ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 389 قراءة Aug 14, 2021
جماعة بروتستانتية أمريكية تتغذى على الكراهية، وتؤمن بتفوق وسيادة العرق الأبيض، وصل عدد أعضائها إلى أكثر من أربعة ملايين شخص، مارست عبر تاريخها إرهابًا وقتلا وتمثيلا بشعًا ضد السود والمهاجرين، كيف نشأت وما جذور الكراهية المستعرة فيها؟ وما هي آخر عملياتها؟
حياكم تحت🌹
خلال حملته الانتخابية أبان أبراهام لينكولن عن مشروع معادٍ لتجارة الرقيق، وهو أمر توجست منه خيفة كثير من ولايات الجنوب الأمريكي المستفيد الأكبر من سخرة الرقيق، لذا حين فاز لينكولن وقبيل تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، أعلنت ٧ ولايات جنوبية يعتمد اقتصادها على الرق انفصالها عن أمريكا
كان حدثًا مدويًا تصاعدت من بعده الأحداث سريعًا، وأفضى في الأخير إلى حرب أهلية استمرت أربع سنوات هي الأكثر دموية في التاريخ الأمريكي راح ضحيتها 750 ألف شخص، حارب فيها لينكولن الانفصاليين بكل قوة، ومع المقاومة الشرسة منهم، قرر الرجل اللجوء إلى حيلة ذكية.
إنه إعلان رئاسي أصدره الرئيس أبراهام لنكولن في 1 يناير 1863م يقضي بتحرير كل العبيد داخل الولايات الانفصالية الجنوبية البالغ عددهم 3 ملايين، وهو أمر قلب كفة الميزان في الحرب لصالح الاتحاد، وأوصل بعد عامين إلى هزيمة ساحقة للمشروع الانفصالي وولاياته.
عادت من جديد جميع الولايات تحت راية الاتحاد الأمريكي، وأضحى ملايين الرقيق في الجنوب أحرارًا، وهو أمر غير كثيرًا من البنية الاجتماعية في تلك الولايات، وأورث في نفوس كثير من ذوي البشرة البيضاء حنقا وغضبا كبيرا، بسبب فقدهم لعبيدهم وتساوي هؤلاء العبيد معهم.
كانت الأضرار الاقتصادية على "البِيض" مفجرة أكثر لهذا الغضب، فبعدما كانت حقول القطن خاصتهم يعمل فيها عبيدهم دون أجر وبكل تحكم وسخرة ممكنة، صار لزامًا عليهم أن يدفعوا أجورًا نظير مباشرة أراضيهم، ولأول مرة صار الجميع سواسية، ولم يعد للعرق الأبيض تميزًا على غيره.
في عام 1865 كانت الحرب الأهلية قد وضعت أوزارها، وهو نفس العام الذي اجتمع فيه ستة عسكريين جنوبيين سابقين من ذوي البشرة البيضاء في إحدى حانات قرية بولاسكي الهادئة، ودفعا للملل قرروا تكوين أخوية سرية يتسامرون فيها ويعاقرون الخمر تحت أضواء من ذكريات سيادتهم وتفوقهم على السود.
فكروا قليلًا في اسم يطلقونه على أخويتهم، وقد اختاروا اسم kyklos، وهي كلمة غير معروفة في الإنجليزية، يرجح البعض أنه عبارة عن صوت شد أجزاء البندقية، فيما يقول آخرون أنها كلمة من أصل إغريقي تعني الدائرة، وأيًا تكن جذور الكلمة فهي ملفتة وتثير التساؤل وهذا ما أرادوه حقًا.
لمزيد من لفت الانتباه أضافوا للاسم كلمة "كلان" بمعنى فريق، وقد بدلوا حرفها الأول بحرف الـ K ليصير اسمهم Ku Klux Klan، كان نشاطهم في بادئ الأمر هادئا لا يتعدى السمر والخمر ودفع الوقت، لكن مع زيادة أعضاء الجماعة تحول تفكيرهم إلى ترجمة الكراهية التي يغصون بها إلى أفعال واضحة.
