فيصل بن تركي
فيصل بن تركي

@iFaisal_Turki

24 تغريدة 88 قراءة Sep 02, 2021
الإنسان كائنٌ قليلُ أدبٍ مع ربه؛ إلا من رحم الله وآمن به! في البخاري ومسلم، أن النبي ﷺ قال: "لا أحدَ أصبرُ على أذىً يسمعه من الله؛ إنه يُشرَكُ به ويُجعل له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم!". وقال الله: ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾، يعني: كفور بربه، جحود لنعمه، يعد المصائب وينسى النعم!
تتبعْ مقولات هذا الإنسان وأحواله التي سجلها القرآن= تجد عجبًا .. فهي في كثير منها ليست مجرد مواقف كفرية نقيضة للإيمان فقط -ولا أعظم من الكفر- لكنك ستجدها تنطوي -مع ذلك- على سوء أدب مع الله، وانعدام للحياء منه، وانطباق تام لهذا الوصف القرآني عليها: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾.
وأنت إذا جعلتَ هذه الفكرة منك على بال، واستعرضت القرآن من أوله إلى آخره، فسيقودك انتباهك إلى عشرات الشواهد والبراهين عليها... سترى كيف أن هذا الإنسان -كثيرًا ما- يتعامل مع الله بأقبح مما يعامل به بني جنسه!
فمثلا، لا يستحي هذا الإنسان أن يكفر بربه، وينسب له النقائص، ويتعد حدوده، ويُكذّب رسله، ثم يرفع يديه عند المصائب يدعوه ويسأله؛ كأن لم يفعل شيئا! حتى إذا أعطاه سؤله رجع في غيه وكفره: ﴿وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون﴾!
وتأمل هذه الآية التي تصف هذا الأمر بعبارة تملأ القلب خجلًا وإطراقًا: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون۝ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون﴾... كل نِعمه من الله، ويلجأ إليه عند المصائب وله جؤار وصراخ، فإذا كشف عنه ذلك عاد لشركه!
هذا، وهو -أي: الإنسان- لا يجهل أن المعاملة النفعية المصلحية من سيئ الأخلاق، فلو أنه أحسن مرة واحدة في الدهر لأحد ما، ثم تنكر له هذا الأحد؛ لأقام مناحات على لؤم البشر ونكرانهم الجميل.. وهو غارق في إحسان الله له، ويتنكر لفضله وينسى إنعامه! يرتضي لله ما لا يرتضيه لنفسه!!
وربما أتته النعمة منه فنسبها لغيره، في صحيح مسلم أن النبيﷺ قال:"هل تدرون ماذا قال ربكم؟". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال:"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
وأيضا، تراه يعبد الله إن رأى هذا الدين يأتيه بأهوائه وشهواته، وتحصل به رغباته الطينية الدنيوية، ويُعرض إذا وجد غير ذلك: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾!
ومن عجائب لؤم الإنسان وسوء أدبه مع ربه: أن الله يُنعم عليه بنعمة الأنثى؛ فيسودّ وجهه من سوء ما بُشِّر به؛ حتى يكاد أن يدس وجهه في التراب!! وهو في نفس الوقت ينسب لله البنات؛ افتراء على الله، قال الله: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾.... ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾!
سورة النعم= سورة النحل مملؤة بما جعله الله لهذا الإنسان من النعم؛ التي سألها، والتي لم يسألها، ومملؤة أيضا بالإزراء على تعامل الإنسان وسوء أدبه مع المُنعِم ﷻ، تقرأ فيها: والله جعل لكم، والله جعل لكم، والله جعل لكم.. ثم تقرأ: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾!
ومن سوء أدبه وقلة حيائه من ربه: أنه يجمع بين سوء العمل، والأمن من عقوبة الله، يسرف على نفسه في المعاصي، وفي تعدي حدود الله تعالى؛ ثم يطمع في نعيم الآخرة ونيل رحمته: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾.
ومن سوء أدب هذا الإنسان جَعْلُه الدين والقرآن عضين وأبعاضًا، يؤمن ببعض ويكفر ببعض، جبريا في المعاصي، قدريا في الطاعات، تبصر عينه آيات الرحمة، وتعمى عينه ويعمه قلبه عن آيات الوعيد، يتعلق بـ (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) وفي أذنيه وقرٌ من (وأن عذابي هو العذاب الأليم).
