أن أوروبا عرفت منذ القرن الثالث الميلادي ظهور ما يعرف بالأسرة الميروفنجية، وهي مجموعة من الأسر التي ترتبط فيما بينها بعلاقات نسب ومصاهرة قوية، وتعتبر الفرع الأكبر والأشهر من قبائل الفرانكا (الفرنجة)
والتي كانت تضم فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغرب ألمانيا وجزءاً من أسبانيا، ولم تدخل في المسيحية إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث أنشأت سلسلة أديرة خاصة بها في كل أنحاء غالة ودعمتها مادياً ومعنوياً لضمان ولائها لها، ولتبثَّ من خلالها أفكارها في أتباعها، حتى نجحت بالتدريج في التغلغل
بالمجتمع وصولاً إلى الطبقة الحاكمة، ولتصل في النهاية إلى تأسيس مملكة دينية من الأديرة والكنائس تنافس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وتمنع تسرُّب أفكار الفاتيكان إلى شعوب “غالة” التي صارت تحت حكمها.
ويؤكد في كتابه اعتماداً على وثائق ودراسات غربية أن نسب الأسر الميروفنجية يعود إلى من بقي من سبط بنيامين (أحد أسباط بني إسرائيل الإثني عشر)، الذين فروا بحراً إلى أوربا بعد خراب الهيكل الثاني في القدس على يد الرومان واستقروا فيها، ثم حرصوا على التصاهر مع أسر يهودية
من سبطي لاوي ويهوذا، أي أن جذورهم تعود إلى بني اسرائيل ودينهم اليهودي، وأن اعتناقهم المسيحية كان مجرد غطاء.
ولاحقاً، نجحت تلك السلالة من خلال رهبان الأديرة التي أسستها في اختراق الكنيسة الكاثوليكية نفسها
واستطاعت إيصال ستٍ من الباباوات ذوي الأصل اليهودي إلى رأسها، وكان أشهرهم البابا أوربان الثاني الذي أوقد شعلة الحروب الصليبية، فقد كان راهباً يرأس دير كلوني، أحد أكثر أديرة الأسرة الميروفنجية نفوذاً وثراءً.
بهذا يمكن فهم أبعاد العبارة التي افتتح بها البابا خطبته الشهيرة في كليرمون عندما قال “يا شعب الفرانكا (الفرنجة) العظيم القادم عبر الجبال،يا شعب الله المحبوب المختار.فقد كان يوجه خطابه إلى الفرانكا وليس إلى المسيحيين أو المؤمنين،ووصفهم بأنهم شعب الله المختار، وهو أسلوبٌ يهودي خالص
كان أمراء أوروبا يتعاونون مع رهبان تلك الأديرة لتهيئة الأجواء باتجاه الحرب، فوثقوا صلاتهم بالإمبراطور البيزنطي (الأرثوذكسي) وأقنعوه بضرورة الاستعانة بهم لمساعدته في صراعه ضد السلاجقة المسلمين، وعندما استنجد بهم فعلاً أثاروا مشاعر الجماهير للزحف تجاه الأرض المقدسة.
ومن الملفت أن قادة الحملة الصليبية الأولى اتفقوا على أن تعيين غودفروي دي بويون حاكماً للقدس (أورشليم) بعد السيطرة عليها، ولم يكن اختياره مصادفةً إذ كان أصرحهم نسباً في الأسرة الميروفنجية، فهو سليل داوود عليه السلام
مما جعله في دين اليهود وريث أورشليم الشرعي، ويبدو أن استعادة القدس وتنصيب ملكٍ من بني إسرائيل عليها هو الهدف الحقيقي للحملة الصليبية.
وبالرغم مما قلناه عن الدوافع الاقتصادية للحرب فقد كانت متداخلة مع العقيدة، إذ تؤكد مصادر عديدة أن اليهود كانوا سادة المال والتجارة في أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، وأن التجارة بين أوروبا والعالم الإسلامي أصبحت في أيديهم بحلول القرن العاشر الميلادي
فكان تدبيرهم للحملات الصليبية وسيلة لاستكمال سيطرتهم على المال والتجارة العالمية، حيث راجت التجارة أثناء الحروب الصليبيبة وأثرى التجار (ومعظمهم من اليهود) ثراءً فاحشاً.
ولعل السِّمة اليهودية الأبرز للحملات الصليبية تتجلى في منظمة “فرسان الهيكل” التي كانت أشهر منظمة عسكرية في تاريخ أوروبا، علماً بأن اسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.
