في ذروة الصراع بين المحافظين والحداثيين كنت طالبا في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وكنا نرى -أنا وزملائي- لهيب المعركة وشررها يسقط تحت أقدامنا لقربنا من ساحتها، فقد كانت كلية الآداب من ساحاتها المفضلة، بالإضافة إلى الصحف والكتب والأندية الأدبية،
وكان يقود تلك المعارك د. عبدالله الغذامي ومريدوه من جدة ومحمد المليباري ومريدوه من مكة، ولكلّ أتباعٌ في كل مكان، واختلط الحابل بالنابل، فثمة أساتذة لا ندري مع من هم، وثمة طلاب لا ندري إلى من يميلون؟ ورأينا فريقا ثالثا يتشكّل بصمت يميل إلى الوسطية، ويأخذ من الفريقين أحسن ما عندهما
وكان قسم اللغة العربية في ذروة جذوته حين كنتُ طالبا فيه (1404 -1408هـ) فيه نخبة من الأساتذة وصفوة من طلاب العلم الجادّين، وكان من أساتذتنا آنذاك الأساتذة الدكاترة: محمد يعقوب تركستاني، وعبدالله الغذامي، وعبدالله المعطاني، وعبدالمحسن فراج القحطاني، وخليل عمايرة – رحمه الله.
وعبدالهادي الفضلي، وعاصم حمدان، وأحمد النعمي –رحمه الله- وعمر الطيب الساسي -رحمه الله- وبكري شيخ أمين-رحمه الله- والسعيد الورقي، وفوزي عيسى، وحسين الذواد، وضيف الله هلال العتيبي، وعلي البطل – رحمه الله.
وكان من أكثرهم تاثيرًا في تكويني العلمي وتوجّهاتي فيما بعد أستاذي الدكتور محمد يعقوب تركستاني، فقد تعلمت منه حبّ العربية وتراثها ومصادرها، وكان قدوة لنا في كل شيء، في علمه وانضباطه ودقته، وتمكنه من علوم العربية، وحبه للتراث وأهله، وجزالة لغته وسلامتها من اللحن.
وكان الدكتور عبدالله الغذامي مؤثرًا جدّا وعلى درجة عالية خلقا وعلما، وكان يحاول أن يحتوي النخبة من طلابه، فلما رأى توجّهي التراثي وصلتي بالدكتور محمد يعقوب وظهور بعض مقالاتي في ملحق التراث بجريدة المدينة في عام 1408هـ حين كنت في المستوى الأخير بالجامعة قال لي: أخذك التركستاني!
أما الدكتور عبدالله المعطاني فمن حسن الطالع أننا درسنا عليه مقرر المصادر الأدبية واللغوية- من كتاب عزّ الدين إسماعيل- في المستويات الدراسية الأولى، والدكتور المعطاني أديب وناقد وشاعر يمتلىء بالأصالة والتراث، فانتفعنا منه ومن جزالة أسلوبه في مادة النقد القديم،
وأذكر أنني أتيت الدكتور عبدالله المعطاني بنسخة تجارية من (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، فلامني عليها، وقال لي: هذه لا تغني عن تحقيق محمود شاكر، فتعلّمنا منه ألا نقتني كتابًا تراثيًّا إلا بعد سؤال أساتذتنا،
أما الدكتور عبدالمحسن بن فراج القحطاني فهو من أساتذتنا المحبّبين إلى نفوسنا، لعلمه وأدبه ودماثة خلقه وأصالته وشهامته وقربه من طلابه، وأفدنا منه كثيرا على الرغم من انشغالة بالإدارة، (كان عميدا لشؤون الطلاب) وعنه أخذنا علم العروض.
وبطريقته فَكّكَ لنا هذا العلم اللغوي الرياضي المعقّد، ويسّره لنا، وبدأ من أصغر التفعيلات، وعُني بتدريب الأذن الموسيقية عند طلابه؛ لخلق مَلَكةٍ تُعين على تمييز التفعيلات صوتيا، وكان يتنقّل بنا من الأسهل إلى الأصعب، إذ بدأ بتفعيلة (فاعلن) من بحر المتدراك ثم (فعولن) من بحر المتقارب.
