⚖المطيب الحجازي⚖
⚖المطيب الحجازي⚖

@sunofthesky12

32 تغريدة 211 قراءة Oct 10, 2021
الأصالة والمعاصرة انسجام أم تضاد
يسأل أحدهم ما معنى الأصالة وما أهمية أن تكون أصيلا؟ نقول له إن الاصالة من كلمة أصل أي أساس واصل الشيء أساسه ومبدئه لذا حين يطلب منك أحدهم أن تكون أصيلا أي أن تكون ممثلا لحضارتك وهويتك وأن تكون هي الأساس الذي تنطلق منه
وبذا يكون مفهوم الأصالة بأن الانسان ينطلق من أسس دينه وحضارته وثقافته التي كانت المكون الأساسي في تنشئة أمته وبيان من هو ، والمعاصرة من العصر بمعنى أن يعاصر الانسان عصره أن يكون ابن زمانه وأن يواكب تطوراته ومخترعاته وعلومه
ومن هنا انطلق مفهوم الأصالة والمعاصرة والتضاد الموجود بينهما في بعض الأحيان ، فكيف تكون عصريا ومتوافقا مع زمانك وأفكاره وكيف تحافظ على أصالتك وقيمك الدينية والثقافية في ظل الحضارة المعاصرة التي في كثير منها تقوم على مخالفات للقيم التي يعتنقها الفرد المسلم
خاصة حين نتكلم في المفاهيم العلمية والفلسفية وأيضا الانحلال الأخلاقي والاباحي في الحياة العملية وكيف تتصادم مع السلوك المستقيم الذي يفترضه الدين على المؤمن .
إن الحضارة المعاصرة والقادمة في كثير من أفكارها وأدواتها من الغرب قائمة على أساس علماني إلحادي فقصة الصراع بين الكنسية والعلم قصة طويلة أفرزت كراهية للدين في الغرب لذا اتخذت الحضارة الغربية بعده مسارات إلحادية أو شبه إلحادية وأقصت الدين بشكل كامل
حتى المتدين في المفهوم الغربي الحديث فالدين لديه هو شكل طقوسي لا يتعلق كثيرا بسلوكه وأخلاقه وتعامله مع الناس بل وحتى العبادي فهو ضعيف ومفهوم الإيمان لديهم مشوش حتى إن كثيرا من رجال دينهم يتسامح مع الشذوذ الذي هو مجرم في أصل الديانة النصرانية
وقناعة كثير من الغربيين بأن التحريف طال دينهم لذا فقدوا إيمانهم به ، من هنا أخذت الحضارة المعاصرة هذا البعد وحاولت إصباغه على العالم ونجحت في الأعم الغالب فالدول التي يعد الدين فيها محركا رئيسا تعد على الأصابع ، ومن هنا اكتسبت الحضارة المعاصرة طابع علمانيا يتصادم مع الدين
خصوصا بعد إتفاقيات الأمم المتحدة في ما يتعلق بالتمييز ضد المرأة والحريات ومحاولة تعميمه على الدول والضغط عليها عبر العقوبات الاقتصادية والسياسية وعزلها ونبذها كي ترضخ ، وهذا جزء مما نعاصره وأصبح يضغط حتى على الفرد العادي بالتخلي عن قيمه الدينية والأخلاقية
إذ أن دخول الحضارة المعاصرة في أدق الأمور وتحكمها في التفاصيل حتى في إدارة بيته و تربية الأبناء لأن الاتفاقيات الحديثة تتحدث عن تفاصيل تربية الطفل حتى فكأن الانسان المعاصر لم يعد يتملك أي حرية في اختيار مصيره أو طريقة حياته أو تربيته لأبنائه
فغالب الأشياء محددة سلفا وفقا لهذه الاتفاقيات وليس له أن يخالفها فانضمت الحكومات لهذه الاتفاقيات وأصبحت تتسلط على شعوبها بها لم يعد الطغيان استبداد حاكم أو سرقة أموال بل أصبح الاستبداد هو كيف تسير حياتك بالتفصيل فالوقت الذي تزعم فيه الحضارة المعاصرة بأنها أعطت الإنسان حريته
في الوقت الذي أصبح الإنسان أشبه ما يكون كالآلة القوانين تحدد كل شيء وعليه أن يمضي هو عليها ويوجد دليل عليه أن يمشي عليه فإن خالفه وقعت عليه العقوبات حتى السلوكيات الشخصية لم يعد يتم التعاطف الأخطاء البسيطة فالإنسان يخشى أن يصوره أحد على سلوك ما