ويكتنف الغموض تاريخ هذه المنظمة، إلا أن ما كشفته بعض الدراسات الحديثة ساعد على ربط الكثير من الخيوط وكشف خفاياها، فقد أنشأها عام 1118م رجلان أحدهما الكونت دي شامبان رأس الأسر الميروفنجية، والآخر هو القديس برنار دي كليرفو رأس مملكة الأديرة التي أنشأتها تلك الأسر
وبذلك يعتبر الفرسان نموذجاً مثالياً للتحالف الوثيق بين تلك الأسر والأديرة التي كونتها ومولتها.
“كنيسة المعبد” التي كانت مقرا لفرسان الهيكل في لندن ويبدو من مظهرها أنها كانت أقرب للقلاع من الكنائس المسيحية
نجح دي كليرفو في اختراق الكنيسة الكاثوليكية حتى أصبح أهم مستشاري البابا
وأقام علاقات وثيقة مع ملوك أوروبا وأمرائها، واستطاع بنفوذه الحصول على اعتراف البابا بفرسان الهيكل ومباركته، حتى منحها من الامتيازات ما جعلها خارج سلطة الملوك والأمراء والأساقفة.
في كتابه "كيف تخطط حملة صليبية" How to Plan a Crusade: Religious War in the High Middle Ages &(منشورات بيغاسوس، 432 صفحة)، يركّز كريستوفر تايرمان، العالم غزير الإنتاج، على دحض التصور الشعبي بأنّ الحملات الصليبية كانت اندفاعًا غير عقلاني.&
ربما يبدو أمرًا منحرفًا الاعتقاد بأن الله أراد تحرير الأراضي التي غزاها المسلمون قبل قرون، وكذلك القضاء على الوثنيين في البلطيق وذبح الهراطقة في جنوب فرنسا وإيطاليا. لكن، في ذلك الوقت، قال رجال الدين المدربين تدريبًا عاليًا أن الجرائم ما ارتكبت بحق المسيحيين فحسب
بل أيضًا بحق المسيح نفسه، وهي جرائم احتاجت عقابًا من المسيحيين ذوي النيات الحسنة.
بمجرد قبول هذه الفرضية من البابوية والهرمية الكنيسة، انتشرت الجهات المجنِّدة وجامعو التبرعات في أنحاء أوروبا الغربية في حملات مصمّمة بإتقان غالبًا ما كانت ناجحة
للغاية لتجنيد المحاربين وجمع الأموال لإرسالها واستخدامها ضد العدو. كان رجال الدين المتعلمون في الجامعات جيدين بشكل خاص في تطوير حجج معقدة وعقلانية لدعم الصليبية، ونشروها في التجمعات العامة، والأطروحات والرسائل.
كانت الحروب الصليبية مكلفة: احتاج القادة دفع ثمن الأسلحة والخيول والدروع والإمدادات للحملات الموسعة. حتى الفرسان أو النبلاء الأكثر تديّنًا وإخلاصًا توقّعوا أن يقبضوا مقابل خدماتهم، كما فعل رجالهم الذين يعملون بالأسلحة، وكأمناء مخازن، وطهاة، وخدم، وأسياد سفن
لم تسجِّل أيٌّ من المؤسَّسات التبشيريَّة الأمريكيَّة اعتراضًا على إعلان إدارة بوش الابن الحرب على العراق؛ بل حرص قساوسة الكنيسة البروتستانتيَّة على تشجيع الذهاب إلى العراق، الذي وجدوا فيه أرضًا خصبة لنشر عبادة المسيح
يُذكر في هذا السياق أنَّ فرانكلن جراهام قد أعلن أنَّ منظَّمته التبشيريَّة، شبكة الإنقاذ، على استعداد لتقديم المساعدة في إفساح الطريق أمام الجيش، من خلال تحريف المسلمين عن عقيدتهم.
أنَّ التبشير والاستشراق من أهم وسائل الإعداد الذهني للمسلمين للتدخُّل الغربي في بلادهم، بأن يعتبر المسلمون الغزاة المحتلِّين هداة ومصلحين جاءوا لإخراجهم من ضيق الشريعة إلى آفاق المدنيَّة والحداثة.
