د. عبدالله الشمراني
د. عبدالله الشمراني

@shamrani45

22 تغريدة 43 قراءة Sep 13, 2021
حقوق الطبع مرة أخرى!
تطرقت لهذا الموضوع غير مرة، وحدث له تفاعل كبير، بين منصفين وبين معاندين ومكابرين، ممن استباحوا أكل أموال الناس بالباطل، والإضرار بالعلماء وطلبة العلم والباحثين، وأضروا بحركة التأليف والتحقيق والنشر، وهي من أركان الثقافة الشرعية.
ورأيت لهم بعض الشبهات قد تعلقوا بها جهلاً من بعضهم، ومكابرة من آخرين؛ فرأيت الكلام عليها باختصار، لكيلا يغتر بها جاهل.
فأقول وبالله التوفيق:
1. الأصل في الأعمال الدينية (العلمية والدعوية والإمامة والخطابة...) أنها احتساب، ولكن لو حبس المسلم نفسه عليها، وتعطّلت مصالحه لأجلها،
استحق أجرًا ـ أو رزقًا ـ مقابل عملِه، ووَقْفِه نفسه عليها، ليعف نفسه، ويطعم أهله، ولا ينقطع الخير العلمي عن الناس.
وعلى هذا عمل المسلمين، وله شواهد من السُّنة، وعمل السلف.
2. الأصل في العِلم البذل لوجه الله؛ ولكن لو أن شخصًا ـ أو مكتبًا علميًا ـ أجهد نفسه وألّف كتابًا
أو حقق مخطوطًا، وتعب في جمعه وإعداده وتحقيقه وصفّه وتصحيحه وفهرسته، وبذل في ذلك مالاً وجهدًا حبس له من وقته؛ أصبح مختصًّا بهذا العمل، وله أن يملكه، ويملك حقوقه، ويورثها، وأن يبيعه.
3. من تعب في شيء ونظمه فهو حقّه، ما لم يعتدِ على حق غيره، كرجلٍ غدا إلى أرضٍ وحفر فيها بئرًا،
واستخرج منه الماء، وقام بتنقيته، ووضعه في زجاجات وباعه، أيُؤخذ منه ـ دون رضاه ـ بلا مقابل، أو يُسرق منه، بدعوى (الناس شركاء في ثلاث: الماء...)؟!
4. ماء البحر هبة من الله للناس، وهم فيه شركاء، فأخذت الدولة منه كمية كبيرة، وصنعت مصانع لتحليته وتنقيته، وقدمته للناس
بمقابل (فواتير ماء)، أيستحل أحد أخذه دون تسديد الفاتورة؛ بحجة أن الناس شركاء في الماء، والبحر خلقه الله وسخّره للناس، وليس لأحد أن يملكه؟!
أو يقول للدولة أن تبيعه حتى تسترد قيمة المصانع، ثم بعد ذلك هو حلال للناس، وليس عليهم أن يسددوا الفاتورة؟!
هذه هي نفس حجة مستبيحي حقوق التأليف والتحقيق بالتصوير، ولا فرق بينهم وبين من يقول هذا.
ولكم أن تتخيلوا عِظم الفساد المُترتب على هذا القول، مع أن حاجة الناس للماء أعظم من حاجتهم للكتب.
5. إن سلمنا بالقول بأن مسألة حقوق التأليف خلافية؛ فلا نُسلم بالقول بسرقة مالٍ معروضٍ للبيع،
والكتب المطبوعة اليوم هي أموالٌ تٌملك وتٌباع وتُشترى، وأنفق فيها أموالٌ.
6. ولي الأمر نظر في المسألة واختار ـ للمصلحة ـ القول بإقرار حق (الملكية الفكرية)، وحق التأليف والتحقيق منها، ومنع السطو عليها، ورتب على هذه عقوبة، وأدخل الخصومة فيها ضمن ولاية المحاكم التجارية، فتجب طاعته.
وقد نص الفقهاء على أن الحاكم لو جعل ولاية القضاء لرجل فاسق، أو لامرأة، وحكم في خصومة بقول من الشريعة، وجب إنفاذ قضائه، حتى تنتهي الخصومات، ويرفع الباطل، ولا تتعطل مصالح الناس.
فكيف بطاعته وإنافذ أمره، فيما فيه حفظ لحقوق الناس وأموالهم، أخذًا بقول طائفة من فقاء العصر؟!
7. لا حجة فيمن يقول نصورها اضطرارًا، لنشر العلم بين الناس؛ فالعلم شريف لا ينبغي نشره بطرق محرمة، فيها أكل لأموال الناس بالباطل، وإضرار بعلماء وطلاب علم وباحثين ودور نشر تنشر دين الله.
ثم إن كتب العلم مطبوعة منشورة من عشرات السنين، وليس عليها حقوق، فهي أولى بالتصوير من غيرها.
فما حجة من صورة طبعةً حديثة لـ "شرح النووي على مسلم"، ونشرها (بي دي إف)، وقد تَكلّف المحقق والناشر أموالاً كثيرة لأجل وضعها بين يدي طلبة العلم؟! ألم يسعهم رفع طبعات الكتاب القديمة؟!
