ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

26 تغريدة 92 قراءة Aug 24, 2021
في ربيع عام 1840 وأثناء طريقه البري الممتد وجد الشاب البريطاني أوستن لايارد نفسه أمام تلة عجيبة في أرض مقفرة بين نهري دجلة والفرات، كان الشاب العشريني في طريقه إلى الهند من أجل جمع الثروة، لكن هذه التلة جعلته ينسى رحلته ومسيرته، ويتشبث بهذه الأرض إلى الأبد!!
#حياكم_تحت 🌹
ولد لايارد في باريس عام 1817 لأسرة إنجليزية عريقة، حيث تنقلت أسرته بين عدد من المدن الأوروبية وصولاً إلى البندقية الإيطالية التي احتوت كامل طفولته، حيث عاش في كنف فنون بصرية عدة أورثته حسًا مرهفًا وجعلته رسامًا ماهرًا، تمامًا كما ورث عن أبيه حب الآداب والمغامرة والترحال.
كان لايارد قارئًا نهمًا، ولقد كانت مغامرات ألف ليلة وليلة بما تحمله من أجواء شرق أوسطية وعربية آسرة هي مجموعته المفضلة التي لم يزل ينهل من عبير قصصها وخيالها المنمق، حتى سكنت أوصاله واحتلت آفاقه.
بجوار ذلك كان لايارد بحكم نشأته في إيطاليا مسيحيًا متدينًا، مهتمًا أيما اهتمام بالكتب المقدسة، خصوصا الجوانب القصصية الملحمية الواردة فيها، والتي لم يخرج معظمها بالنسبة للجغرافيا عن إطار بلدان المشرق العربي من مثل فلسطين وبلاد الرافدين ومصر.
لم يغب حب المال عن لايارد، فبعد انتهائه من دراسة القانون، التحق بتجارة عمه بحثا عن الثراء، حيث عمل معه ما يقرب من الخمس سنوات، قبل أن يوفر له الأخير فرصة ذهبية، فرصة سيحصد من ورائها لايارد ذلك الثراء السريع الذي لطالما تمناه، وظيفة تجارية مرموقة في سيلان (سريلانكا حاليًا).
انطلق لايارد نحو بغيته عام 1839، حيث واصل مسيره البري في بلاد الشام ومنها إلى بلاد الرافدين متجهًا إلى سيلان، قبل تستوقفه تلة غامضة تمثل الارتفاع الوحيد وسط صحراء منبسطة، أمام هذه التلة ظل لايارد واجمًا يفكر، واختلجه شعور غريب، شعور اقرب لليقين أنها تلة تخفي في داخلها كنوز.
هنا تغير مسار لايارد وتخلى تمامًا عن فكرة استكمال طريقه إلى سيلان، وقرر أن يجعل هذه التلة والتنقيب فيها هدفًا له، خصوصًا مع تلك الأنباء المتواترة من مصر عن تلك الكنوز الفرعونية عظيمة القيمة التي يعثر عليها الإنجليز ومن قبلهم الفرنسيين في كل مكان على هذه الأرض.
لم يكن لايارد منقبًا أثريًا بل قانونيًا، لكنه رغم ذلك كان محبًا للتاريخ والمغامرة ويعرف قيمة بلاد الرافدين وما احتوته من حضارات عظيمة ذُكرت في التوراة والإنجيل، رغبته في استكمال القصة والكشف عما يخبأه هذا التل الغامض الذي لا يلتفت إليه أحد دفعته لتكوين فريق للتنقيب والبدء بالعمل
انطلق لايارد بفريقه ليلا إلى حيث موقع التل، وفور وصوله استطلع المكان ثم بدأ في الحفر، انصرم الليل دون أية نتيجة، فقط أتربة يتلوها أتربة، عم الضياء أرجاء المكان والفريق مستمر في التنقيب دون كلل، وحين بدأ التعب يدب في نفس العمال، صاح أحدهم فرحًا.
لقد اصطدمت فأسه بحجر رخامي، إنه أمر غير اعتيادي، عاين لايارد هذا الحجر، ثم أرشد إلى الحفر بموازاته حتى تكشف لهم في الأخير أنهم فوق سقف إحدى الغرف القديمة المندثرة، كان هذا سببا كافيا كي يستمر العمل والحفر لمدة أيام، قبل أن يصلوا إلى كامل الغرفة.
وجد لايارد نفسه أمام ألواح ونقوش بلغة غريبة منحوتة ببراعة فائقة، وهو مؤشر ارتوت به نفسه وتأكد من صدق توقعه، بعد ذلك استمر الحفر في نفس المنطقة، لكن الأمر بعد مرور شهر لم ينتج عنه أي جديد، لايارد يريد شيئًا أكثر جذبا للانتباه من مجرد نقوش، وذلك حتى يضمن استمرارية تمويله ودعمه.
في أحد الأيام وقد تمكن اليأس من نفس الجميع، صاح العمال ينادون على لايارد الذي كان قابعًا في خيمته، لقد وجدنا شيئًا نعجز عن وصفه، استطاع العمال بحفرهم أن يتلمسوا رأس تمثال ضخم، تمثال أزاحوا عنه الركام رويدا رويدا حتى تكشف لهم عن أسد ضخم برأس إنسان وبجانبه آخر مماثل.
مثّل هذا الاكتشاف ضجة كبيرة جعلت لايارد وموقعه تحت نظر العالم جميعه تحت عنوان ضخم، هنا حضارة قديمة يتم اكتشافها لأول مرة، هنا حضارة الآشوريين المفقودة، بفضل اكتشافه الأخير خرج أمر التنقيب إلى العلن ومدد التصريح ومول لايارد وفريقه من المتحف البريطاني.