ويُنسب إلى فرانكلين جراهام قوله بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة “إنَّ إله المسلمين ليس هو نفس إلهنا. إنَّه ليس ابن الله…إنَّه إله مختلف، وأؤمن بأنَّ الإسلام عقيدة الشيطانيَّة وشريرة”،
وبتاريخ 7 أكتوبر من عام 2005 ميلاديًّا، نشرت صحيفة الجارديان البريطانيَّة مقالًا عنوانه “جورج بوش: الربُّ قال لي اذهب واقضِ على الاستبداد في العراق”، ينقل عن نبيل شعث، وزير الخارجيَّة الفلسطيني الأسبق، قوله أنَّ الرئيس جورج دابليو بوش قد صرَّح أمام عدد من السياسيِّين في حضوره،
بأنَّ مخوَّل من قِبل الربِّ بشنِّ حلمة في منطقة الشرق الأوسط لنشر الديموقراطيَّة وإحلال السلام. نقلًا عن شعث، قال بوش “الربُّ قال لي: ‘يا جورج، اذهب وحارب هؤلاء الإرهابيِّين في أفغانستان‘؛ ففعلتُ.
والآن، من جديد، أشعر بكلمات الربُّ تخاطبني ‘اذهب إلى الفلسطينيِّين في دولتهم، ووفِّر للإسرائيليِّين الأمان، وأحلَّ السلام في الشرق الأوسط‘، وبعون الربِّ، سأفعل”.
غير أنَّ الإدارة الأمريكيَّة، وبرغم كلِّ التسهيلات التي منحتها للمؤسَّسات التبشيريَّة المصاحبة للقوَّات الأمريكيَّة عند اجتياح العراق، شعرت بحرج في التصريح الرسمي بأنَّ حربها على العراق هدفها الأساسي هو التَّنصير
صحيفة نيويورك تايمز في مقال يحمل عنوان “أمَّة في حرب: إرساليَّات تبشيريَّة وجماعات تنتقد الإسلام تنتظر تقديم العون للعراق”، في 4 أبريل من عام 2003 ميلاديًّا، أي قبل بضعة أيَّام من سقوط بغداد في 9 أبريل من العام ذاته.
يشير المقال إلى أنَّ اثنتين من المنظَّمات التبشيريَّة الإنجيليَّة-الجمعيَّة المعمدانيَّة الجنوبيَّة وصندوق السامري-اشتهر قادتها بالإساءة إلى الإسلام انضمَّتا إلى فرق المساعدة، التي تنتظر على الحدود العراقيَّة لتقديم الإغاثة الإنسانيَّة، ومعها “رسالة إنجيليَّة”
إلى دولة غالبيَّة سكَّانها من المسلمين. غير أنَّ ذلك الموقف شكَّل معضلة أمام إدارة الرئيس بوش، التي لا تريد إقصاء الكيان التبشيري المصاحب للقوَّات المحاربة، ولكنَّها لا تتحمَّل تبعات اعتبار الحرب على العراق “حربًا صليبيَّة” لتنصير المسلمين.
يعتقد المبشِّرون أنَّ في مشاركة الإنجيل اتِّباعًا لأمر يسوع “تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (إنجيل متَّى: إصحاح 28، آية 19)
وقد تركَّزت جهود الجماعات التبشيريَّة في العقود الأخيرة على ما أطلق عليه المبشِّر لويس بوش عام 1990 ميلاديًّا “نافذة 10-40″، وهي المناطق الواقعة في نصف الكرة الأرضيَّة الشرقي، بالإضافة إلى الجزء الأوروبي والإفريقي في نصف الكرة الأرضيَّة الغربي، والتي تقع ما بين خطوط 10 و40 درجة
أمَّا عن سبب ذلك التركيز، فهو أنَّ تلك “النافذة” هي أقل مناطق العالم التي وصلتها رسالة المسيحيَّة ومساعدات المنظَّمات التبشيريَّة، برغم معاناتها من ظروف اقتصاديَّة واجتماعيَّة قاسية
وقد ذكر ممثِّلو الجمعيَّة المعمدانيَّة الجنوبيَّة وصندوق السامري، أنَّهم تجاوزوا النمط القديم للإرساليَّات التبشيريَّة، التي استخدمت الخُبز لكسب متحوِّلين جدد. وقد قال القُس فرانكلين جراهام، رئيس منظَّمة صندوق السامري الخيريَّة والمبشِّر الإنجيلي الشهير بعدائه للإسلام
أنَّ المسيحيَّة سبقت الإسلام إلى العراق،وإن كانت نسبة المسلمين في التعداد السكَّاني للعراقيِّين زمن الغزو الأمريكي97 بالمائة.أضاف جراهام أنَّ تقديم الغذاء والدواء لا يكون باسم المنظَّمة،إنَّما باسم ابن الرب،نافيًا أن يكون في ذلك إجبارًا بقوله أنَّ المساعدة “ليست جزرة في آخر العصا
يُذكر أنَّ نشطاء يتبعون منظَّمة صندوق السامري كانوا ينتظرون في الكويت والأردن بمعدَّات لتنقية المياه.

جاري تحميل الاقتراحات...