🅰🅻🅸 
🅰🅻🅸 

@ell_Tamemii

119 تغريدة 81 قراءة Aug 12, 2021
من قتل #الإمام_الحسين عليه السلام ؟
{ زهير ابن المرحوم الحاج عليّ الحكيم }
.
.
ظهرت في الآونة الأخيرة عند بعض أهل الخلاف ـ وخصوصاً المتطرِّفين منهم ـ دعوى أنْ قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) هم : من شيعته .
ـ المعتقدين بإمامته بالنص وأنّه الوصي الثالث ـ
ومع سذاجة هذه الشبهة فقد تأثَّر بها كثير من الذين لا يعرفون عن التشيُّع إلاّ القيل والقال ، وقد تعرَّضت لدفعها بياناً للغافلين .
ولا يخفى أنّ الغاية من إلصاق هذه التهمة بالشيعة ، هي : تبرئة أسيادهم آل أبي سفيان من وصمة العار التي تلاحقهم أبد الدهر وتجعلهم في مزابل التاريخ.
وأيضاً إبعاد الناس عن اتِّباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إذ لا يوجد من يتَّبعهم ويسلك سبيلهم ويعتقد بإمامتهم من الله سوى الشيعة .
فإذا ابتعد الناس عن الشيعة ، ابتعدوا عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، واقتربوا من أعدائهم من بني  اُميّة  ومواليهم ومَن حذا حذوهم .
ولا يخفى أنّ قتل الإمام الحسين (عليه السلام) من تبعات ما أسَّسه أوائلهم وأخذوه قاعدة في مدرستهم ، وهو القول بأنّ الخلافة بيد الناس ، لا بالنصّ من الله على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو قول لا يمكن أنْ يقبل به عاقل ؛ إذ كيف لله الرحيم واللطيف الخبير والمحيط بما يحتاجه
الناس في أمور معاشهم ومعادهم أنْ يتركهم سدى مع أنّه لمْ يترك لهم واقعة إلاّ وجعل فيها حكماً حتّى كيفيَّة الجلوس في الخلاء وكيفيَّة النوم وكيفيَّة المشي وغيرها ؟
فلا يعقل أنْ يجعل الله الحكيم الناس يتخبَّطون وينحرفون عن الجادَّة بحيث يكفِّر بعضهم بعضاً ، ويقتل بعضهم بعضاً ،
ويلعن بعضهم بعضاً ، حتّى قتلوا ابن بنت نبيِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، باسم خليفة نبيِّه (صلّى الله عليه وآله) ، وتعدَّوا على أهل بيته (صلّى الله عليه وآله) بجميع أنواع التعدي باسم خليفة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً ،
مع أنَّه لا يختلف اثنان في أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وله من الفضل والشرف والمكانة عند الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ما لا يخفى حتّى على غير المؤمنين برسول الله (صلّى الله عليه وآله) فكيف بالمسلمين؟
ومع ذلك انُتهكت حرمة الرسول (صلّى الله عليه وآله) باسم خليفته ، وحصل الهرج والمرج والتلاعب بالمقدَّسات الإسلاميَّة باسم خليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، بل ما جرى على الاُمَّة ويجري من تشتُّت المسلمين وتفرُّقهم على طوائف متنافرة
إنّما هو بسبب عدم اتِّباعهم ما تمليه عليهم عقولهم ونصوص رسولهم (صلّى الله عليه وآله) ، حيث اعتقد أغلب المسلمين بأنّ الله لمْ ينصب خليفة بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله) .
فهل يرضى العقلاء من الناس من سلطانهم أنْ يُسافر ولا يجعل له نائباً يُدير مملكته ويحفظها ؟ كلاّ وألف كلاّ ،
بل الرجل منَّا لا يترك بيته وعياله لو أراد السفر بدون قيِّم يقوم مقامه ومدير يُدير شؤونهم ، ولو فعل ذلك لذمَّ وليم ووبِّخ أشدَّ التوبيخ على تقصيره وإهماله ، فكيف ينسب هذا إلى سيِّد العقلاء وخالقهم ؟
فهل يُعقل من الله العدل الخبير الحكيم أنْ لا ينصّب هادياً ترجع إليه الاُمَّة ؟ بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله) كما هو في الاًُمم السابقة ؛ إذ لكلّ نبيِّ أوصياء يحفظون الدين من بعده ويقيمون الحقَّ على نهجه .