بدا العبيد المحررين أهدافًا رئيسة لهؤلاء، حيث أصبحوا يمارسون ضدهم يوميًا أنواعا عديدة من المضايقات والاعتداءات، من ضرب وجلد وتخويف، وهم في كل هذا متخفون خلف أقنعة وملابس تظهرهم في شكل أشباح مرعبة، وأشاعوا بين السود أنهم ليسوا إلا أشباح المقاتلين الجنوبين الذين عادوا للانتقام.
لم ير الكلانيين الجنوب إلا تحت سيطرتهم لذلك تحولوا رويدًا رويدًا إلى تنظيم شبه عسكري يمارس يوميا القتل والتعذيب الموجه ضد كل ما هو أسود، حيث اختاروا جنح الظلام وقتًا لجرائمهم، ولمزيد إتقان لفكرة الأشباح، عمدوا إلى أصوات مخيفة يزمجرون بها مع كل جريمة.
ثم تداخلوا مع السياسة حين هددوا مسير العبيد المحررين إلى صناديق الاقتراع، فبذلوا كل جريمة ممكنة من أجل كفهم عن الإدلاء بأصواتهم، حيث حرقوا البيوت والكنائس ومراكز الاقتراع، وأثاروا فوضى لا مثيل لها، وارتكبوا نحو ألف جريمة قتل فقط في أربعة أسابيع.
بلغ الكلان هذا الموضع من الإجرام حين ترأسه ناثان بيدفورد فورست، جنرال سابق وتاجر عبيد ومجرم حرب عتيد، شخصية متسقة تمامًا مع ما يغص به الكلان من كراهية مفرطة وإرهاب غير متصور، لكن بالتوازي مع ذلك نشطت مقاومة شديدة من قبل كثير من المحاربين الوحدويين وكذا السياسيين.
في يناير 1971 استطاع السيناتور الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا جون سكوت تشكيل لجنة للتحقيق في جرائم الكلان، وبعد سماع نحو 52 شاهدًا استطاعت اللجنة تدوين 12 مجلدا يصف هذه الجرائم ويوثقها، وانتهت تلك التحقيقات إلى الرئيس الأمريكي حينذاك يوليسيس جرانت.
على الفور وقع الرئيس الأمريكي على مشروع قرار تشريعي يقضي باعتبار كيوكلوكس كلان جماعة إرهابية، وتوالت القرارات المترتبة على ذلك، حيث أعلنت الأحكام العرفية وتحرك الجيش الفدرالي المتواجد في الجنوب لمجابهة الكلان، وهو ما أفضى إلى الإعلان عن تدمير الكلان رسميًا عام 1872م.
على الرغم من تفكك الكلان رسميًا إلا أنه حقق مبتغاه وأفكاره، فعزف السود عن المشاركة السياسية وخلصت الساحة للبيض، الذين تشبع كثير منهم بأفكار الكلان، فسادت العنصرية والفوضى وانتشرت الإعدامات الشعبية بحق السود، وصار البيض يفخرون بأخذ صور لهم وهم ممسكون برؤوس ضحاياهم.
عامًا بعد عام صار الكلان في طي النسيان وأضحى تحلله نهائيًا أمرًا واقعًا وملحوظًا، مرت أعوامًا كثيرة، تحديدًا نحو 50 عامًا، قبل أن يخرج إلى النور فيلمًا سينمائيًا تحت عنوان ميلاد أمة للمخرج الأمريكي دي دبليو غريفيث، من إنتاج عام 1915.
مثّل الفيلم ثورة سينمائية مذهلة من حيث التقنيات المستخدمة فيه وكذا الإخراج، جاء الفيلم في ثلاث ساعات، وشارك فيه نحو 18 ألف شخص، وثلاثة آلاف حصان، استقبله الجمهور والنقاد باحتفاء كبير، ونجح نجاحًا باهرًا لم يسبق إليه أي عمل آخر.
من وجهة أخرى مثّلت قصة الفيلم ردة عن كل ما هو إنساني، حيث تناولت أحداثه الحرب الأهلية وقصة جماعة كو كلوكس كلان، وفي حين عظمت من شأنها وجعلتها ممثلة للخير وإقامة العدل والقصاص، ونسبت إليها كل فضيلة، أظهرت السود على أنهم مجرمين أشرار، مغتصبين للنساء البيض.
