لقد تطرف الناس كثيراً في الاعتماد على الضمير البشري واعتبروه صوت الحق المطلق والعدل في الإنسان. وهذا خطأ فضيع. فالضمير يتحيز ويتحزب في اتجاهه كما يتحيز الفكر.
لا يجوز للمظلوم أن يعتمد على ضمير الظالم. فالظالم حين يظلم لا يشعر بأنه ظالم، ذلك لأنه ينظر في الأمور من خلال منظار خاص به يختلف عن ذلك المنظار الذي ينظر من خلاله المظلوم.
إن ضمير الظالم مبني على أساس القيم الاجتماعية التي اعتاد الظالم على احترامها والإيمان بها. ومنظار الظالم مؤلف من المقاييس التي لُقّن بها بين أهله ورفاقه وزملاء مدرسته وأبناء طبقته.
إن العدل والظلم أمران نسبيان، وقد يتعجب المظلوم حين يرى ظالمه منغمساً في المظالم إلى أذنيه وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً. إن الحق مع الظالم حين يرتاح ويبتسم أثناء ظلمه لك، فهو يقيس أعماله بمقياس جماعته التي يعيش بينها وزملائه الذين يحيطون به ويتزلفون إليه.
فهو يتصوّر أنه سائر حسب مقاييس صحيحة عامة تصلح لكل زمان ومكان - غير شاعر بأن تلك المقاييس اعتبارية وهي خاصة به وبجماعته وحدها.
إن القيم الاجتماعية في الجماعة مثل العقد النفسية في الفرد: كلاهما يوجه سلوك الناس ويقيّد تفكيرهم من حيث لا يشعرون.
إن من الحوادث التي لا أستطيع أن أنساها حادثة وقعت في الكاظمية قبل عشرات السنين. وهي لو حللناها تحليلاً علمياً لوجدناها ذات مغزى اجتماعي هام.
فلقد تظاهر جماعة من أهالي الكاظمية، لسبب من الأسباب، وخرجوا إلى ظاهر البلد يهرجون ويشغبون. . . فجاءهم جلواز على رأس ثلة من الشرطة وأطلق عليهم رصاص الرشاش فقتل منهم عدداً.
وهو لم يكتف بهذا فوّجه الرشاش على مقهى قريب كان مزدحماً بالجالسين فقتل منهم جمعاً غفيراً. وترك المناحات قائمة في أرجاء المدينة.
لقد كنت آنذاك تلميذاً في احدى المدارس المتوسطة وكانت المثل العليا والمبادىء المطلقة التي كان المعلمون يمطروننا بها يوماً بعد يوم راسخة في ذهني.
ولذا شعرت بالعجب الشديد من جرأة ذلك الجلواز على قتل الناس، برصاص الرشاش، من غير تفريق بين صغير وكبير أو بين متظاهر ومتفرج أو بين قائم وقاعد - حيث لم يفعل مثل فعله إلا الايطاليون في الحبشة أثناء احتلالهم إياها.
لقد لقّننا المعلمون ووعظنا الواعظون بأن الضمير هو نبراس الحق وصوت العدل في الإنسان. وقد تخيلت بناء على هذا أن ذلك السفاك سيذوب حزناً من جراء ما أثكل من أمهات ورمّل من زوجات وأيتم من أطفال، وأن ضميره سيظل يخزه حتى يموت كمداً.
ولكني عرفت أخيراً بأنه قد أصبح بطلاً يشار إليه بالبنان. فعلمت عندئذ أن الضمير البشري لا اعتماد عليه.
#علي_الوردي
#خوارق_اللاشعور
#علي_الوردي
#خوارق_اللاشعور
جاري تحميل الاقتراحات...