وبهذا تعرف أنّ كلّ ما جرى ويجري على الأمَّة نتيجةٌ لمَا أسَّسه الأوائل من عدم اتِّباع الخليفة الذي نصَّ عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأمره سبحانه وتعالى بجعل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةً وإماماً من بعده .
وبهذا يعلم أنّ كلّ ذلك بسبب مَن تقمَّص تلك الخلافة بغير حقّ ، وادَّعى له فيها نصيباً وأنّ الويلات النازلة على الإسلام إلى يومنا هذا بسبب مخالفة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) بتركهم الخليفة الواجب اتِّباعه .
وقد جاء من بعد أولئك أناس أخذوا على عاتقهم الدفاع المستميت عن أسيادهم ، وذلك بتمحُّل مبررات لهم لا تُغني عن الحقِّ شيئ ، وبتبرئتهم بإلقاء تبعاتهم على الشيعة ، فنسبوا الضلال إلى الشيعة ، وقالوا إنّهم مَن خالف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، !
مع أنّ موروث أهل الخلاف الروائي والتاريخي وغيره ـ فضلاً عمّا يتمسك به الشيعة من مصادرهم التشريعيّة والاعتقاديَّة ـ كفيل بدفع هذه التهم بشبهاته ، بل وكفيل أيضاً بإثبات ما عليه الشيعة من الحقِّ الواضح الذي لا يعتريه ريب إلاّ عند من طبع الله على قلبه فلا يعقل شيئاً .
فصار الشيعة عند هؤلاء موضعاً لإلقاء التهم بكلّ أشكاله ، وممّا نسبوه للشيعة قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وقد كادت هذه الشبهة ـ مع سخافتها ـ تنطلي على كثير من عوام أهل الخلاف ، ولا أدري كيف انطلت هذه الخزعبلات على الكثير مع وضوح افترائه ، بل وعدم تصوُّرها ؟!
مع أنّ السلف من أهل الخلاف لمْ ينسبوا هذه التهمة إلى الشيعة ، بل إنّهم لمْ يتوهموا نسبتها لهم ، وذلك لمَا قلنا من عدم تصوُّر أنّ قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) هم شيعته .
مناقشة الشبهة
فما أدري ما أقول في دفع هذا المقول ! إذ كيف يقاتل شيعةُ أهل البيت (عليهم السلام) أهلَ البيت (عليهم السلام) ؟! وكيف يتصوَّر ذلك مع أنّ لفظ الشيعة من المشايعة ، وهي : المتابعة والنصرة ؟ فإذا انتفت النصرة والمتابعة خرجوا عن كونهم شيعةَ مَنْ تركوا نصرته ومتابعته .
فلهذا ترى المعنى اللغوي للشيعة يرفض هذه الشبهة ، وكذا المعنى الاصطلاحي على لسان علماء أهل الخلاف أنفسهم ، وأيضاً السير التاريخي يرفضها بشدَّة ويبيِّن حماقة أصحابها .
قال الزبيدي : وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ، وكلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة .
وقال الأزهري : معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلّهم متّفقين .
وأصل الشيعة الفرقة من الناس على حدة ، وكلّ من عاون إنساناً وتحزَّب له فهو له شيعة ...