لم يمر على عرض الفيلم أكثر من عام حتى عادت جماعة كو كلوكس كلان إلى الحياة مجددًا، عبر مؤسسها الجديد المبشر وليام جوزيف سيمنز، والذي أعلن عن إطلاق الكلان مرة أخرى في نهاية 1915 متأثرًا بالفيلم، ونصب نفسه أبا روحيا لما أسماه الإمبراطورية الخفية.
في غضون شهور وصل عدد أعضاء الجماعة 100 ألف، ثم بدأ سيمنز في توظيف الفيلم للدعاية لجماعته وتجنيد مزيد من المتأثرين، وفرض رسما شهريا على أعضائها بواقع 10 دولار، واعتمد نظام التسويق الهرمي لاجتذاب مزيد من الأنصار، حتى فاق عدد الأعضاء منتصف العشرينيات 4 مليون عضو.
الكلان بأشكاله وأزيائه وأقنعته المعهودة صنعه فيلم ميلاد أمة، وقد وجد سيمنز في كل هذا بغيته، فاستخدم نفس الأزياء ونفس الأقنعة، وابتكر لجماعته طقوسا جديدة، وصنع لها مزيدًا من الأعداء، فبجانب السود ناصب الكاثوليك واليهود والمهاجرين العداء وكذا المثليين، كما حرم شرب الخمر.
بدأت الجماعة في انتهاج العنف مجددًا، حيث كشفت صحيفة إكسبوسيف عام 1921 عن أكثر من 100 عمل من أعمال العنف التي ترعاها الجماعة، حيث نصبوا أنفسهم حكامًا على الناس، فأعدموا السود وطاردوا بائعات الهوى ومروجي الخمور وجلدوا اليهود، وعنفوا الشابات اللائي وجدن رفقة شباب!
بعدما بلغت الجماعة ذروتها من ناحية الانتشار والتأثير المجتمعي والسياسي كحركة إصلاحية تدعي الفضيلة، سقطت من عليائها حينما اكتشف الأعضاء أن القيادات يخالفون ما يدعون إليه من فضيلة، خصوصًا بعد إدانة ديفيد ستيفنسون القيادي بالجماعة بقتل سكرتيرته بعد اغتصابها.
هنا كان الموت الثاني للجماعة، حيث انفض الناس من حولها، وتسربت الأعداد الغفيرة عنها إلى غير رجعة، لكنها عادت إلى الحياة مجددا بعد الحرب العالمية الثانية، حينما أثبت العسكريون السود بطولة منقطعة النظير في الحرب، حينها شعر السود أنهم جديرون بالمساواة مع البيض وبدأت أصواتهم تعلو بذلك
حينها خرج الكلان مجددًا من تحت الرماد، وجمعت الكراهية عدد غير قليل من البيض الذين أعلنوا عدم التسامح مع تحركات السود في المطالبة بحقوقهم وإنهاء الفصل العنصري، وارتكبوا سلسلة من أعنف عملياتهم لعل أبرزها تفجير الكنيسة المعمدانية في ولاية ألاباما عام 1963.
هكذا أصبح الكيلانيون يخرجون من سكونهم كلما كانت أسباب الكراهية مواتية، حيث استمرت عملياتهم المتفرقة على مدى العقود القليلة الماضية، منها تلك العملية التي حدثت عام 2015 حينما فتح أحدهم النار على كنيسة تشارلستون الخاصة بالأفارقة وأودى بحياة تسعة أشخاص وجرح ستة آخرين.
وفي عام 2017 قام عدد من أعضاء الجماعة، تحديدًا في ولاية فرجينيا بدهس عشرات من المشاركين في إحدى التظاهرات المناهضة للتطرف اليميني، ويقدر بعض المؤرخين عدد ضحايا الجماعة منذ تأسيسها في منتصف القرن التاسع عشر بنحو 3450 على أقل تقدير.
ختاما:-
تذكر.. العنصرية والتطرف ملة واحدة وإن اختلفت مسمياتها.

جاري تحميل الاقتراحات...