mohamed ali
mohamed ali

@alweda3ii

18 تغريدة 12 قراءة Aug 28, 2021
••
لاشك ان تطور القطاع الطبي ومارافقه من ظهور مؤسسات وجهات رقابية ساهمت وبشكل ملحوظ في الحد من الأخطاء الطبية وشكلت ضمانة للمستفيدين من الخدمات الصحية  ..
لكن كل تغير -بطبيعة الحال- يخلق تحديات جديدة قد لا تقل خطورة عن تلك التي تجاوزناها في البدء .. 
ما أود تسليط الضوء عليه هنا هو ما يسمى بالطب الدفاعي defensive_medicine# ..
هو حديثٍ ذو شجون، هي خاطرة ان صح التعبير..  
وباء استشرى في النظام الصحي الحديث ولا ينبغي التقليل من شأنه
لنبدأ بسيناريو يتكرر كثيراً ..
مريضة تعاني من صداع، غالباً سبب الصداع حميد (على حسب وصفها والفحص الاكلينيكي) ويمكن علاجه بالأدوية المعتادة، لكن الطبيب العام قرر تحوليها للمستشفى، وطبيب الطوارئ بدوره قام بعمل فحوصات الدم وأشعة الرأس المقطعية..
وصولاً لطبيب الباطنية/الاعصاب الذي قرر القيام بالبزل القطني/الشوكي واخذ عينة من أسفل الظهر ... ثم ترخيصها للمنزل.
كل تلك المراحل المذكورة وما تحويه من تبعات ومضاعفات محتملة تمت لاستبعاد احتمال ضئيل جدا بوجود نزيف في الرأس ..
احتمال لو سألت كل طبيب شارك في هذه القصة لراهن على عدم وجوده.. 
ماهو الدافع الرئيسي وراء كل هذه الخطوات؟!
“بالتأكيد الخوف على سلامة المريضة”
هو الجواب الذي يتبادر الى ذهن الجميع في الوهلة الاولى، لكن الواقع أعقد من ذلك  ..
بالطبع الخوف على سلامتها يشغل بال كل طبيب في هذه القصة، لكن هل هو فعلا المحرك الأساسي لكل تلك القرارات؟ وهل كانت اصلا تصب في مصلحة المريضة؟
ينبغي هنا ان نعي حيثيات النظام الصحي الحديث ونتقصى آلية تفكير الاطباء لنفهم الدوافع ونتفهم الافعال..
ينبغي ان نعرف ما يعنيه مصطلع الطب الدفاعي .. #defensive_medicine
الطب الدفاعي هو ان يقوم الطبيب بتقديم خطة علاجية قد لا تكون الأفضل للمريض، ولكنها الأسلم لحماية نفسه من العواقب القانونية لو حدث خطب استثنائي ما ..
بمعنى آخر ان يكون الموجه الرئيس لسير تلك الخطة هو حماية الطبيب نفسه في المقام الأول ..
وتتجلى هذه الممارسة المشوهة في صور متعددة، ولكل صورة مشاكلها ومضاعفاتها الخاصة: 
- فحوصات زائدة (سواء مختبرية او بالأشعة)
⁃ تحويلات وادخال للمستشفيات ليس لها اساس علمي 
- وصف أدوية بشكل غير منطقي 
- اجراء عمليات ليست ضرورية
الأزمة تكمن في كون ان مضاعفات هذه الممارسة على الرغم من خطورتها، إلا انها -في الغالب- تبقى عصية على التشخيص، خفية وغير ظاهرة على السطح..
هي الجزء السفلي العملاق من جبل جليد الاخطاء الطبية ..
الكل يرى خطأ ذلك الطبيب الذي اتخذ قرار ترخيص مريض من المستشفى وانتكست حالته فورا..
لكن من الصعب رؤية اخطاء طبيب قرر تمديد فترة الترقيد للعشرات من المرضى دون سبب علمي واضح، وما صاحب ذلك القرار من احتمال تعرضهم لخطر اصابتهم بعدوى ما، انهاك للنظام الصحي، واستهلاك للزاد البشري.
تبعات ومضاعفات هذه الممارسة كثيرة سأتناولها باختصار في هذه النقاط الثلاث وأذكرها بشكل مقتضب: 
١. على مستوى المرضى: الفحوصات الزائدة مثل الاشعة وما لذلك من أثر صحي سلبي على المدى الطويل، وصف مضادات حيوية باستمرار مما يقلل من فعاليتها
٢. على المستوى الاقتصادي: دراسات جمة نشرت مؤخرا في امريكا ودول اوروبية حول العبء الاقتصادي الناتج عن الطب الدفاعي ..
أكثر من نصف المصروفات الصحية السنوية في بعض الدول تم ايعازها الى هذه الممارسة.
٣. على مستوى الطبيب: الشعور باللامعنى وعبثية ممارسته، شعور يتفاقم بزيادة الفجوة بين ما يؤمن به على انه الافضل حقيقة للمريض وبين مايطبقه على ارض الواقع.
مسؤولية استشراء هذا الوباء -على حد تعبير بعض الدراسات- لاتقع حصرا على الطبيب .. بل هو الحلقة الأضعف في سلسلة الاسباب، وما ممارسته المشوهة هذه الا ردة فعل جذورها الخوف والقلق ..
مشاعر سلبية تلعب فيها المؤسسات الرقابية من جهة، وعامة الناس من جهة اخرى دور كبير في تكريسها.
وقد يساعد نشر النقاط التالية في التخفيف من حدة المشاعر السلبية تلك: 
١. تصالح كل الاطراف مع فكرة ان الطب غير مثالي -على الرغم من التقدم الهائل- مازال قاصرا يشوبه العجز في جوانب عدة .. هو علم يعتمد في مواطن كثيرة على الاحتمال والترجيح.
٢. حل أزمة الثقة بين الطبيب والمريض وتحسين التواصل بينهم، وذلك يتم بقضاء وقت اطول مع المريض بدلا من الهوس بعملية التدوين والتي  تستهلك معظم الوقت.
٣. عدم تجريم الاخطاء الطبية .. خصوصا من قبل المجتمع، ان منصات التواصل الاجتماعي (خصوصا الصفحات التي تقتات على حملات التنكيل الجماعي واثارة غضب الناس ) ساهمت كثيرا في عملية التجريم هذه.
وهذه النقطة بالذات هي موضوع كامل منفصل ..
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...