ولا يخفى على الملتفت أنّ الشيعة بهذا المعنى اللغوي العامّ يصدق على مَن بايعوا(3) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، على أنّه الخليفة بعد عثمان بن عفّان ـ كما يتبيَّن لك ذلك ـ وإنْ لمْ يبايعوه على أنّه الخليفة بالنصّ من الله بعد رسوله، وهؤلاء كثيرون جداً
إذ جميع البقاع الإسلامّية ـ ما عدا الشام وأفراداً قليلين جداً من غيرها ـ بايعت أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنّه خليفة رابع بعد عثمان ، ولا يمكن أنْ نقول إنَّ الشيعة ـ الذين اعتقدوا أنّ أمير المؤمنين خليفة بعد رسول الله (صلّى الله عليه و آله) بالنصّ  كسلمان الفارسي وأبي ذر
والمقداد وغيرهم ، ومَن حذا حذوهم إلى يوم القيامة من الشيعة الاثني عشريّة ـ مثل هؤلاء الشيعة الذين تابعوا وبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنّه خليفة رابع ، فها هم أهل الكوفة بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وتابعوه وصلَّوا خلفه ،
ومع ذلك لمَّا نهاهم عن صلاة التراويح بإمام نادوا : واعمراه ! والشيعة لا يختلف اثنان في أنّهم لا يرون قول وسنّة عمر بن الخطاب فضلاً عن خلافته .
وكذا كلّ مَن بايع الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة وأهل المدينة وبقيّة الأمصار ؛ إذ بايعوا الإمام الحسن (عليه السلام) خليفة خامس ، والإمام الحسين (عليه السلام) خليفة سادساً أو سابع ، وأمَّا الشيعة بالمعنى الخاص فقليلون جد .
▪︎معنى الشيعة الخاصّ بلسان علماء أهل الخلاف يدفع الشبهة !
ومعنى لفظ الشيعة عند علماء أهل الخلاف ، هو : كلّ مَن اعتقد بإمامة عليٍّ وأهل بيته (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالنصّ من الله ، وأنّهم (عليهم السلام) أفضل الخلق بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله) .
قال أبو الحسن الأشعري : وإنّما قِيل لهم الشيعة ؛ لأنّهم شايعوا عليّاً (عليه السلام) ، ويقدِّمونه على سائر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(مقالات الإسلاميّين للأشعري 1 / 65 .) .
وقال الشهرستاني : الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً (عليه السلام) على الخصوص ، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصية ، إمَّا جليّاً وإمَّا خفيّاً ، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده ، وإنْ خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيّة من عنده . وقالوا : ليست الإمامة قضيّة مصلحيّة تناط باختيار
العامّة وينتصب الإمام بنصبهم ، بل هي قضيّة أصوليّة ، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله ، ولا تفويضه إلى العامّة وإرساله ، يجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص ، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمّة
وجوباً عن الكبائر والصغائر ، والقول بالتولّي والتبرّي قولاً وفعلاً وعقداً ، إلاّ في حال التقيّة(الملل والنحل ، للشهرستاني 1 / 146) .
وقال النوبختي: إنّ أوَّل فرق الشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) المسمَّون شيعة عليّ (عليه السلام) في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(فرق الشيعة للنوبختي / 15 .) .
وقال ابن حزم الأندلسي : ومَن وافق الشيعة في أنّ عليّاً (عليه السلام) أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأحقُّهم بالإمامة وولده من بعده ، فهو شيعي وإنْ خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون ،
فإنْ خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً(الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2 / 113 .) .
قال الأزهري : والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيّ (صلَّّى الله عليه وآله) ، ويوالونهم(لسان العرب ، ابن منظور 8 / 189 .) .
فبعد وضوح أنّ للفظ الشيعة معنيين لغوياً عامّاً واصطلاحياً خاصّاً يتّضح أنّ مَن خرج على الإمام الحسين (عليه السلام) لا يصدق عليه أنّه من شيعته ومتَّبعيه وناصريه على كلا هذين المعنيين ، بل يصدق عليه أنّه من شيعة مَن خرج لمحاربته ومتابعته وهم بنو اُميّة ،
فأغلب مَن خذل وخرج على الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) من شيعة بني اُميّة ، وجميع مَن بايع الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) بايعهما على أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) خليفة خامس، والإمام الحسين (عليه السلام) خليفة سادس ، إنْ لمْ يقرَّ بالبيعة لمعاوية وإلا فخليفة سابع
لا على أنّهما الوصيان الثاني والثالث من أوصياء النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) .!!