ويصبح وسما عاليا في أحد وسائل التواصل الاجتماعي ومطلوبا القبض عليه ثم يحدثونك عن الحرية ، وأنت حتى لا تستطيع أن تجاهر بحقائقك دينك وإن جاهرت فسيتم نبذك وإقصاءك ، بل حتى العبادات أو طريقة اللباس المحافظ كالحجاب أصبحت ممنوعة في كثير من الدول
وهي دائما ما يقوم العلمانيون على حربه ومطاردته كجزء مستمر في الحضارة المعاصرة ففي المئة السنة الأخيرة كان الحجاب دوما محارب ابتداء من أتاتورك الذي منع النساء من لبس الحجاب وأجبرهم على خلعه وانتهاء في عصرنا الحالي كما تفعل فرنسا وغيرها من الدول الأوربية
فالتضييق على الحجاب واحدة من سمات العصر إذا سائل يسائل أهذا ما تقصده من المعاصرة ،قلت ليس بالضرورة ذاك فنحن نسرد الجانب السيء من عصرنا ولا نغفل الجانب الإيجابي من تطور العلوم والطب وتطور الدول والأخذ بمفاهيم جديدة نوعا ما في الإدارة والحكم والتواصل الإنساني المعرفي
هذه كلها هنا من مزايا عصرنا لكن الأنسان يسأل كيف يمكن الجمع بين الأصالة والمعاصرة هذا هو السؤال هو المعضلة التي حيرت الكثير من المفكرين وطلبة العلم والباحثين فحين أراد الكثير من مما أرادوا مواكبة العصر فقاموا ونبذوا الكثير من الأمور الشرعية خلف ظهرهم
وانغمسوا في مفاتن الحضارة الفكرية وأخذوا يجعلونها هي المعيار ومنها بدأوا في تأويل كثير من الآيات والاحاديث كل هذا حتى لا يصطدموا مع الحضارة الحديثة وتكون أفكارهم مواكبة للعلم والحضارة بل ربما وصل الأمر في البعض منهم إلى افتراض خطأ بعض النصوص فقط لأنها خالفت ثابتا علميا
بل وظهر ما يسمى بالتنوير الإسلامي كما ظهر من قبل الاشتراكية الإسلامية وغيرها من محاولة دمج لكثير من الأفكار ومحاولة إلباسها لباسا إسلاميا فقط لكي يزعم الجمع بين القديم والجديد وهنا وقع الكثير في هذا المأزق أو نقول الحفرة ، إنك في الأساس خضعت للمعاصرة وأقصيت الأصالة تماما
لأنها هي كانت المعيار وهذا خطأ بين وأيضا ذهب البعض بحجة الأصالة والعودة إلى الأصول بشكل كامل فنبذ الجديد تماما وكل ما ينتمي معه بحجة الإصالة وهذا ظاهر وجلي في تطبيقات داعش والقاعدة فهما كفروا كل الحكام بحجة التحاكم إلى المنظومة الأممية والاعتراف بالكافر والتعاون معه
واستحلوا الدماء بل وقامت داعش بالسبي وإعادة الرقيق كدلالة على العودة إلى الأصول وهذه خطأ لكنهم أهون شرا ممن يزعمون تغيير الدين فقط ليتواكب مع العلمانية والليبرالية مما قد يصل بالبعض إلى الخروج من ربقة الدين بالكلية
إن الأمر المفترض هو أن لا يعيش الإنسان خارج زمانه ويتجاهل تطوراته ولكن لا ينسى أصوله ، والنجاح في الإجابة على هذا السؤال هو حل لكثير من الإشكاليات التي مرت بها الأمة في الحاضر وكثير من الدول الإسلامية فكان سؤال الجمع بين الأصالة والمعاصر هو سؤال العصر وهي المعادلة الصعبة
فالانكفاء لدى البعض في الماضي دون مواجهة العصر من بعض العلماء أدت إلى تهميش الإسلام و زعم الكثير بأن هذا الدين غير قادر على مواكبة الزمان ولكن البعض دخل الميدان وأجاب فذهب وتعلم العلوم الجديدة وأتقن النظريات العلمية وساهم في التطوير العلمي للأمة وأخذ على عاتقه تعلم العلم الشرعي
