ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 322 قراءة Aug 31, 2021
واشنطن، منتصف ليل السابع عشر من يونيو 1972، فرانك ويلز حارس أمن مجمع ووترغيت لاحظ وجود شريط لاصق على مزلاج الباب الخلفي يمنع إحكام غلقه، أزال ويلز الشريط ومضى، لكن مع عودته مجددا رأى الشريط اللاصق وقد عاد على نفس الباب بإحكام أكبر، لم يتردد ويلز في الاتصال بالشرطة
#حياكم_تحت 🌷
فتح هذا الاتصال الباب أمام اكتشاف أكبر جريمة سياسية في تاريخ أميركا، فضيحة أربكت المشهد العام حينذاك، ولم تزل تتدحرج ككرة ثلج صغيرة حتى أضحت عملاقة سحقت معها بسهولة شعبية الرئيس نيكسون وجرفتها وأجبرته على شيء غير متوقع، شيء لم يُقدم عليه أي رئيس أمريكي آخر.
في تلك الأثناء التي اتصل بها ويلز بالشرطة، كان الرئيس الأمريكي نيكسون منهمكًا في حملاته الانتخابية، حيث تبقى فقط أقل من خمسة أشهر على انتخابات 1972 التي يحاول فيها أن يحظى بثقة شعبه لفترة رئاسية جديدة، كل هذا وسط أجواء انتخابية حامية الوطيس لا تهدأ حتى تشتعل.
لقد جاء نيكسون من بعيد، فطريقه إلى سدة الحكم لم يكن مفروشا بالوورد، بل جاء بعد عناء، فبينما تم اختياره من قبل الجنرال ايزنهاور كنائب له ضمن حملة الأخير في انتخابات الرئاسة 1953، فاجأته صحيفة نيويورك بوست بادعاءات حول ذمته المالية وكونه قد تلقى أموالا من مؤيديه واحتفظ بها لنفسه.
وضعت الصحافة نيكسون آنذاك في مأزق، إذ لم يكن بد من خروجه على الناس عبر التلفاز وإعلانه الانسحاب من هذا الترشح، لكنه فاجأ الجميع حينها بخطبة عصماء برأ فيها ذاته تمامًا من تلك الإدعاءات، وقلب الطاولة على خصومه وانهالت برقيات التأييد على مقر حزبه مؤيدة له وداعمة.
ساهمت تلك الأحداث بالدفع بمسيرة حملة الجمهوريين بقيادة آيزنهاور، وبالفعل نجح الجنرال كرئيس ومعه نيكسون كنائب، ليس لفترة واحدة وإنما استمر تفوقهم لفترتين متتاليتين، أثبت خلالها نيكسون قدرة تامة على إدارة الدبلوماسية الأمريكية وأحرز مزيدًا من الشعبية، وأصبح أكثر توقًا لمقعد الرئيس.
بأغلبية مطلقة حظي نيكسون بترشيح حزبه الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة عام 1960، لقد اقترب حلم وصوله إلى السلطة من التحقق، لكنه اصطدم بمرشح قوي ذكي هو جون كينيدي، مرشح استطاع أن يتجاوز ثقل نيكسون وخبرته ويفوز عليه في الانتخابات بفارق لا يذكر، كان الفارق صفرًا فاصل اثنين في المائة.
معانقًا السحاب وعلى بعد خطوة واحدة من حكم أميركا سقط الرجل، لذلك لم يكن مستغربًا قراره حزم أمتعته والعودة إلى مسقط رأسه بكاليفورنيا، وذلك بعد نحو 13 عامًا من الاشتغال في السياسة، عاد الرجل لتحتضنه نجاحاته مجددا لكن في المحاماة، لكن تلك النجاحات لم تنسه توقه إلى السلطة والرئاسة.
في 1962 سطّر هذا التوق ذاته بصورة واضحة حين أقدم الرجل لا على قبول الترشح لانتخابات الرئاسة وإنما قبول الترشح في انتخابات حاكم كاليفورنيا عن الحزب الجمهوري، نيكسون الذي هُزِم في انتخابات الرئاسة قبل عامين بفارق ضئيل جدا كان من السهولة عليه الفوز، لكن المفاجأة كانت هزيمة ساحقة!
