يتبجَّح التلاحدة والمنصرّون قائلين: أيُّهما الصَّحيح؟ "الصَّابئين" أم "الصَّابئون"؟!
ونحن نقول: تعسًا لِمَن أوردته حماقتُه المهالك، سالكًا في غيِّه كل المسالك! فإنَّه من المعلوم عند كلِّ عارف باللغة أنَّ الكلمة قد يكون لها أكثر من وجه إعرابي صحيح، بحسب المعنى المقصود من السياق،
ونحن نقول: تعسًا لِمَن أوردته حماقتُه المهالك، سالكًا في غيِّه كل المسالك! فإنَّه من المعلوم عند كلِّ عارف باللغة أنَّ الكلمة قد يكون لها أكثر من وجه إعرابي صحيح، بحسب المعنى المقصود من السياق،
فالإعْراب فرع المعنى، وتغيُّر المعنى قد يؤدِّي إلى تغيُّر في الإعراب.
فمثلاً إن قُلْنا: إنَّ السياق في آية المائِدة يقتضي سؤالاً مقدَّرًا - وهو الوجْه السَّادس من الوجوه الإعرابيَّة - فهُنا يُمكننا القول بأنَّ: "إنَّ" هنا بمعنى "نعَم" الجوابيَّة، أمَّا في آية سورة البقرة،
فمثلاً إن قُلْنا: إنَّ السياق في آية المائِدة يقتضي سؤالاً مقدَّرًا - وهو الوجْه السَّادس من الوجوه الإعرابيَّة - فهُنا يُمكننا القول بأنَّ: "إنَّ" هنا بمعنى "نعَم" الجوابيَّة، أمَّا في آية سورة البقرة،
فإنَّ السياق لا يقتضي ذلك السُّؤال، ومن هنا اختلف الإعْراب رغْم التشابُه الظَّاهري بين الآيتَين.
ومِن المناسب أن أنقل هنا كلامًا نفيسًا للكرماني حول تكرُّر هذه الآية في ثلاثةِ مواضع في القرآن، حيث قال:
ومِن المناسب أن أنقل هنا كلامًا نفيسًا للكرماني حول تكرُّر هذه الآية في ثلاثةِ مواضع في القرآن، حيث قال:
"قولُه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾ في البقرة، وفي الحج: ﴿ وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى ﴾، وقال في المائدة: ﴿ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ﴾؛ لأنَّ النَّصارى مقدَّمون على الصَّابئين في الرتبة؛ لأنَّهم أهل كتاب،
فقدَّمهم في "البقرة"، والصابئون مقدَّمون على النَّصارى في الزَّمان؛ لأنَّهم كانوا قبلهم فقدَّمهم في "الحجِّ"، وراعى في المائدة بين المعنيين فقدَّمهم في اللَّفظ وأخَّرهم في التَّقدير؛ لأنَّ تقديره: والصابئون كذلك"[13].
وبيان ما قاله الكرماني: أنَّ الصَّابئين يُقدَّمون على النَّصارى من الناحية التاريخية الزمانيَّة؛ لأنَّهم كانوا قبلهم، والنَّصارى كأهل كتاب هم أفضل من الصَّابئين في مكانتِهم ورتبتهم؛ لأنَّ الصَّابئين أشدُّ كفرًا من النَّصارى؛ ولذلك فإنَّ النَّصارى يقدَّمون من هذه الناحية.
وآية البقرة راعت المكانة والرُّتبة فقدَّمت النَّصارى في الذكر: ﴿ إِنَّ الذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر وعَمِلَ صَالحا فَلهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
أمَّا سورة الحجّ، فقد راعت الناحية الزمانية والتاريخية، فقدمت الصابئين على النَّصارى في الذِّكْر: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الحج: 17].
وفي سورة المائدة جاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [المائدة: 69]،
فراعى النَّاحيتَين معًا: حيث قدَّم الصابئين من حيث اللفظ فذُكِروا أوَّلاً، وإن كانوا قد أُخِّروا من حيث التَّقدير؛ لأنَّه حين رُفعت (الصَّابئون) صارت مبتدأ خبرُه محذوف تقديره (كذلك)، وكأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنَّصارى حكمهم كذا، والصَّابئون كذلك،
كما وضَّحْنا في الوجْه الإعرابي الأوَّل، وبذلك يكون قد راعى النَّاحية الزمانيَّة فقدَّم الصَّابئين في ذكرهم باللَّفظ، وراعى ناحية الرتبة والمكانة فأخَّرهم في تقدير المعنى.
فانظر إلى وجوه البلاغة في القُرآن وانظر إلى عظمة بيانه، ثم انظر إلى ذاك التلحود وقد رجع خائبًا وهو حسير، فقد أراد إثباتَ منقصة، فإذا هي منقبة، وادَّعى وجود خطأ، فإذا هو وجهٌ من البيان وضرب من البلاغة التي أعجزت بُلَغَاء العرَب وأمراء اللغة والشعر فيهم،
وهكذا في كلِّ مرَّة يُحاول المنصِّرون إثبات عيبٍ أو نقصٍ في الإسلام، يظهر عند البحث والنَّظَر أنَّ ما حاولوا إظْهاره كعيب هو مزيَّة كبيرة ومحْمَدة عظيمة، فسبحان مَن أنزل هذا الكتاب فأعجزَ به الإنس والجن! وتبًّا لمن ألْحد في هذا الكتاب؛ فإنَّ مَن يغالب الله يغلب.
نسأل الله أنْ يجعلنا ممَّن يرعى كتابه حقَّ رعايته، ويتدبَّره حقَّ تدبُّره، ويقوم بقسطه، ويُوفي بشرْطِه، ولا يلتمس الهُدَى في غيره، وأن يهدِيَنا لأعْلامه الظَّاهرة، وأحْكامه القاطِعة الباهرة، وأن يجمعَ لنا به خيرَ الدُّنيا والآخِرة، فإنَّه أهل التَّقوى وأهل المغفِرة.
وصلِّ اللهُمَّ وسلِّم وبارِك على محمَّد، وعلى آله وصحابتِه، والمهتدين بهدْيه إلى يوم الدين.
#وهم_العلمانية
#وهم_العلمانية
جاري تحميل الاقتراحات...