سليمان المعمري
سليمان المعمري

@almamari20001

16 تغريدة 31 قراءة Sep 11, 2021
1
في سلسلة التغريدات القادمة سأتحدث عن الملعقة التي لطالما كان لها دور مهم في رحلة البحث عن الحرية، التي كللت بالنجاح أحيانا، واكتفت الملعقة بشرف المحاولة في أحيان أخرى، انطلاقا من مقالي بجريدة عمان اليوم:
omandaily.om
2
ليس هذا مقالا عن السجن أو الهروب، بل عن الملعقةالتي لم تأخذ حقها في المديح لدينا، مقارنة بشقيقتها السكين، تلك التي يحلو لأي حكيم أو مدعي حكمة أن يستشهد بالكليشيه النمطي عنها في تبيان تعدد استعمالاتها في الشر أو "تستطيع أن تقشر بها برتقالة، وتستطيع أيضا أن تقتل بها رجلا"،
3
أما الملعقة المسكينة فظلتْ لا تُذكر إلا في مائدة الطعام، وإن ذُكِرتْ في سواها فلأمرٍ سلبي، مثلما فعل محمود درويش عندما أراد أن يهجو نقاده الذين يودون حبسه في "القصيدة ذاتها، والاستعارة ذاتها" فوصفهم بأنهم يحركون المعنى بملعقة الحساء.
4
مناسبة هذا الحديث هو النبأ الأشبه بالقنبلة الذي طالعتنا به وكالات الأنباء العالمية صباح الاثنين الماضي (6 سبتمبر 2021) عن هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي شديد التحصين، بمساعدة...ملعقة!.
5
نعم، ملعقة صغيرة تمردتْ على دورها المكرور في المائدة واضطلعتْ بدورٍ أصعب بكثير مما فُرِضَ عليها سابقًا لدرجة أن البعض لم يصدق ما فعلتْه حين علم أنها حفرتْ نفقًا طوله خمسة وعشرون مترًا على مدى عام كامل، مُثبتةً أن إرادة الحرية لا يمكن أن تقف في طريقها عقبة.
6
أربعة من هؤلاء الستة كانوا محكومين بالسجن مدى الحياة، وأحدهم أمضى ربع قرن في سجون الاحتلال، ولا شك أن علاقتهم بالملعقة توطدت خلال هذه السنة بعد أن عرفوا أنها سبيلهم الوحيد للخلاص، ولسان حالهم عبارة نجيب محفوظ: "ما أجمل أن تحل مشاكلنا الخطيرة بحبة بعد الأكل، أو ملعقة قبل النوم".
7
في طفولتنا كنا نشاهد المسلسل الكارتوني "السيدة معلقة"بانبهار، ربما لأنها كانت المرة الأولى التي نقف فيها على أهمية أداة صغيرةمن أدوات المائدة كنا نظنها تستخدم فقط لشرب الحساء، فإذا بها تملك أيضا قدرات خارقةتتمثل في تصغير حجم السيدة التي ترتديها في عنقها حتى تصل إلى حجم فأر صغير
8
مما يسمح لها بالحديث إلى الحيوانات وسماع حكاياتها. كان ذلك خيال كاتب نرويجي اسمه ألف برويسن، صاحب الرواية المقتبس منها المسلسل، وربما لأنه خيال، لم نأخذه –حين كبرنا- على محمل الجد، وظلت الملعقة مجرد أداة من أدوات المائدة.
9
لكن الواقع هو الذي يرفد الخيال أحيانا بما يصبو إليه من أعاجيب، ببساطة لأنه أكثر خياليةمنه، فمن يشاهد فيلم "هروب رجل" A Man Escaped للمخرج روبير بريسون (الذي ترجم أديبنا العُماني عبدالله حبيب كتابه "ملاحظات في السينماتوغرافيا") سيظن أنه من نسج خيال المخرج الذي هو أيضاكاتب الفيلم
10
بينما في الحقيقة لم يكن إلا تجسيدا لقصة واقعية حدثت في الحرب العالمية2 لضابط فرنسي تمكن من الهرب من سجن المخابرات الألمانية في حصن مونتلوك في مدينة ليون الفرنسية باستخدم ملعقة لرفع الألواح الخشبية في أرضية زنزانته والهروب إلى الفناء ثم إلى خارج السجن بعد تسلق الجدار الخارجي.
11
لا أدري سر تكرر الملعقةفي محاولات الهروب، ولكن ربما لأنه لايخلو منها مطعم في سجن، في حين يخلو طبعامن المطارق الصغيرة، التي إذا ما أراد سجين أن يهرب بواسطتها(كما هي حال آندي دوفرين في الفيلم الشهير The Shawshank Redemption فعليه أن يتعرف أولا على رجل في السجن قادرعلى جلب أي شيء
12
من خارجه (هو "ريد" في الفيلم وجسد دوره مورجان فريمان)، وبعدها عليه أن يحفر بها سنين طويلة قبل أن ينجح في الهروب. 
هذا الفيلم كان مقتبسا من رواية "ريتا هيوارت والخلاص من شاوشانك" لستيفن كينج. والمدة التي اختارها خيال كينج لسجن دوفراين (أدى دوره باقتدار تيم روبنز) هي 19 عاما.
المدة (19 عاما) هي تقريبا المدة نفسها التي اختارها الواقع هذه المرة للمغربية مليكة أوفقير وأسرتها في إقامة جبرية أولًا ثم أحد السجون السرية في الصحراء الكبرى.
14
تروي مليكة أوفقير في كتابها الشهير "السجينة" أن محاولات الهروب من هذا السجن بدأت في 27 يناير 1987 بنزع بلاطات إحدى الزنازين المظلمة "وذلك بملعقة، ومقبض سكين، وغطاء علبة سردين، وقضيب حديد" انتزعتْه مليكة وإخوتها من أسرّتهم، وبعد عدة أشهر كانت قد نجحت وإخوتها في الهروب.
15
هروب آخر "بالملعقة" حدث 2003، حين نجح 3 أسرى فلسطينيين (هم أمجد الديك، ورياض خليفة، وخالد شنايطة) في حفر نفق في سجن عوفر الإسرائيلي بواسطة الملاعق أيضًا طوله 15 مترا، وهربوا منه ليختفوا عن الأنظار 7 أشهر عاشوا فيها مطارَدين، قبل أن يُقبض على اثنين منهم من جديد، ويُغتال الثالث.
16
كل ما يخص مديح الملعقة له علاقة – كما نلاحظ - بالحرية والهروب من السجون، أما ما عدا هذا فإن للملعقة للأسف حضورًا سلبيًّا في الأدب والفن والحكايات التراثية والأمثال الشعبية، وهذا ما سأقف عليه في مقال الأسبوع القادم. 
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...