خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

14 تغريدة 20 قراءة Aug 17, 2021
————- ( العالية عالية ) ———————
يعيش الإنسان حياةً قصيرة في عمر الكون سواءً طالت حياته أو قصرت، غير أن هناك أشخاصًا يبقون خالدين في ذاكرة التاريخ بما حققوه من إنجازات عظيمة تظل الأجيال ترويها، وتفخر بها.
رجال ونساء كانوا ينابيع عطاء أترعوا كؤوس الزمان فخرا، وكانوا قدوات تُحتذَى، ومنارات يهتدَى بها.
قبل أيام رحلت في صمت وعن صمت واحدة من أعظم النساء العراقيات اللواتي سطرن أسماءهن بأحرفٍ من نور في سجل الخلود.
إنها أمينة المكتبة المركزية في البصرة
( عالية محمد باقر )
موظفة بسيطة لكن إرادتها أقوى من الفولاذ.. أحبت عملها ووطنها وثقافتها، وكانت على قدر من المسؤولية حين اقتحمت الأهوال لتنقذ آلاف المخطوطات والكتب النادرة التي كانت عرضة للتلف والنهب عام 2003م إبان الغزو الأمريكي على العراق.
الغزو الذي بدأ بكذبةٍ وانتهى بمأساة للعراق وأهله.
حين اندلعت الحرب، واقتحمت القوات الأجنبية العراق، ماج البلد، وانتشرت الفوضى، واضطرب الأمن في معظم المدن العراقية، وكانت مكتبة البصرة تزخر بمخطوطات نادرة جدًا…
أخذ القلق حينها يساور الأستاذة عالية، وتذكرت ما حدث للعراق ومخطوطاته إبان دخول التتار للعراق،وإحراق المكتبات وإلقاء ملايين الكتب في دجلة والفرات.
وبعد أن حاولت معالجة الأمر معالجة رسمية وأخفقت مساعيها قررت المغامرة،واتخذت القرار الحاسم، والقرار الشجاع إذ لاخيار سواه أمامها حينها.
إذ قامت بنقل المخطوطات والكتب على مسؤوليتها، وتعاون معها أهالي الحي، وهَرَّبوا النفائس إلى مكان آمن، وتحقق لهم ما أرادوا، وحفظ الله تراثًا نادرًا من الضياع من بينه مخطوطة سيرة نادرة لنبينا الكريم ﷺ يعود أصلها التاريخي إلى 1300 سنة، وما إلى ذلك من نوادر يتعطش لها العلم والعلماء.
صح حدس عالية،ولا يخيب حدس العظماء
فبعد مدة يسيرة اندلع حريق هائل في المكتبة.
والْتهمَ كل شيء،ولم يُبْقِ ولم يَذَر،ومنقولات عالية بهمتها العالية ترتع في أمان لم يمسسها سوء
لم تكن عالية أمينة مكتبة البصرة فحسب،بل أمينة تراث وطن استأمنَها على نفائسه،فكانت على قدر الأمانة والمسؤولية.
كثيرون كانوا سيكتفون بواجبهم الوظيفي المقرر، ولن يُحَمِّلوا أنفسهم عبء المغامرة والمخاطرة والمسؤولية، وسيدعون المخطوطات تلاقي مصيرها المحتوم،
غير أن الهمم العالية والأرواح السامية ترى ما لا يراه الراضون بالكفاف، الذين لا تعنيهم إلا مصالحهم، ولا يدركون حجم المسؤولية الأخلاقية في موقف كهذا الموقف الحاسم الذي حسمَتْه سيدةُ المواسم العالية … عالية .
لقد ألهمَتْ شجاعتها الكتّاب في تدوين سيرتها البطولية، وكتبت عنها الصحف العربية والعالمية، وألف كاتب أمريكي كتابًا عنها، وأصبحت رمزًا وطنيًا عراقيًا، وعاملها أهل العراق بكل فخر وبطولة وتقدير، وأصبحت أمينة المكتبة أمينةً على الثقافة والحضارة والتاريخ.
يبحث المنتجون ومخرجو الأفلام عن قصص خلاقة وعظيمة لترجمتها إلى أعمال سينمائية تعرض في دور السينما والقنوات، وهذه القصة من أجمل وأعظم القصص التي تمنحنا إياها الحياة.
بطولةٌ خالدة، وقلبٌ رغم رقّته جسور .
رحلت أخيرًا العالية .. عالية … متأثرةً بإصابتها بفايروس كورونا، بيْد أنّ سيرتها ستبقى ويجب أن تبقى إن كان للوفاء مكان في هذا الزمان.
ماذا لو أُطْلِقَ اسمها على مكتبة البصرة تكريما للمكتبة ولمنقذة المكتبة، فبمثل عالية تَفخَر الشعوب، وتُنصَب الشواهد تكريما وعرفانا.
أقل ما يمكننا فعله أن نفخر بالخالدين والخالدات والماجدين والماجدات، ونُعَلِّم أبناءنا كيف كان العظماء، وكين يكونون عظماء.
قفلة:
هناك إلى الجَنّةِ العاليَةْ
جِوارَ النبيينَ يا عاليَةْ
ستبقينَ فينا صدىً خالدًا
تُرَدِّدُه الأعصُرُ التاليَةْ
#خالد_بن_ابراهيم_الجريوي

جاري تحميل الاقتراحات...