الشيخ أحمد الخليلي موظفٌ في الحكومة بدرجة وزير. ارتباطه وثيق بالدولة العُمانية كونه مُفتي عام السلطنة. وله تصريحان أثارا الجدل مؤخرا، الأول بشأن جامع آيا صوفيا، والثاني تهنئته لأفغانستان بخروج الاحتلال منها، وهذا يطرح بعض التأويلات والأسئلة المشروعة من قبل أي عُماني.
ما هي الصفة التي صدرت بها هذه التصريحات؟ هل بصفة رسمية؟ أم بصفة شخصية؟ فحتى المسؤول في الدولة له حق في التمتع بهامش الحرية المسقوفة قانونية في عُمان. الجميع يعلم ذلك، ويحق له إبداء الرأي في الرأي، وتأويل الكلام أيضا متاح، ما لم يُحمَّل التأويل ما يُسنده منطق الواقع.
مواطنٌ عماني عبّر عن رأيه في حدث سياسي خارج عُمان، لماذا قيمته الاعتبارية تمنعه من أن يكون له رأي؟ نحن حيال حدث شخصي فردي بحت، فلا ذكرَ لموقعه الرسمي من البيانات، ولا إقحام لرمزيته الدينية في الموضوع، وكأن رئاسته لمنظومة الإفتاء في عُمان تمنعه من أن يكون له رأي فردي؟
وأين المُشكلة؟ الذين يعانون من استبداد وتسلط الموظف الحكومي لدرجة تعيين نفسه رقيبا على كلام الناس بحجة أن هذا يخرّب معادلة الامتنان التي تتسيّد خطابه عن الوطن ليتهم الناس بعدم الوطنية. خروج المسؤول في آرائه الشخصية عن وظيفته ظاهرة صحية، وتعيد موازين الرأي لنصابها الفردي المنطقي.
وعندما نتحدث عن حق التعبير عن الرأي فهذا يشمل الموظف في الدولة، والمسؤول أو الوزير أو الوكيل، نعم له آراء خارج عمله ويحق له أن يعبر عنها، وإن أردنا الخروج من دائرة الموظف الرسمي المستبد، فأول الإنصاف هو أن يحترمَ رأي الآخرين وحقهم في ذلك، وأن يُحترم رأيه وحقه في ذلك.
الوضع الذي يعُامل فيه المسؤول الحكومي رأي مواطن بأنه غير وطني، وغير [متسق] مع سياسة الحكومة، قد ينعكس، ومن هُنا يحدث القمع والاستبداد وحصار الأفكار والآراء. وزير الزراعة يحق له أن يقول رأيه في تقنية المعلومات والعكس صحيح. والممايزة بين شخص المسؤول ووظيفته حق له وعليه.
والمسؤولون في عُمان هم أول من عليهم أن يعي ذلك، ما هو لهم وما هو عليهم. ألا نضيق ذرعا بوزير يعتبر رأيا ما [غير وطني] أو مشاغبا أو غيرها من صفات المستبد؟ كذلك معاملته بهذا الشكل، أن يُحاصر كلامه بحكم منصب حتى لو عبّر عن رأي مستحق له كمواطن وكإنسان أولا وأخيرا.
لسنوات طويلة عزل المسؤول الحكومي نفسه عن منصات التواصل، واكتفى بخطاب زخرف القول، والمديح الزائد، ودعواته للعُمانين بالامتنان والشكر، ومرت سنوات طويلة والمسؤول الحكومي على هذه الحالة. ما فعله الشيخ أحمد يكسر هذا النمط الجامد، وأتمنى أن يحذو باقي المسؤولين حذوه.
والجميع يعلم أين المشكلة، اعتبار مسؤول حكومي أنه ليس واحدا من الناس، له آراء، ويحق له التعبير عنها هو ما قادنا لمشاكل كثيرة، منها عزوف المسؤولين في عمان عن التواصل مع المجتمع واكتفائهم بفعاليات شكليّة لا تتصل مع الناس مطلقا. إخراج الموظف الحكومي من صفته كفرد استراتيجية غير نافعة.
كمتلقٍ للخطاب، أجد أن ترحيبي بخروج المسؤول الرسمي عن عنجهيته، ومعاملته للناس كأنه ليس منهم، وحصره لتصريحاته فقط بوظيفته، أجد خروجه من كل ذلك ممهدا لظاهرة صحية، فعنجهية المسؤول لطالما أثارت سخط المجتمع، ربما هي فرصة لصناعة نمط جديد في الخطاب.
وخِتاما، عشنا سنوات طويلة جدا ونحن نتعامل مع الحكومة وكأنها [حزب] واحد، وكل من يعمل في الحكومة يصرّح وفق اشتراطات هذا الحزب، وهذا ما مهد الطريق للاستبداد، وللقمع الناعم. ما دام رأيك في قضية عامة غير مرتبط بعملك، فما تقوله محسوب على شخصك لا على وظيفتك.
ومن المسؤول في الحكومة الذي كلامه مهما كان شخصيا سيحسب على الحكومة؟
وزير الخارجية، وزير الإعلام، أو أي مسؤول عسكري. هُنا يمكننا أن نربط مباشرة بين تصريح الشخص ووظيفته. وهُنا نتكلم عن آمال بعيدة في فك الارتباط بين وظيفة الإنسان وطرحه لرأيه العام في منصة إلكترونية.
وزير الخارجية، وزير الإعلام، أو أي مسؤول عسكري. هُنا يمكننا أن نربط مباشرة بين تصريح الشخص ووظيفته. وهُنا نتكلم عن آمال بعيدة في فك الارتباط بين وظيفة الإنسان وطرحه لرأيه العام في منصة إلكترونية.
جاري تحميل الاقتراحات...