لم يكن التل الذي توقف أمامه لايارد بالتنقيب إلا قصرًا آشوريا قديمًا ألمت به نيران وحرائق، ومع الزمن توارى تحت الرمال، اكتشف لايارد عبر شهور من التنقيب مئات القطع الآثرية الآشورية في هذا الموقع.
مثلت اكتشافات لايارد لتلك الآثار الآشورية نصرًا كبيرًا لبريطانيا على فرنسا في حربهما المشتعلة حينذاك في مجال البحث عن الكنوز، وبفضل هذه الآثار الثمينة التي عرضت في متحف لندن، نال لايارد شهرة ونفوذا واسعا لامس به بعض ما أراده لنفسه من نجاح، لكنه لا يزال تواقًا للمزيد من الاكتشاف.
في الحقيقة لم يكن لايارد البطل الأوحد لهذه الاكتشافات بل اختبأ خلفه رجل آخر هو العراقي الآشوري هرمز رسام، الذي عمل معه كمدير مالي، أثار رسام انتباه لايارد ونشأ بينهما تعاون كبيرة وصداقة قوية، دفعت الأخير لتوفير فرصة لرسام للسفر إلى بريطانيا من أجل دراسة التنقيب في كلية ماجدالين.
أمضى رسام في دراسته مدة 18 شهرًا عاد بعدها لينضم إلى لايارد في حملته الاكتشافية الثانية الموسعة والمدعومة من المتحف البريطاني والتي بدأها عام 1849، حيث اختار موقعًا جديد على ضفاف نهر دجلة، استغرق المشروع سنوات عديدة، استطاع فيهما رسام ولايارد أن يحققا الكثير.
استطاع الرجلين أخيرًا أن يعثرا على كنز دفين سيكون له الدور الأبرز في الكشف عن تفاصيل الحضارة الآشورية فيما بعد، إنها مكتبة آشور بانيبال، أشهر ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة، تكونت المكتبة من 15 ألف من الألواح المسمارية، ألواح احتوت على قصص وقصائد ومعارف آشورية كثيرة.
حتى ذلك الوقت لم يتوصل احد إلى فك شفرة اللغة الأكادية التي كُتبت بها الألواح، لذلك ظل محتواها مجهولاً، ونقلت إلى المتحف البريطاني، وظلت محفوظة هناك سنين طوال، قبل أن يتمكن جمع من علماء اللغة عبر مساهمات ممتدة على مدى قرون من فك شفرة اللغة الآكادية.( لها رجعة قريبا بموضوع مستقل)
بعد أن خاض غمار الدبلوماسية والسياسة حل رسام محل لايارد، لكن بقيت الصداقة بينهما، وقد اجتهد رسام كثيرًا لنيل ثقة البريطانيين والانتماء إليهم قلبًا وقالبًا، حيث كان معجبًا بهم إلى حد جعله يعتنق مذهبهم البروتستانتي ويتشبه بهم في كل شيء.
أظهر رسام تفانيًا فائقًا في خدمة البريطانيين وساهم في اكتشافات ليس لها مثيل، حيث بلغت عدد الألواح الآشورية التي اكتشفها وأرسلها فقط إلى لندن نحو 70 ألف لوح، وهي اكتشافات جعلته بالفعل ذائع الصيت وموثوق به من بريطانيا، في ظل حرب استعمارية شرسة على نيل تلك الكنوز مع جارتها فرنسا.
في ثمانينات القرن التاسع عشر وبعد أن امتلأت المتاحف البريطانية بالآثار الآشورية؛ هدأت فورة الاكتشاف وقل الدعم، وعمدت بريطانيا إلى محو اسم رسام من سجلات الاكتشاف، ونسب القنصل البريطاني في بغداد وقتها السير هنري راولينسون، كل اكتشافات رسام إلى نفسه
لم يقف الأمر عند ذلك الحد بل وصف القنصل البريطاني رسام على أنه مجرد حفار واتهمه بالاستفادة بشكل غير مشروع من تجارة الآثار في تلك الفترة، لاحقًا لم يجد رسام أحدًا لينصفه وأزيل اسمه من المتحف البريطاني ولوحاته الإرشادية وتوفي عام 1910 في هوف جنوب شرق بريطانيا ولم يجد ناشرا لمذكراته
لم يقف بجوار رسام في محنته هذه سوى صديقه لايارد الذي قال عنه "إنه أحد أكثر الزملاء الذين عرفتهم شرفا واستقامة، ورجل لم يتم الاعتراف على الإطلاق بما قدمه من خدمات"، لكن اليوم وبعد مرور أكثر من مائة عام على وفاته أعاد المؤرخين لرسام اعتباره وأشاروا إلى سبقه في الكشوفات الآشورية.
أما لايارد الذي تقاعد من وظيفته الدبلوماسية عام 1880، عاد أدراجه مجددًا إلى مدينة البندقية التي عاش فيها طفولته، حيث اشترى قصرًا أثريًا قوطيًا وعاش فيه بقية حياته مهتمًا بالفن الإيطالي والكتابة فيه وكذا تدوين سيرته الذاتية، وحين توفي عام 1894 نقل رماده إلى إنجلترا .
لكن علماء الآثار في العصر الحديث وجهوا لرسام ولـ لايارد انتقادات متكررة حول طريقة تنقيبهما غير العلمية التي جرفت وأتت على كثير من المقتنيات والآثار الآشورية، ووصفتهما بأنهما مجرد صائدي كنوز، أتيا نتيجة صراع استعماري غير أخلاقي بين فرنسا وبريطانيا.

جاري تحميل الاقتراحات...