دفع الشبهة بشواهد تاريخيّة
مضافاً لمَا تقدّم ـ من أنّ الذوق المستقيم والفهم السليم ، واللغة وأقوال علماء أهل الخلاف ، ترفض مثل هذه الخزعبلات والتهم التي يرمي بها أعداءُ مذهبِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) شيعتَهم ،
بُغية التوصُّل إلى مآربهم الشيطانيّة ـ أنّ الشواهد التاريخيّة والعقلائيّة خير شاهد لنفي ما يَصْبُون لإثباته ، فنذكر شيئاً منها تباع :
الأمر الأوّل : ما ذكروه في كتبهم إلى الإمام الحسين (عليه السلام)
روى الطبري والبلاذري ، وابن الأثير وابن كثير واللفظ للأوّل ، قال ،
قال أبو مخنف : فحدَّثني الحجاج بن عليّ ، عن محمّد بن بشر الهمداني ، قال : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية ، فحمدنا الله عليه ، فقال لنا سليمان بن صُرد : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد تقبَّض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ،
فإنْ كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه ، وإنْ خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه . قالوا : لا ، بل نقاتل عدوَّه ونقتل أنفسنا دونه . قال : فاكتبوا إليه . فكتبوا إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم
 لحسين بن عليّ (عليهما السلام)من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة،
، ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة ، سلام عليك ، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أمَّا بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوَّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزَّها أمرها ،وغصبها فيأها ، وتأمَّر عليها بغير رضىً منها ،
ثمّ قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ، إنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ،
ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إنْ شاء الله ، والسلام ورحمة الله عليك .
قال : ثمّ سرَّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني ، وعبد الله بن وال ، وأمرناهما بالنجاء ، فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من رمضان بمكّة(تاريخ الطبري 3 / 277)
أقول : إنّ قولهم في هذا الكتاب : إنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ أو الهدى ، يدلّ بوضوح على أنّ القوم يريدون مبايعة الإمام الحسين (عليه السلام) على الإمامة السياسيّة ـ إنْ صحَّ التعبير ـ كما بُويع غيره ، لا الإمامة الإلهيّة في شؤون الدين والدنيا.
وبعبارة أخرى : أنّ القول المذكور يدلّ على أنّهم ليسوا ممّن يعتقدون بأنّه الخليفة من الله بالنَّص ، كما هي عقيدة الشيعة بالمعنى الخاصّ ؛ إذ الشيعة لهم أئمّة معروفون منصوبون من الله بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله) في أمور الدين والدنيا إلى اليوم المعلوم ،
فلو كانوا من الشيعة بالمعنى الخاصّ لمَا قالوا : ليس علينا إمام ، ولمَا قالوا : لعلّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقّ ؛ لأنّهم يعتقدون عصمته ، فلا يصدر منهم هذا القول قطع ، فإنّه لا يصحّ أنْ يقال في حقّ مَن ثبتت بالقطع عصمته كالنبيِّ والرسول (صلّى الله عليه وآله) ،
ومَن يقوم مقامه من أئمّة الهدى ومصابيح الدجى (عليهم السلام) .
نعم ؛ يصحّ منهم هذا إذا كان أكثر الناس المبايعين آنذاك عقيدتهم في الإمامة على ذلك ؛ فلا يستطيعون التصريح بخلافها لمَا فيه من نفي خلافة الأوّل والثاني والثالث ، وهو ليس بالأمر البسيط ،
وهذا يثبت أيضاً أنّ الكثرة الكاثرة ممّن بايع الإمام الحسين (عليه السلام) هم من غير الشيعة بالمعنى الخاصّ .
وأيضاً ما رواه ابن كثير والطبري وابن الأثير ، واللفظ للأول، قال : وكتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم ، وعمرو بن حجاج الزبيدي ، ومحمّد بن عمر بن يحيى التميمي ، أمّا بعد : فقد اخضرَّتْ الجنان وأينعت الثمار ولطمت الجمام ،
فإذا شئت فأقدم على جند لك مجنَّدة ، والسلام عليك .