وهذا لتعلموا أن الأمر فيه مكابرة وتعنت منهم.
8. في سرقات الكتب وتصويرها (بي دي إف)، قتلاً للجهود وقتلا للروح العلمية للباحثين، وإضرارٌ بطلاب العلم والباحثين ودور النشر والمطابع، وهذا كافٍ في تحريمها، من باب: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال.
9. كلمة (احتسبوا) كلمة إيمانية عظيمة، ولكن صاحب الكتاب تعب فيه وخسر عليه مالاً، ونيته في التأليف والتحقيق يعلمها الله، وليس لنا أن نحاكمه عليها.
ولا ينبغي إدخال هذه الكلمة في النقاش، فنقول عنه: لو كان عمله لله، واحتسابًا لنشر العلم؛ لما غضب من تصوير كتبه.
اتهام الباحثين والمؤلفين والمحققين بأنهم لم يكتبوا لله، أمر خطير.
ثم إن صاحب الكتاب احتسب في وضعه لنفع الناس، وتعب عليه، وحبس عليه وقته لله كذا نحسبه، وهذا الأصل، ولكنه أراد طبعه وبيعه، وليس لأحد الحق في إلزامه بالاحتساب بماله وجهده.
ونقول لدعاة الاحتساب على سرقة الأعمال العلمية:
أتريدون الاحتساب في خدمة العلم ونشره، بوجه ليس فيه شبهة؛ اذهبوا إلى مكاتب التحقيق العلمي أو دور النشر، واحتسبوا عندهم من الصباح حتى المساء، في التأليف والتحقيق والنسخ والمقابلة والتصحيح والتخريج والفهرسة دون مقابل، لنرى هل سيفعلون أو يعتذرون بتعطل مصالحهم.
10. بعضهم يقول: نترك الكتاب يباع سنتين حتى يستردوا خسارتهم ثم نصوره، ومنهم من يجعلها أربع، ومنهم من يجعلها سنة، واختلافهم هذا يدل على عدم وجود معيار لهذا المدة، ثم ما مرجعهم في العِلم باسترداد الخسارة، وهم لا يعلمون كم أُنفق على الكتاب، وكم بيع منه؟!
11. بعضهم يحتج بارتفاع أسعار الكتب وجشع بعض الناشرين؛ وعليه لو أن شخصًا تكلّف في شيء وباعه بغلاء، حلَّت سرقته، وفي هذا فساد للدين والدنيا، وجعل أمور الصناعة والتجارة بين الناس فوضى.
ثم إن كثير من الكتب المباعة بغلاء؛ يوجد لها طبعات بأسعار زهيدة، وبعضها ذو طبعات قديمة
ليس عليها حقوق ومصورة (بي دي إف)، وبعضها ليس من أركان العلم الشرعي اللازمة لدينه ودنياه، فليس في حاجة إلى سرقتها اضطرارًا.
12. اقتحام مستودع المكتبة التجارية ليلا والسرقة منها، لا يقول به أحد، وهو عملٌ لا يختلف عن تصوير الكتب (بي دي إف) دون أذن أصحابها؛ بل التصوير شر من ذلك؛
لأن اللص يقتحم المكتبة ويسرق نسخة أو نسختين، وهذا يسرق نسخة ويقدمها لكل الناس مجانًا، فيحرم الناشر من بيع الكتاب الورقي، أو بعضًا منه.
13. يقولون: الكتاب الورقي له رواده وأصحابه، ولن يتأثر بتصويره ونشره مصورًا؛ وهذا غريب فالكلام على حكم سرقة حقوق الكتب، وليس عن المفاضلة
بين الورقي والمصور، وأيهما أكثر رواجًا.
14. يقولون: نقول لأصحاب الحقوق.. أين حقوق مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم...؛ وهذا عجيب فالمؤلفون والباحثون والمحققون لم يحتكروا النسخ الخطية لكتب هؤلاء ويبيعوها ويمنعوا تصويرها، بل هم اختصوا بما نسخوه وقابلوه وصححوه وحققوه ودرسوه
وعلقوا عليه وفهرسوه وطبعوه؛ فهم يمتلكون حق جهود علمية وأموال مبذولة، وكتب الأئمة موجودة في دور المكتبات، بخطوطهم وخطوط غيرهم، ولم يقل أحد بتحريم تصويرها ونشرها.
علما بأن الوراقين قديما كانوا ينسخونها بحبر وورق يشترونه ويبيعونها، وكانت حقا لهم، ولا يقول أحد بجواز سرقتها منهم!
وأخيرًا...
فقد أقر المؤلفون والمحققون والناشرون والمكتبات التجارية، بأن التصوير أوقع بهم خسائر كبيرة، وأوقف مبيعاتهم، وعجزوا عن دفع ما التزموا به من رواتب العاملين لديهم، من باحثين وموظفين، وهذا مشاهد وملموس... ومن قواعد الشريعة أنه لا ضرر ولا ضرار، وأن الضرر يزال.

جاري تحميل الاقتراحات...