The Quiet Don
The Quiet Don

@AlrammahAli

12 تغريدة 26 قراءة Aug 29, 2021
(أبوسليمان الذي عرفت والذي أحببت)
بعد أن هدأت عاصفة الحزن التي لمت بي الأيام الماضية منذ وفاة خاتمة المفكرين المعاصرين ممن لم ألمس من يجاريه في إصلاحه وإبداعه إلا جودت سعيد، وبالرغم أن الكثير كتبوا عن الفقيد ما جادت به قرائحهم الصادقة إلا أني سأكتب عن زاوية ما ذكرت عنه عرفتها منه
كان أول تعارف لي معه في آخر سنة ٢٠١٥م بعدما حدثني عنه شيخي المفضال الدكتور محمد أنس الزرقا في الكويت.
وبالفعل بعد عودتي للرياض تواصلت مع كريمة المرحوم لتوصلني بوالدها.
فإذ بي أتفاجأ بنفس اليوم باتصال منه يكلمني وكأني في سنه وأنا حينها عمري في الخامسة والعشرين فقط!
سعدت جدا لاتصاله هذا وحددت معه موعد اللقاء وزرته بالفعل وما كان لسانه يفتر عن الطُرف الظريفة التي تبين سعة صدره وطيب خلقه.
أدركت منذ لقائي الأول معه وأنا لم أكن قرأت له بعدُ أن الرجل غاية في الذكاء فعيناه تقدحان الذكاء قدحا وهذا الذكاء موجود في الأمة ولا شك لكن زان عنده بشيء آخر.
ذلكم هو الوعي العميق أو الحكمة الدقيقة أو الرزانة الثقيلة، وبهذه الصفات فاق الرجل أقرانه بل وبعض أساتذته.
فالذكاء والعلم من دون الوعي هباء.
فكم ضاعت جهود الأذكياء في تاريخنا لفقدان الأذكياء للوعي والحكمة التي تعرف كيف تسخر هذا الذكاء في موطنه الصحيح.
تكررت لقاءاتي مع الرجل مرات عديدة بعد ذلك، بحسب ما يسمح له وضعه الصحي إذ أن بوادر المرض قد بدأت معه منذ تلك الأيام.
وفي كل لقاء معه ازداد وعيا من تجربته وعلما من إبداعه خصوصا وأني تشربت ما استطعت من كتاباته.
وما كان يغلق بابه قط بل كان مضيافا كريما.
وأبوسليمان من العلماء الأحرار بحق، وأسباب تلك الحرية في تركيبته كثيرة لكن منها أنه رجل رزقه الله مالا فكان حافظا لمكانته لا يتذلل لأحد لأجل لقمة عيشه.
لكن أشهد الله أن ماله كان في يده لا في قلبه، وكان رجل إنفاق، وفي أحد زياراتي حدثني بحديث سأذكره لك ولعل ذاكرتي لم تخني فيه.
حينما ورث حقه من والده ما كان محتاجا لذلك المال فقد أغناه الله، فقال لي: أن في مكة يعيش عندهم من يسمون بالجاوية وكثير منهم حالتهم صعبة ماديا، فاستثمر الورث في إنشاء عقولهم لا إشباع بطونهم كعادة ما يفعل الناس، وأبتعث الكثير منهم للدراسة في الجامعة الإسلامية هبةً منه.
وباع مرة من المرات عقارا له في مكة أكسبه الكثير الكثير.
ولأنه ما كان محتاجا لذلك المال فإنه أنفقه في بناء بيوت لبعض قرابته المحتاجين وهبته لهم وجعل جزءً من البيت للإجار ليعود دخله لصاحب البيت نفسه.
فانظر كيف يكون الاستثمار في الدنيا والآخرة وتأمل نموذجا من نماذج الوعي.
قال لي: يا علي المال لن يذهب معي للقبر بل الذي سيذهب هو ما أنفقه منه.
وحكا لي قصة أحدهم ممن طلبوا منه عونا ماديا بداية نشأة الندوة العالمية فما أعطاهم من ماله الوفير غير القليل!
ومات بعد فترة!
ومن بيته إلى قبره ما مروا بشارع إلا وله فيه عقار!
قال لي: هل ذهبت معه؟
لم يكن أبوسليمان رجل وعي وذكاء وعلم وإصلاح فحسب، بل كان صاحب ذوق وإنفاق وكرم ورحابة صدر وطرفة، لا يسعك إلا أن تحبه.
كما كان رجل تربية ولن أتحدث عن آرائه التربوية ولكن سأذكر موفقا شخصيا لي معه، حيث أهداني كتاب الرؤية الكونية وكتب لي إهداؤه باسم الدكتور علي الرماح!
قلت له: لم أنهِ حتى الآن البكالوريوس!
قال لي: حتصير دكتور إن شاء الله!!
قال لي هذه الكلمات في أيام دراسية كالحة بالنسبة لي وتجربة ما أحببتها!
لكن بمثل دفء تصرفه هذا دفع فيّ الأمل دفعا!
فرحمه الله رحمة واسعة.
كم كنت أتمنى أن تكثر لقاءاتي بالرجل وتتعدد خصوصا بعد أن تشربت كتبه ولكن حال المرض الذي أنهكه وأتعبه.
اسأل الله تعالى أن يكون ذلك في ميزان حسناته وكم حزنت وبكيت لفراقه بل لمرضه من قبل لكن لله حكمة وذلك قضاؤه!
رحم الله أبوسليمان رحمة واسعة وجمعنا وإياه مع نبينا محمد ﷺ.

جاري تحميل الاقتراحات...