فاجتمعت الرسل كلّها بكتبها عند الحسين (عليه السلام) ، وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد ابن معاوية ، ويذكرون في كتبهم أنّهم فرحوا بموت معاوية وينالون منه ، ويتكلَّمون في دولته وأنّهم لمَّا يبايعوا أحداً
إلى الآن ، وأنّهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدِّموك عليهم
(البداية والنهاية ، ابن كثير 8 / 151 ـ 152 ، تاريخ الطبري 3 / 278 ، الكامل في التاريخ ، ابن الأثير 3 / 385 ) .
فإنّ قوله : وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد بن معاوية .
وقولهم : وأنّهم لمَّا يبايعوا أحداً إلى الآن .
وقولهم : وأنّهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدِّموك عليهم .
يدلّ بوضوح على أنّهم لا يعتقدون بإمامته بالنصّ ،
وأنّهم يريدون مجيئه إليهم وتقديمه عليهم لإدارة أمورهم ، ومَن كان هكذا لمْ يكن من الشيعة بالمعنى الخاصّ ، أي : الاثني عشريّة .
والخلاصة من نقل هذه الأقوال : أنّها تدلّ على أنّ مَن كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل البيعة إنّما كانوا يريدون البيعة السياسية فقط ، وهي غير ما عليه عقيدة الشيعة بالمعنى الخاصّ .
فإنْ قلت : فما تقول في مَن كتب إليه من الشيعة الخلَّص كحبيب بن مظاهر وغيره رضوان الله عليهم ، فإنّهم من خواص الشيعة وقد تكلَّموا بهذه الأقوال أيضاً ؟
قلت : إن هذا يندفع بملاحظة ما ذكرناه في أوَّل هذا الأمر من أنّ الشيعة الخاصة لا يصح منهم ذلك ؛ لمَا عرفت من المعنى الخاصّ للشيعة،
فيحمل على أنّه كلام بلسان الكثرة الكاثرة من أهل الكوفة ، أو كلام باعتقاد أغلب أهل ذلك الزمان ، بحيث لا يصحّ من الشيعة الخاصّة إظهار خلافه خوفاً وتقيّةً ، لمَا فيه من نفي خلافة الأوّل والثاني والثالث .
الأمر الثاني : دهاء ابن زياد
إنّ عبيد الله بن زياد داهية من الدواهي المنسوبة إلى بني اُميّة ، وهو يعمل جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى إمامه الحسين بن عليّ (عليه السلام) لينصره في كربلاء ،
وليس هو بالغبي حتّى يرسل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) شيعته ، وهو يعلم بأنّ وصولهم له (عليه السلام) يقلب الموازين على بني اُميّة .!
الأمر الثالث : اعتقال ابن زياد للشيعة وقتلهم ومنعهم من الوصول إلى الإمام
قد عمل ابن زياد جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) .
فبدأ باعتقال الشيعة وزجِّهم في السجون أو قتلهم ، وخصوصاً مَن أراد نصرة مسلم بن عقيل (عليه السلام) ،
ولو كان يريد أن يرسل الشيعة مع جيشه لما زج بهم في السجون أو قتلهم.
ثمّ إنَّه قد جعل المراصد في الكوفة لاعتقالهم ، ومن اشتبه أنّه منهم فإنّه يختبر ويمحَّص حتّى يُعرف حاله ، ويُفعل به ما يًفعل من تعذيب وقتل،وهذا دليل واضح على عدم إمكان تصور أن ابن زياد يرسل إلى الإمام الحسين شيعته.
فقد روى الطبري قال ، قال أبو مخنف : فحدَّثني أبو جناب الكلبي : أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب يُقال له : عبد الأعلى بن يزيد ، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان ، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره ، فقال لابن زياد:إنّما أردتك.قال:وكنت وعدتني ذلك من نفسك ، فأمر به فحبس.
وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة ، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه ، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه ، فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي ، فلمَّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحَّى ويتأخَّر .
وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد بن الأشعث : قد حلتُ على ابن عقيل من العرار ، فتأخَّر عن موقفه.
