١)
سلسلة تغريدات عن (مصادر الأدب وأركانه):
في سبيل معرفة التراث الأدبي وقراءته تواجهنا كلمة ابن خَلدون الذائعة: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصولَ هذا الفنِّ وأركانَه أربعة دواوين: وهي (أدب الكتّاب) لابن قتيبة، وكتاب (الكامل) للمبرِّد، وكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ
=
سلسلة تغريدات عن (مصادر الأدب وأركانه):
في سبيل معرفة التراث الأدبي وقراءته تواجهنا كلمة ابن خَلدون الذائعة: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصولَ هذا الفنِّ وأركانَه أربعة دواوين: وهي (أدب الكتّاب) لابن قتيبة، وكتاب (الكامل) للمبرِّد، وكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ
=
٢)
=وكتاب (النوادر) لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبَع لها، وفروعٌ عنها".
وهذه الكلمة تقتضي النظر والتأمّل: فابن خلدون متأخر (ت ٨٠٨هـ) وليس بين أيدينا -فيما أعلم- من جمع هذه الكتب الأربعة في قَرَن، وشيوخ ابن خلدون هنا مجهولون، على أنه قال عن كتاب (الأغاني):
=
=وكتاب (النوادر) لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبَع لها، وفروعٌ عنها".
وهذه الكلمة تقتضي النظر والتأمّل: فابن خلدون متأخر (ت ٨٠٨هـ) وليس بين أيدينا -فيما أعلم- من جمع هذه الكتب الأربعة في قَرَن، وشيوخ ابن خلدون هنا مجهولون، على أنه قال عن كتاب (الأغاني):
=
٣)
"لعمري إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كلِّ فنّ من فنون الشعر والتأريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يُعدَل به كتابٌ في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب، ويقف عندها، وأنّى له بها؟".
=
"لعمري إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كلِّ فنّ من فنون الشعر والتأريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يُعدَل به كتابٌ في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب، ويقف عندها، وأنّى له بها؟".
=
٤)
فالأغاني مقدّم في رأيه على الكتب الأربعة. ولكنه لم يُجعَل من أركان الأدب وأصوله!
فضلًا على أنه قُرِن بالكتب الثلاثة كتابٌ مختلفٌ عنها، وهو (أدب الكتّاب)، الذي يندرج في الكتب التعليمية الصِّرف، فهو يضع قواعد الكتابة، ويعرض لبعض الفروق اللغوية التي يُحتاج إليها، وما أشبه ذلك.
=
فالأغاني مقدّم في رأيه على الكتب الأربعة. ولكنه لم يُجعَل من أركان الأدب وأصوله!
فضلًا على أنه قُرِن بالكتب الثلاثة كتابٌ مختلفٌ عنها، وهو (أدب الكتّاب)، الذي يندرج في الكتب التعليمية الصِّرف، فهو يضع قواعد الكتابة، ويعرض لبعض الفروق اللغوية التي يُحتاج إليها، وما أشبه ذلك.
=
٥)
وليست المسألة أن (شيوخ ابن خلدون) أرادوا (الأدب) بمفهومه القديم، وهو (الأخذ من كل فنّ بطرف)، إذ لو أُرِيد هذا، لذُكِرتْ كتبٌ في النحو والتاريخ والتراجم والبلدانيات وغيرها.
ثم نقف على كلمة لابن سعيد الأندلسي، نقل فيها أن شيخه الأعلمَ البَطَلْيَوسي قال له:
=
وليست المسألة أن (شيوخ ابن خلدون) أرادوا (الأدب) بمفهومه القديم، وهو (الأخذ من كل فنّ بطرف)، إذ لو أُرِيد هذا، لذُكِرتْ كتبٌ في النحو والتاريخ والتراجم والبلدانيات وغيرها.
ثم نقف على كلمة لابن سعيد الأندلسي، نقل فيها أن شيخه الأعلمَ البَطَلْيَوسي قال له:
=
٦)
"عليك بأركان الأدب الأربعة، (البيان) للجاحظ، و(الكامل) للمبرِّد، و(الأمالي) للقالي، و(الزهرُ) للحُصْري".
وابن سعيد نفسه يذكر أنه قرأ على بعض مشايـخه كتاب (الذخيرة لابن بسّام)، وقراءة الكتاب على شيخ دليلٌ على أهميته في بابه. وهاهنا اتفاق وافتراق.
=
"عليك بأركان الأدب الأربعة، (البيان) للجاحظ، و(الكامل) للمبرِّد، و(الأمالي) للقالي، و(الزهرُ) للحُصْري".
وابن سعيد نفسه يذكر أنه قرأ على بعض مشايـخه كتاب (الذخيرة لابن بسّام)، وقراءة الكتاب على شيخ دليلٌ على أهميته في بابه. وهاهنا اتفاق وافتراق.
=
٧)
وكأن كلمة ابن سعيد أقرب إلى الحق والمنطق، إذْ (زهر الآداب) حريٌّ بأن يُقرن بالكتب الثلاثة، لمقاربته إياها مضمونًا ونمطًا وغايةً.
والحكم في الخبرين السالفين صادر عن مغربيّيْن، فهل كان لأهل تلك الأصقاع مذهبٌ في تلقي الأدب، ورؤيةٌ في الحكم على أصوله وأركانه ليست عند المشرقيين؟
=
وكأن كلمة ابن سعيد أقرب إلى الحق والمنطق، إذْ (زهر الآداب) حريٌّ بأن يُقرن بالكتب الثلاثة، لمقاربته إياها مضمونًا ونمطًا وغايةً.
