فهد.
فهد.

@I0ll

9 تغريدة 11 قراءة Aug 31, 2021
كان أَنَسْتاس الكِرْمِلي (١٨٦٦-١٩٤٧) موسوعة عربية لا نظير لها، وفي ترجمته أنه كان يجيد اليونانية واللاتينية والتركية والفارسية والعبرية والسريانية وغيرها. وكانت تحوي مكتبته ما ينيف على ١٥،٠٠٠ كتاب، منها ١٥٠٠ نادر الوجود. ولعلَّ أفضل ما كتب عنه كوركيس عواد.
في الحرب العالمية الأولى دفن ٤٠ كتاباً له في صندوقٍ حديدي، طُبع بعضها بعد ذلك. وكانت هذه الحرب قد دمّرت مكتبته الأولى وما حوته من النوادر. كتاب «المساعد» من أعظمِ آثاره، وهو أندر النوادر، وقد وقف بعضهم على مجلدين منه، ولكنه أضخم من ذلك، وقد صرف الكِرملي ٤٠ سنة في جمعه وتأليفه.
قال عنه مصطفى جواد: ”إن أحسن كتبه التي ألّفها هو معجمه المستدرك الذي وَسَمه بـ«المساعد»، فإنه كنز من كنوز العربية، فيه مصطلحات كل فن.. والتعابير المولّدة في كل عصر، وفوائد أدبية من كل ضرب، يتّصل بتحقيق مفردات اللغة وتاريخ علوم الأدب، فهو أشبه بدائرة المعارف منه بمعجمات اللغة“.
أحصى كوركيس عواد الأسماء المستعارة التي كتب بها فإذا هي تبلغ ٢٧ اسمًا، من أشهرها: ”الشيخ بعيث الحضرَي، وفِهر الجابري، وكِلدة، ومُحب الفجر، وابن الخضراء، ومُنتهِل، ومُتَطفِّل..“. وأحصى أيضاً مقالاته التي نُشرت في المجلات فوجدها قد جاوزت الـ١٠٠٠ مقالة، عدد صفحاتها زهاء ٥،٠٠٠ صفحة.
لما بلغ الستين كرّمه أدباء العراق، وفي الاحتفال قال الزهاوي في حقِّهِ:
حفلنا بأستاذٍ تبحَّر في اللُّغى
ولا سيّما الفُصحى سليلة يعرُبِ
وإن أنستاساً هو السند الذي
همَى عِلمه للظامئين كصيِّبِ
ترهَّب يرعى العِلم خمسين حِجَّةً
فأكبِرْ بهِ من عالمٍ مُترهِّبِ
وهو ممن كان بينه وبين الأديبة مي زيادة بعض المراسلات، وأحياناً يبدأ رسالته بـ”ابنتي العزيزة“، ولكن هنا: ”الآنسة النابغة“.
من أقواله: ”إن العربية أسمى اللغات؛ لأنها قادرة على تصوير كل ما يدور في الفكر البشري وفي الطبيعة الإنسانية، وأنها قادرة على مسايرة كل عصر وكل جيل لما فيها من قابلية الاشتقاق الذي لا يوجد في لغة سواها. وإن القصور في أبنائها، أُترفوا ولا يريدون أن يتجشّموا في سبيل لغتهم أي جهد“.
في آخر حياته وبعد أن حطمته الشيخوخة وتفرَّق عنه الأصحاب -كعادة صروف الدهر وطباع أهله- حمل نفسه إلى فلسطين لعلّه أن يجد علاجه هناك. كتب من هناك إلى صديقه طه الراوي: ”لقد تحسّنت صحتي نوعاً ما، ولكن ضَعف الشيخوخة لا يداوى ولا أمل في شفائه“. وشكا إلى صديق آخر عجزه عن شراء الدواء.
ولمّا لم يجد نفعاً في فلسطين، وأحس بدنو أجله، تاقت نفسه للعراق ودفعه الحنين إلى ترابها، وكتب قبيل وفاته بأيام: ”لقد كنتُ أردد دائمًا وأنا في فلسطين أن أمنيتي الوحيدة أن أرى العراق قبل أن أموت“. ثم فاضت روحه إلى بارئها صبيحة اليوم السابع من شهر كانون الثاني ١٩٤٧.

جاري تحميل الاقتراحات...