جاءت هذه الهزيمة الساحقة لتؤكد صواب اختياره المنقوض للعزلة له محلًا وسكنا، لقد تأكد لدى الرجل - على الأقل- ألا أحد يريده، لذلك جاءت كلماته حينها دراماتيكية معبرة، حيث قال "بما أنني أغادركم أريد منكم أن تعرفوا كم سيفوتكم؟ لن يكون هناك نيكسون تتنقدونه بعد الآن"
أغلق نيكسون صفحات كتابه السياسي، ومرت سنوات تلو أخرى وتعاظمت الأحداث، وأيقن الأمريكيون بحرب فيتنام أنهم ضمن مستنقع موحل، وتعالت الصيحات المعادية للشيوعية مجددًا، ورويدا رويدا أصبحت الأمور مواتية لنيكسون أن يعود مجددًا على رأس حزبه كمرشح للرئاسة عام 1968.
هذه المرة أخلصت الظروف لنيكسون، واكتست التفاصيل بكل ما يؤدي به للفوز، وبالفعل استطاع الرجل العبور أخيرًا إلى البيت الأبيض عبر فوز غير مقنع على منافسه الرئيسي هوبير همفري.
خلال سنواته المعدودة في السلطة استطاع نيكسون أن يضع بصمته بقوة، حيث انسحب أخيرا من فيتنام، وانفتح على الصين عبر زيارة هي الأولى لرئيس أمريكي لبكين، كما استطاع "نيل أرمسترونغ" في عهده أن يهبط على القمر كأول بشري يفعل ذلك.
بناء على تجربة نيكسون الشاقة في الوصول للسلطة، تآزرت مشاهد خساراتيه وكذا فوزه الصعب مع أحداث وصراعات أخرى عميقة، ليتولد عن كل هذا تدشين وحدة سرية عام 1971 عُرِفت باسم سباكي البيت الأبيض، سميت بذلك بناء على طبيعة مهمتها الرامية لمنع تسريب أوراق خطيره تخص قرارات الحرب فى فيتنام.
تم الاستعانة بالوحدة لاحقا من أجل مهمة سرية أخرى هي تأمين انتخاب نيكسون لفترة رئاسية ثانية، حيث أوكل إليهم جون إن ميتشل مدير حملة نيكسون السابق ووزير العدل آنذاك مهمة جمع المعلومات الاستخبارية عن الديمقراطيين من خلال زرع أجهزة التنصت ومراقبة المكالمات الهاتفية لهم!!
ضمت الوحدة بين أفرادها الضابط السابق في وحدة الاستخبارات الأمريكية جيمس ماكورد الذي ذهب مع أربعة آخرين بعد منتصف ليل السابع عشر من يونيو 1972 إلى مبنى ووترجيت، وذلك من أجل زرع أجهزة تنصت في مكاتب اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي التي كانت تتخذ من الدور السادس مقرًا لها.
بعد رصد حارس أمن المبنى فرانك ويلز آثار مريبة وأشرطة لاصقة على قفل أحد الأبواب، اتصل بالشرطة وللمصادفة حضرت بزي مدني، وهو أمر ساهم في تضليل مؤمن الطريق بالنسبة لوحدة السباكين، حيث تم إلقاء القبض على ماكورد ورفاقه الأربعة داخل المبنى، وتم تصنيف الأمر على أنه سطو من الدرجة الثالثة.
لم تأخذ تلك الحادثة في الصحافة حينذاك مساحتها المفترضة، إذ ظلت حبيسة التكهنات واستصغار المآرب، حتى أن الخبر وتتبعه في صحيفة الواشنطن بوست أسند إلى صحفيين شابين حينذاك هما كارل بيرنشتاين وبوب وودوارد، واللذين برغم صغرهما استطاعا تتبع الخيوط ونجحا في الوصول إلى مفاجآت لها ثقلها.
وجِد مع بعض المتهمين مبالغ مالية، وبالبحث في أرقامها المتسلسلة وتتبعها توصلت الـ اف بي أي إلى أن مصدر الأموال هو إحدى الصناديق الجمهورية المخصصة لدعم حملة نيكسون في انتخابات الرئاسة 1972، بالرغم من أن هذه المعلومات تم الكشف عنها قبل هذه الانتخابات إلا أنها لم تؤثر في مجراها.
