يقول جوني تيورانت –ثاني الشخصيات– أنّه عندما كان يبحث عن شقّة، قال له صديقه لود عن رجل عجوز يقطن في نفس المجمع السكني. لم يكن له عائلة أو أقارب أو أصدقاء، بل كان يعيش لوحده. لا يُعرف أصله من فصله، وليس لديه أي إثباتات أو أوراق رسمية. الشيء الوحيد الذي يُعرف عنه أن اسمه زامپانو.
الشيء الغريب أن عددًا كبيرًا من القطط تأتي وتتودد من العجوز بلا أي سبب، فلم يكن يعطيهم أي طعام أو يلاعبهم.
يومًا من الأيام، مات زامپانو. لم يُعرف بأنه مات عندما لم يُرى خارجًا، بالإضافة إلى انعدام القطط، فلم يرى جيرانه أي قطة. كانت جثّته مستلقية مواجهةً الأرضية، وبجانبه خدوش قوية على الأرض لا أحد يعرف مصدرها. كان موته طبيعيًّا ولا تشوبه شائبة.
قرّر تيورانت ولود استكشاف شقة زامپانو بعد انتهاء التفتيش. لاحظوا بأنها معتمة. وجدوا غرفة معزولة في نهاية الممر، ثم فتحوها. لم يكن هناك أنوار، ونوافذها موصدة بأخشاب، وأبوابها معززة، وفتحات التهوية مغلقة. يوجد بها ثلاجة مليئة بالكتب البالية.
ثم وجدوا جبلَ أوراق متناثرة وعشوائية بعضها ملتصق ببعضها، وبعضها الآخر ممزق. ألقى تيورانت عليها نظرة فأثارت فضوله ثم أخذها. بعدما اطّلع عليها اطّلاعًا أوليًّا، وجد تناقضَين صارخَين وغريبَين=
التناقض الأول: كانت الأوراق دراسة رصينة ناقدة عن فيلم وثائقي عنوانه The Navidson Record. ما يثير الغرابة أنّ الفيلم ليس له وجود إطلاقًا. تحتوي الدراسة على إحالات وإشارات لدراسات أخرى تتناول مختلف النواحي من الفيلم كالصوت والتصوير والإخراج والإضاءة إلخ. كل هذه ليس لها وجود أيضًا.
التناقض الثاني: خلال الدراسة، يسترسل زامپانو في الحديث عن الضوء والصورة لدرجة أن تيورانت قال بأنه يبدو كبروفيسور جامعي لحديثه الدقيق، ولكن زامپانو أعمى! حيث أنّه كان يستأجر قارئين ليلقوا عليه نصوص الكتب.
سعى تيورانت أن يفكّك هذه الدراسة ويرتبها ليفهم ما فيها. مع الوقت، يزداد هوسه مع هذه الأوراق، فيقضي ساعات طوال في القراءة والكتابة. ثم يعرض لنا نص الدراسة مع اقتطاعات تيورانت وحياته بالإضافة إلى تنقيح وهوامش المحررين.
ذكرتني هذه الطبقات السردية برواية كلاسيكية تحمل نفس هذه المتاهات. خمّنوا ما هي؟
دون كيخوته رواية مليئة بهذه المتاهات. أما عن هذه الرواية فإنها تحمل تشابهات مع رواية سيرڤانتس. قلتها من قبل:
طبقات السرد في الرواية:
1. الرواية كرواية (انتقال فكرة الكاتب عبر الورق)
2. المحررون
3. الحكاية الهيكلية
4. الدراسة الأكاديمية
5. الإحالات إلى دراسات أخرى
6. شروحات الدراسة للإحالات
7. شروحات ناقل الدراسة إلى الحكاية الهيكلية
8. الفيلم الوثائقي
9. ما حدث حقًا
1. الرواية كرواية (انتقال فكرة الكاتب عبر الورق)
2. المحررون
3. الحكاية الهيكلية
4. الدراسة الأكاديمية
5. الإحالات إلى دراسات أخرى
6. شروحات الدراسة للإحالات
7. شروحات ناقل الدراسة إلى الحكاية الهيكلية
8. الفيلم الوثائقي
9. ما حدث حقًا
أحالت كتب الفروسية عالمَ دون كيخوت إلى حلم، وأحالت هذه الأوراق عالم تيورانت إلى كابوس ومتاهة. ثم تبدأ دراسة زامپانو في الانكشاف.
يحكي الفيلم الوثائقي عن منزل تسكنه أسرة Will Navidson المكونة منه وزوجته وطفلاهما.
أين يتجلّى التناقض في حياتنا؟ في مشاعرنا وأفكارنا وتصرفاتنا. إننا نعيش هذا التناقض كلّ يومٍ في كلّ ساعة، ونحاول أن نتفاداه قدر الإمكان. لكن ماذا لو ظهر التناقض في واقعنا الملموس في أبسط الأشياء؟ مَلَكاتنا الفكرية ومنطقنا سينهدم ببساطة. هذا ما يحاول الفيلم إثارته —التناقض الملموس.
جاري تحميل الاقتراحات...