وإذا أردت شواهد لا تنتهي على سوء الأدب مع الله فحدّق نظرك وفكرك في قصص اليهود في القرآن، فإنني -والله- ما رأيت أمة من الأمم ذكرها الله في كتابه أقبح أدبًا ولا أقل حياء منهم، ووالله لولا أن قالاتهم السيئة ذكرها القرآن= لما تجرأ المؤمن على ذكرها ولو على سبيل الحكاية!
فمن يجرؤ أن ينسب البخل لله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾، أو الفقر له: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، وهل يجرؤ مخلوق أن يتفاخر بقتله رسولا أرسله الله؟ لما عدد الله أسباب لعنته لهم، ذكر منها: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم﴾.
استفتحْ -مثلا- سورة البقرة واقرأ عطايا الله لهذه الأمة الجحودة، وإنعامه عليهم، وفي ثنايا الإنعام تأمل كيف كانت أحوالهم ومعانداتهم وتحايلهم، اقرأ من: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) الأولى إلى (اذكروا نعمتي) الثانية، تجد نِعمًا تترى، وقلة أدب متكررة
ما أصبر الله! ما أحلم الله!
والقوم يتوارثون سوء الأدب مع الله، قال الله لنبيه ﷺ: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾.
ومن سوء أدب هذا الإنسان الذي كان عدما أكثر من كونه موجودا: أنه يَعرِض أمر الله الكوني والشرعي -وهو فرع عن علمه وحكمته- على عقله.. فيصوّب، ويعترض، ويستدرك على الله.. باعثه الهوى ويسميه عقلا، والله يقول له في القرآن: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ ويقول: ﴿لا يُسأل عما يفعل﴾.
يظن أن عطاءات الدنيا إكرام، وأن منعها إهانة، متجاهلا حكمته البالغة في عطائه ومنعه، وأن الدنيا لو ساوت عنده جناح بعوضة ما سقى كافرا شربة ماء، وأن ذلك كله محض ابتلاء:﴿فأما الإنسان إذا ماابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن۝وأما إذا ماابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن۝كلا﴾!
وتأمل هذا الموقف الكفري السخيف، إنسان يأخذ عظما ويفُتُّه أمام النبي ﷺ ويقول: يا محمد، أتزعم أن ربك يحيي هذا بعدما أرم؟! ﴿أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ۝ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه﴾ .. يتوسل بالإبانة التي جعلها الله له في مخاصمة ربه ومحاجته!
ومن سوء أدب هذا الإنسان مع ربه: مشاهد التذاكي والتحايل التي يمارسها الإنسان على شرع ربه، واليهودُ أساتذة الباب اقرأ قصة أصحاب السبت، ولهم في كل أمة وارث، قال ﷺ: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه (= أذابوه فصار دهنا) ثم باعوه فأكلوا ثمنه!».
وأنت إذا أدرت في ذهنك ما أحدثه الناس ويُحدثونه منذ أن خلق الله مَنْ عليها، من سوء الأدب معه ﷻ، واستصحبت معافاته لهم، ورَزْقه إياهم، وإرساله الرسل، وإنزاله الكتب، وإقامته الحجج= بان لك عِظم إعذاره من خلقه، وإذا بان لك عظم إعذاره لم تستعجب من عظيم انتقامه وشدة عذابه!
قال الله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، وقال سبحانه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا﴾.
النفوس الشريفة تقاد بقياد الأدب والحياء؛ فكيف إذا انضاف لها جوائز الوعد وسياط الوعيد؟! إن المروءة تحمل الإنسان على شكر من أحسن إليه، ولو مرة، وإحسان الله لا يعادله إحسان؛ بل كل إحسان وصلنا هو من إحسان الله أو أثرًا من آثاره..
وملاك الأدب مع الله: ألا تتخلف عن أمر أمرك به ما دمت مستطيعا، وألا يراك متلبسا بنهي نهاك عنه، وجعل ابن القيم الأدب مع الله أنواعا ثلاثة: صيانة معاملة الربﷻ أن يشوبها بنقيصة، وصيانة القلب أن يلتفت إلى غيره، وصيانة الإرادة أن تتعلق بما يبغضهﷻ.
اللهم املأ قلوبنا حياء وإجلالا لك!

جاري تحميل الاقتراحات...