ومن أساتذتي الدكتور أحمد النعمي –رحمه الله- دَرَسنا عليه مقرّرين: (الأدب الأندلسي) و(نصوص أدبية) وهو أديب ممتع الحديث، صاحب أسلوب سهل ممتنع، وتجري الدعابة على رأس لسانه، محبوب جدا عند الطلاب، لتواضعه وسماحته وعفويته، حتى لتظن أنّ به غفلةً، وهو من أذكى الناس،
ومنهم الدكتور طارق نجم عبدالله، محقق كافية ابن الحاجب، وهو أستاذ عراقي متخصص في النحو، كان في عنفوان الشباب، تميّز بشخصيته القوية، وفيه غلظة وشدة وقسوة، يداري بها ضعفه العلمي، ولم نستفد منه شيئا يذكر، بخلاف الدكتور مصطفى السنجرجي والدكتور عبدالهادي الفضلي.
ومن أساتذتنا الدكتور عاصم حمدان الغامدي -رحمه الله- عرفناه وهو حديث عهد بالتعيين في القسم أستاذا مساعدا في الأدب المملوكي، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة مانشستر ورجوعه من البعثة عام 1406هـ جاءنا الدكتور عاصم حمدان ونحن في المستويات الأخيرة لندرس عليه مادة الأدب المملوكي،
وهو أديب وكاتب يمتعك بحديثه في محاضرته، ويحترم طلابه، وكانت له عناية ظاهرة بكتابة السيرة الأدبية والتأريخ للمدينتين المقدستين، وبخاصة المدينة، فكنا نقرأ مقالاته وسير الأماكن وأشجانها التي عرفها في الزمن الجميل، كحارة المناخة وحارة الأغَوَات وأشجان الشامية، بعد تخرجنا،
وأعود إلى الدكتور أحمد النعمي، فأقول: كان زاهداً ينطوي على حزن دفين، وكان شديد النقد للنساء خاصة، ويسمّيهنّ (البهائم)! ولا تمرّ محاضرة دون أن يذكر البهائم!! وكنا نتسابق إلى محاضرته، ونجلس أمامه وهو يتكلم عن الأدب الأندلسي ودولة بني أُميّة في الأندلس،
ومن أساتذتنا الدكتور بكري شيخ أمين، من سوريا، وكان أستاذا أنيقا مهذبا، ذلّل لنا علوم البلاغة، وخفف من جفافها في كتب المتقدمين وأعاد عرضها بأسلوبه الخاص، فكان بارعا في تقريب علومها وتقديمها في ثوبٍ جديد أنيق، ومنه عرفنا أن البلاغة هي وضع الكلمة المناسبة في مكانها المناسب،
وقد أفدنا من الدكتور بكري ومن كتبه (البلاغة في ثوبها الجديد في ثلاثة أجزاء) ودرسنا عليه المستويات الثلاثة من البلاغة، وفي المستوى الأول قرّر علينا كتاب الخطيب القزويني (التلخيص في علوم البلاغة) بشرح عبدالرحمن البرقوقي،
وإلى اليوم أحتفظ بنسختي وعليها تعليقاتي مع الدكتور، والحقيقة أن التلخيص لا يصلح أن يكون كتابا لمقرر البلاغة، لوجازته وجفافه.. وفي المستويين الثاني والثالث رأى أستاذنا أن كتابه (البلاغة في ثوبها الجديد) في جزءيه الثاني والثالث هو المرجع للمقررين مع مصادر قديمة عند الحاجة،
في أيامنا تلك كان مدير الجامعة هو الدكتور رضا عبيد، وعاصرنا ثلاثة من عمداء كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وهم على التوالي: د. حمد العرينان، ود. سليمان الغنام، ود. عبدالوهاب بغدادي، وكانت صلتنا بالعمداء ضعيفة جدا، (باستثناء العرينان) بل إننا لم نر بعضهم إلا نادرا،
جاري تحميل الاقتراحات...