عن #الحكومة والتّفاهة، تفاهتنا-
نقل أفلاطون عن معلّمه سقراط ما مغزاه: أعرف أنّي لا أعرف شيئاً. قد صحّ هذا القول في أزمنةٍ كثيرةٍ، لكنّه، من بابٍ أولى، أصحّ في زماننا هذا. خلال مسيرتنا التّاريخيّة من التّفاعل الإنسانيّ والإجتماعيّ، لم يمر قطّ زمانٌ كان فيه التّواصل مفتوحاً ومتاحاً
نقل أفلاطون عن معلّمه سقراط ما مغزاه: أعرف أنّي لا أعرف شيئاً. قد صحّ هذا القول في أزمنةٍ كثيرةٍ، لكنّه، من بابٍ أولى، أصحّ في زماننا هذا. خلال مسيرتنا التّاريخيّة من التّفاعل الإنسانيّ والإجتماعيّ، لم يمر قطّ زمانٌ كان فيه التّواصل مفتوحاً ومتاحاً
بالقدر الذي هو عليه اليوم. عالمنا اليوم مفتوحٌ على مصرعيه، إتّصالات، وسائل إعلام، مواقع تواصل إجتماعيّ ...
ولربّما من منظورٍ بيولوجيٍّ، لم نتطوّر كبشر ذهنياً وعصبيّاً وهرمونيّاً بالقدر المطلوب لتلقّي هذا الدّفق المعلوماتيّ الرّهيب وللتّفاعل معه بنحوٍ صحّيّ.
ولربّما من منظورٍ بيولوجيٍّ، لم نتطوّر كبشر ذهنياً وعصبيّاً وهرمونيّاً بالقدر المطلوب لتلقّي هذا الدّفق المعلوماتيّ الرّهيب وللتّفاعل معه بنحوٍ صحّيّ.
فمثلاً، ما نقرأه على وسائل التّواصل من أخبارٍ عاجلةٍ وآراءٍ ومواقفَ خلال يومٍ واحدٍ يعادل كل ما قد خبره إنسانٌ عاش في القرن السّابع عشر طيلة حياته. ولهذا، فنحن مأخوذون، ونتعرّض يوميّاً لحملاتٍ معلوماتيّةٍ وبروباغاندا تكدّر صفونا الذّهنيّ والعاطفيّ والإنسانيّ.
هذه الظّاهرة الغير مألوفة فضحت هشاشتنا كبشر. تلك الهشاشة التي يسعى كلٌّ منها لإنكارها، وجوهرها هو الجهل، جهلنا بالكثير من الموضوعات، لكنّنا بأغلبيّتنا، لسنا أفلاطونيّون، ولا نملك جرأة سقراط بالإعتراف أنّنا لا نعرف شيئاً.
وبهذا، نجد كثيراً منّا ممّن لا يفوّتون فرصةً للتّعليق على أيّ شيء، بأيّ شيء، حرفيّاً كذلك، التّعليق على أيّ شيء بأيّ شيء ... على نضارته أو على وضاعته، المهم أن يكون لنا رأي، رأي نعرف أنّه لن يسمن ولن يغني عن جوعٍ ولن يؤمن من خوفٍ، لكنّه لا بدّ منه، لغايةٍ غرائزيّةٍ وحيدةٍ،
أن نخفي خلفه جهلنا. فبالأمس مثلاً، في بلدٍ مفلسٍ منهوبٍ، يرزح شعبه تحت وطأة أكبر كارثةٍ إقتصاديّةٍ في العالم الجديد، شعبٌ مثلومٌ بالفقر والعوز وإنقطاع أساسيّات الحياة، تشكّلت حكومةٌ ممّن لهم الباع الأطول في إيصال الواقع إلى ما آل إليه. لكن هيهات، فسرعان ما أطلّ علينا أصحاب الرّأي
أو من يسمّون ناشطين أو "إنفلونسرز" بالإصطلاحات النّيوليبيرالية، بإيفاضاتهم، ووجدوا ما يمكن التّعليق عليه، على ضحالته، وعلى سخافته، وتمثّل ذلك في التّوزيع الجندري والطّائفي، وأيضاً مظهر الوزراء الخارجيّ!
بالأمس، هالني المشهد، فقد كان الوزراء السّكسي العنوان الأوّل فيما تناوله المتناولون: "كيف سيكون بوسعنا محاسبتهم إن أخطؤوا، فهم سكسي!!! يا للهول ..." بئس الزّمان الذي نحن فيه. إستحضرني عندها كتابٌ سبق أن إطّلعت على بعض محتواه، "نظام التفاهة" لكاتبه "آلان دونو"،
يدور هذا الكتاب حول فكرةٍ محوريّةٍ، وهي أنّنا نعيش مرحلةً تاريخيّةً غير مسبوقةٍ، تتعلّق بسيادة نظامٍ أدّى تدريجيّاً إلى سيطرة التّافهين على جميع مفاصل الدّولة الحديثة. ونحن في لبنان، على مآسينا الكثيرة، وعلى حاجتنا الغريزيّة للتعامل الجدّي مع أزماتنا الوجوديّة،
نغرق شعباً وحكوماتٍ، ووزراءَ ونوّاباً، وناشطين وناشطاتٍ، وأبويّين ونسويّات، ودينيّين وعلمانيّين، ونخباً وإنفلونسرز، في نظامٍ أوحد، هو #نظام_التفاهة. للأسف-
جاري تحميل الاقتراحات...