والحكم في الخبرين السالفين صادر عن مغربيّيْن، فهل كان لأهل تلك الأصقاع مذهبٌ في تلقي الأدب، ورؤيةٌ في الحكم على أصوله وأركانه ليست عند المشرقيين؟
=
٨)
إنني لم أجد من المشارقة من نصّ على ذكر الكتب الخمسة الواردة أعلاه على أنها أركان الأدب.
والمسألة بلا شك تقتضي التروّيَ، فلعل بعض المشرقيين أشار إليها. غير أن المسألة تثير الفكر، وتحتّمُ النظرَ في أسباب انفراد الأندلسيين والمغاربة بذكر تلك الكتب!
=
إنني لم أجد من المشارقة من نصّ على ذكر الكتب الخمسة الواردة أعلاه على أنها أركان الأدب.
والمسألة بلا شك تقتضي التروّيَ، فلعل بعض المشرقيين أشار إليها. غير أن المسألة تثير الفكر، وتحتّمُ النظرَ في أسباب انفراد الأندلسيين والمغاربة بذكر تلك الكتب!
=
٩)
ثم هل يُفهم من كلمتَي الأعلم وابن خَلدون أنهما، ومعهما شيوخ الأدب في المغرب، لا يرون في نتاجهم المغربي والأندلسي ما يستحقُّ أن يُذكَر على أنه من الأصول والأركان؟
وهل لذلك علاقة بضمور الاستقلال الثقافي والأدبي عندهم؟
وكتاب (زهر الآداب) مشرقي الروح كـ(العقد)، وإن صنّفه مغربي
=
ثم هل يُفهم من كلمتَي الأعلم وابن خَلدون أنهما، ومعهما شيوخ الأدب في المغرب، لا يرون في نتاجهم المغربي والأندلسي ما يستحقُّ أن يُذكَر على أنه من الأصول والأركان؟
وهل لذلك علاقة بضمور الاستقلال الثقافي والأدبي عندهم؟
وكتاب (زهر الآداب) مشرقي الروح كـ(العقد)، وإن صنّفه مغربي
=
١٠)
ثم إننا نجد خبرًا مهمًّا عن العالم المشرقي ابن دُريد (ت٣٢١هـ)، وقد تذاكر جلساؤه المتنزّهاتِ، فقال: هذه متنزّهات العيون، فأين أنتم عن متنزّهات القلوب؟ قالوا: ما هي يا أبا بكر؟
قال: (عيون الأخبار) للقُتيبي، و(الزهرة) لابن داود، و(قَلَقُ المشتاق) لابن أبي طاهر.
=
ثم إننا نجد خبرًا مهمًّا عن العالم المشرقي ابن دُريد (ت٣٢١هـ)، وقد تذاكر جلساؤه المتنزّهاتِ، فقال: هذه متنزّهات العيون، فأين أنتم عن متنزّهات القلوب؟ قالوا: ما هي يا أبا بكر؟
قال: (عيون الأخبار) للقُتيبي، و(الزهرة) لابن داود، و(قَلَقُ المشتاق) لابن أبي طاهر.
=
١١)
وذلك الخبر عن ابن دُريد يُظهر أن لبعض المشارقة رؤيةً مخالفةً، فهذه الثلاثة التي ذكرها – وهو هو- غير مجعولة من أصول الأدب وأركانه في كلام العالمين المغربيين المذكورين.
فالمسألة إذن اجتهاداتٌ تختلف وتأتلف، ومذاهب في الاستحسان تغرّب وتشرّق، وآراء تنبعث من الذوق، وترتد إليه.
=
وذلك الخبر عن ابن دُريد يُظهر أن لبعض المشارقة رؤيةً مخالفةً، فهذه الثلاثة التي ذكرها – وهو هو- غير مجعولة من أصول الأدب وأركانه في كلام العالمين المغربيين المذكورين.
فالمسألة إذن اجتهاداتٌ تختلف وتأتلف، ومذاهب في الاستحسان تغرّب وتشرّق، وآراء تنبعث من الذوق، وترتد إليه.
=
١٢)
وليست تلك الكتب كافيةً، وإن كانت من أمّات المدوّنات التراثية التي تُعقد بها الخناصر.
وليس نقل ابن خلدون أن (ما سوى هذه الأربعة تبَع لها، وفروعٌ عنها) صحيحًا، فثمّ مصادر لا تغني عنها تلك الكتب، كـ(طبقات ابن سلام)، و(المعاني الكبير)، وسلسلة كتب التراجم الأدبية وهلم جرًّا.
=
وليست تلك الكتب كافيةً، وإن كانت من أمّات المدوّنات التراثية التي تُعقد بها الخناصر.
وليس نقل ابن خلدون أن (ما سوى هذه الأربعة تبَع لها، وفروعٌ عنها) صحيحًا، فثمّ مصادر لا تغني عنها تلك الكتب، كـ(طبقات ابن سلام)، و(المعاني الكبير)، وسلسلة كتب التراجم الأدبية وهلم جرًّا.
=
١٣)
وينبني على ما أسلفتُ أن نأخذَ أركان الأدب وأصوله على أنها متعددةٌ تعدّدَ العلماء واجتهادهم، وألا نحصر اهتمامنا بالكتب الأربعة المشهورة التي صار ينقلها خلَفٌ عن سَلَف، مع إقرار أهميتها وضرورتها لطالب الأدب.
ا.هـ
وينبني على ما أسلفتُ أن نأخذَ أركان الأدب وأصوله على أنها متعددةٌ تعدّدَ العلماء واجتهادهم، وألا نحصر اهتمامنا بالكتب الأربعة المشهورة التي صار ينقلها خلَفٌ عن سَلَف، مع إقرار أهميتها وضرورتها لطالب الأدب.
ا.هـ
جاري تحميل الاقتراحات...