جوآهِرُ العِلمِ ¬
جوآهِرُ العِلمِ ¬

@K_TheRebel

13 تغريدة 85 قراءة Sep 02, 2021
(قُبل المهر وزُفّت العروس)
روي أنه كان في البصرة نساءٌ عابدات، وكانت منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثغرٍ من ثغور المسلمين، فانتدب الناس للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيباً، فحظّهم على الجهاد، وكانت أم إبراهيم هذه حاضرةً في مجلسه، وتمادى عبد الواحد في
كلامه، ثم وصف حور العين وذكر ما قيل فيهن، وأنشد في وصف حوراء:
غادة ذات دلالٍ و مــرح * يجد الناعت فيها ما اقترحْ
خُلِقَت من كل شيء حسـنٍ * طيّبٍ، فاللَّيت فيها مطَّرحْ
زانها الله بوجهٍ جمعـــت * فيه أوصافٌ غريباتُ الُملَح
ْ و بعينٍ كحلها من غنجها * و بخدٍ مسكه فيه رَشَحْ
ناعمٌ تجري على صفحتــه * نضرةُ المُلك و لألاءُ الفرحْ
فماج الناس بعضهم في بعض، واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس، وقالت لعبد الواحد: "يا أبا عبيد، ألست تعرف ولدي إبراهيم، ورؤساء أهل البصرة يخطبونه على بناتهم، وأنا أضن به عليهم، فقد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا
أرضاها عروسا لولدي، فكرر ما ذكرت من حسنها و جمالها!"..
فأخذ عبد الواحد في وصف الحوراء، ثم أنشد:
تولًّد نورُ النور من نور وجههــــا * فمازج طيب الطّيبِ من خالص العطرِ
فلو وطئت بالنعل منها على الحصى * لأعشبت الأقطار من غير ما قَطْرِ
و لو شئتَ عَقْدُ الخِصْرِ منها عقدتُـه *
كغصنٍ من الريحان ذي ورقٍ خضرِ
و لو تفلتْ في البحر شهدَ رضابَهـا * لطاب لأهل البَّر شربٌ من البحرِ
فاضطرب الناس أكثر، فوثبت أم إبراهيم، وقالت لعبد الواحد: "يا أبا عبيد، قد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروساً لولدي، فهل لك أن تزوّجه منها، وتأخذ مني مهرها عشرة آلاف دينار،
و يخرج معك في هذه الغزوة، فلعل الله يرزقه الشهادة، فيكون شفيعا لي و لأبيه يوم القيامة؟!"..
فقال لها عبد الواحد: "لئن فعلتِ، لتفوزنّ أنتِ وولدكِ وأبو ولدكِ فوزاً عظيماً"..
فنادت ولدها: "يا إبراهيم!"، فوثب من وسط الناس، وقال لها: "لبيك يا أماه!"
قالت:"أي بني، أرضيتَ بهذه الجارية
زوجةً لك، ببذل مهجتكَ في سبيل الله، وتركِ العود من الذنوب؟!"
فقال الفتى:"إي و الله يا أماه.. رضيتُ أي رضى"
فقالت: "اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي بهذه الجارية، ببذل مهجته في سبيلكَ، وتركِ العود في الذنوب، فتقبله مني يا أرحم الراحمين!".
ثم انصرفتْ، فجاءت بعشرةِ آلافِ دينار، و
قالت: "يا أبا عبيد، هذا مهر الجارية تجهّزْ به وجهّزِ الغزاةَ في سبيل الله!"، وانصرفتْ، فاشترتْ لولدها فرساً جيداً، واستجادتْ له سلاحاً، فلما خرج إبراهيم يعدو والقراء حوله يقرءون: {إِنَّ الله اشتَرَى مِنَ الُمؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بَأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ}، فلما
أرادت أم إبراهيم فراقَ ولدِها، دفعتْ إليه كفناً و حنوطاً، وقالت له: "أي بني، إذا أردت لقاءَ العدو فتكفّنْ بهذا الكَفَن، وتحنًّطً بهذا الحنوط، وإياك أن يراك الله مقصراً في سبيله"، ثم ضمَّتْه إلى صدرها و قبَّلَتْ ما بين عينيه وقالت: "يا بني، لا جمع الله بيني و بينك إلا بين يديه في
عرصاتِ يوم القيامة!!"
قال عبد الواحد: فلما بلغنا بلاد العدو، وبرز الناس للقتال، برز إبراهيمُ في المقدمة، فقتل من العدوِّ خلقاً كثيراً، ثم اجتمعوا عليه فقتلوه!..
فلما أردنا الرجوعَ إلى البصرة ، قلت لأصحابي: "لا تخبروا أم إبراهيم بخبر ولدها حتى ألقاها بحسن العزاء، لئلا تجزعْ
فيذهب أجرها!!"..
قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناس يتلقوننا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج، فلما أبصرتْني قالت: "يا أبا عبيد، هل قُبِلَتْ مني هديتي فَأُهَنَّأ، أم رُدَّتْ عَلَيَّ فَأُعَزَّى؟"
فقلتُ لها: "قد قُبِلَتْ و الله هديتكِ، إن إبراهيم حي مع الشهداء - إن شاء الله -"..
فخرَّتْ
ساجدةً لله شكراً، و قالت: "الحمد لله الذي لم يخيِّب ظني، وتَقَبَّلَ نُسُكي مِنِّي".. وانصرفت..
فلما كان من الغد أتت المسجد، فقالت: "السلام عليكَ يا أبا عبيد، بُشراكَ.. بُشراكَ!"
فقال: "لا زلتِ مبشِّرَةً بخير"
فقالت: "رأيتُ البارحةَ ولدي إبراهيم في روضةٍ حسناءَ، وعليه جبةٌ خضراءَ
وهو على سريرٍ من لؤلؤٍ، وعلى رأسه إكليلٌ، وهو يقول لي :
"يا أمَّاه .. أبشري ..
فقد قُبِلَ المَهْرُ ..
وَ زُفَّتِ العروس!".
.
.
نقلها لكم تويتر - جوآهِرُ العِلمِ 📖- من كتاب - مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق - لابن النحاس.

جاري تحميل الاقتراحات...