ومنها من بدأ في دراسة الفلسفة الغربية ومن ثم الانطلاق في نقدها من هذا الباب وبدأت تظهر كثير من المؤلفات في هذا الجانب وبدأت بعض من الحركات الإسلامية في أخذ ونسج مفاهيم حديثة في محاولة للجمع بين الأمرين لكن كان الوقوع في فخ جعل المعاصرة معيارا أو الرضوخ إلى ضغط العصر
سببا في وقوع بعض الأخطاء لكن قلة ممن سلم من هذا الخطأ وجعل الأصالة مبدأ بحيث أن الحق والحق كله في دين الله ومن ثم استخدام الأدوات العصرية وبعض الأفكار في التربية و علم النفس والعلوم الاجتماعية قطعا عن اتفاقهم في أن العلوم البحتة كالرياضيات والهندسة والفيزياء والطب
وغيرها من علوم التقنية الحديثة يمكن الأخذ منها دون خوف كونها لا تتصادم حقائقها مع الدين أو تتعلق به ، إلا في بعض الجوانب الدقيقة ، عليه فمن نجح في الجمع بين الأصالة والمعاصرة كنموذج يمكن أن يستفاد منه ويدلل هو في السعودية سابقا
فقد كان هو نوع من المزواجة بين الأخذ بين كل تقنيات العصر والاستفادة منه في كل شيء ممكن وتطوير أساليب الحكم والإدارة والمجالات المجتمعية وتغيير حياة الناس وزيادة رفاهيتها مع الثبات على المبدأ وجعل الدين منطلقا وعدم مخالفته والحفاظ على أصالة المجتمع وقيمه
إلا أنه في السنين الأخيرة أختل هذا التوزان حين جعلت المعاصرة هي المعيار في تحديد ما هو صائب والرضوخ لضغوط العصر بحجة الانفتاح وفتح باب الاستثمار وتقبل الآخر هنا كان الفخ ، وما يزال السؤال قائما والمعادلة صعبة فمن ينجح في حل هذه المعادلة
سيكون قد تجاوز الكثير وسينطلق بلا توقف في التطور المعاصر ومن الممكن أن يكون نموذجا يقتدى وبه تتحقق النهضة الشاملة للأمة المسلمة التي كانت معضلة التصادم بين الأصالة والمعاصرة سببا في تخلفها وبقاءها خلف الأمم
فلا هي أمة آمنت بربها وحافظت على قيمه ولاهي أمة أخذت بأسباب المعاصرة وانطلقت و واكبت العالم وأصبحت منارا للعلم بل كانت عجيبا في خلط من الظلم والاستبداد في نبذها لماضيها والتنصل من قيمها وعدم أمساكها بأسباب التطور العلمي والتقني وتحقيق أفضل المستويات العلمية ،
فلا هم نجحوا في آخرتهم ولا دنياهم و وقعوا في التخلف الديني و الدنيوي ، واليوم عادت طالبان للحكم من جديد ويظل التحدي قائما هل تستطيع موازنة المعادلة بنجاح والتمسك ببلد محافظ على الثوابت الشرعية والقيم دون الدخول في مسلسل التنازلات
وفي ذات الوقت تبني دولة ومجتمع معاصر قادر على بناء نفسه وتحقيق نهوض اقتصادي وليس المطلوب منافسة الدول الكبرى ولكن على الأقل مقومات دولة يعيش فيها الناس بأمن وأمان واقتصاد حديث وعلاقات مع العالم
دون الدخول في عزلة دولية تؤدي بها لأن تصبح دولة فاشلة ، طبعا لو فرضنا الفشل فقد لا يكون منهم، لكنه التكالب وتعمد إفشال أي تجربة تنطلق من الأصالة لتحقيق البناء ، في كره للحضارة المعاصرة لكل ما هو أصيل ،
ولهذا تظل المشكلة باقية ونسأل الله من يقيض لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من يكون بها نجاتها وتقدمها وعودتها للعالم لتحكم من جديد ويستظل العالم بحكمة وعدالة الإسلام .

جاري تحميل الاقتراحات...