في السابع من نوفمبر من نفس العام تم إجراء الانتخابات وعلى الرغم مما تم نشره قبلها من تفاصيل حول الحادث وصلت لحد اتهام الرئيس، إلا أن الناخبين لم يعيروا الأمر اهتمامًا، وتم انتخاب نيكسون لفترة رئاسية ثانية عبر نجاح ساحق حقق فيها النصر في 49 ولاية.
في 30 يناير 1973 لم يتفاجئ أحد بقرار المحكمة الذي أدان اثنان من المقبوض عليهم هما ليدي عميل الـ إف بي آي السابق وماكورد عميل السي اي ايه السابق، أما الباقين فقد أقروا بالذنب، لكن لاحقًا بعث ماكورد برسالة للقاضي يخبره فيها بتورط جهات رفيعة في القضية.
استمر العمل الصحفي في طريقه الاستقصائي حيث حصل كلا من كارل بيرنشتاين وبوب وودوارد صحفي الواشنطن بوست على مصدر معلومات سري أسموه "ديب ثروت" أو الحنجرة العميقة، ذلك المصدر الذي قلب الطاولة وأرشدهم إلى معلومات أساسية حول تورط إدارة نيكسون في فضيحة ووترجيت.
أدلى عدد غير قليل من مساعدي نيكسون بشهاداتهم أمام هيئة محلفين كبرى، وأرشدوا إلى أن نيكسون سجل سرًا كل المحادثات التي تمت في المكتب البيضاوي، وإذا ما تمكن المحققون من وضع أيديهم على تلك التسجيلات سيكون لديهم دليلا على إدانة نيسكون من عدمه.
الخناق يضيق أكثر على نيكسون، وعقد التماسك الذي بدت عليه إدارته قبل انتخابه لفترة ثانية بدأ ينفرط، إذ استقال أربعة من كبار مساعديه وهم: جون دين مستشار البيت الأبيض. هالدمان رئيس الأركان، وجون إيرليشمان مساعد الشؤون الداخلية، والنائب العام ريتشارد كلايندينست.
كما هو متوقع رفض نيكسون تسليم الأشرطة السرية التي بحوزته، وتشدق بحقه التنفيذي في وقف مطالبات المدعين وأعضاء لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ، لكنه أذعن وسلم التسجيلات بعد أن قام بتنقيحها واقتطاع نحو 18 دقيقة من أحدها.
في يوليو 1973 قضت المحكمة العليا بالإجماع بوجوب تسليم نيكسون للتسجيلات الأصلية كاملة، وهو ما قد كان، حيث ثبت عبر المحادثة المجتزأة معرفة نيسكون بالتستر على القضية ومحاولة عرقلة العدالة، وهي أمور ترافقت مع توصية اللجنة القضائية في مجلس النواب بعزل نيكسون.
في 8 أغسطس من العام 1974 وبعد أكثر من عام ونصف من محاولات التملص والمجابهة، استقال نيكسون من منصبه وأوكل تسير شؤون البلاد لنائبه جيرالد فورد الذي أدى اليمين كرئيس بعد نحو ستة أسابيع، وكانت أبرز قراراته العفو عن نيكسون صحيًا.
جاء قرار العفو الرئاسي بناء على حالة نيكسون الصحية التي دخل على إثرها المستشفى، بسبب إلتهاب رئوي حاد، وبعد أن تشافى اعتزل نيكسون العمل العام وأقام في مزرعته في كاليفورنيا 20 عامًا أخرى قبل أن يدركه الموت في 22 أبريل 1994.
أما عن صاحب الحنجرة العميقة أو "الديب ثروت" والذي كان له الدور الأبرز في الكشف عن اضطلاع الإدارة الأمريكية في تلك الفضيحة فقد ظلت شخصيته طي الكتمان لأكثر من ثلاثين عامًا، حتى كشف عن نفسه عام 2005، وهو مارك ويليام فيلت نائب مدير الـ إف بي أي في ذلك الوقت.
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...