وذكر الطبري أيضاً مقتل مَن اعتقلهم عبيد الله بن زياد من الشيعة ، فقال : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لمَّا قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه
كثير بن شهاب في بني فتيان فأُتي به ، فقال له : أخبرني بأمرك . فقال : أصلحك الله ! خرجت لأنظر ما يصنع الناس ، فأخذني كثير ابن شهاب.
فقال له:فعليك وعليك من الأيمان المغلَّظة إنْ كان أخرجك إلاّ ما زعمت . فأبى أنْ يحلف ، فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه به.
قال : فانطلق به فضُربت عنقه .
قال : وأخرج عمارة بن صلخب الأزدي ، وكان ممّن يريد أنْ يأتي مسلم بن عقيل(عليه السلام) بالنصرة لينصره ، فأتي به أيضاً عبيد الله ، فقال له : ممّن أنت ؟ قال : من الأزد . قال : انطلقوا به إلى قومه ، فضُربت عنقه فيهم.
وأيضاً لقلَّة الشيعة وتفرُّقهم في البلدان ، وكونهم معروفين كتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد : أنْ يجعلَ المراصد والمسالح كي لا يصلَ أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) .
فقد روى الطبري ومحدّث الشام ، وابن الجوزي والخوارزمي وغيرهم كتاب يزيد لعبيد الله ، حينما بعث له عبيد الله برأسي مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهانئ بن عروة رحمه الله ، واللفظ الأوّل قال ، قال أبو مخنف : عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبي ، قال : . . . فكتب إليه يزيد ، أمَّا بعد :
فإنّك لمْ تعدُ أنْ كنت كما أحبُّ ، عملت عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت ، وصدّقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوص بهما خير ، وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن عليّ
قد توجّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظنّ وخذ على التهمة ، غير ألاّ تقتل إلاّ مَن قاتلك... [[ مّن اطّلع على سيرة يزيد بن معاوية يعرف حال قوله هذا "الا تقتل.." ، بل قد روى الخوارزمي خلافه في مقتله ، كما يأتي بعد الانتهاء من رواية الطبري مباشرة .
وأيضاً ما فعله ابن زياد من قتله مَن لمْ يقاتله ، كرسل الإمام الحسين (ع) وعبد الله بن عفيف وغيرهم موافقاً لوصية يزيد بن معاوية له على رواية الخوارزمي]] .،
وفي مقتل الخوارزمي قال : وقد بلغني أنّ الحسين بن علي قد عزم على المصير إلى العراق ، فضع المراصد والمناظر والمسالح ، واحترس واحبس على الظنّ واقتل على التهمة ، واكتب في ذلك إليَّ كلّ يوم بما يحدث من خبر.
وقد امتثل ابن زياد ما أمره يزيد ، فقد روى البلاذري ، قال :
ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة إنْ يلحقَ بالحسين (عليه السلام) مغيثاً له ، ورتَّب المسالح حوله ، وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي ،
ورتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرةً مقدحةً ، فكان خبر ما قبله يأتي في كلّ وقت .
وروى البلاذري أيضاً ، قال :
قالوا : ولمَّا بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن أسامة التميمي ، ثمّ أخذ بني جشيش بن مالك بن حنظلة صاحب شرطه ،
حتّى نزل القادسيّة ، ونظم الخيل بينها وبين خفان ، وبينها وبين القطقطانة إلى العلع .
أفبعد هذا يعقل من داهية مثل ابن زياد أنْ يخالف عقله وإمامه يزيد بن معاوية ، ويرسل الشيعة إلى إمامهم الحسين بن عليّ (عليه السلام) ؟!
الأمر الرابع : قلّة الشيعة في الكوفة آنذاك
لا يخفى أنّ الكوفة في هذا الزمان شيعية محضة ، وعرفت بالتشيُّع في أزمنة مختلفة في التاريخ ، ومن هذه الشهرة نفذ أصحاب الشبهة واتَّهموا الشيعة بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ؛ لأن المترسِّخ في الأذهان أنّ لفظة أهل الكوفة تساوي لفظة شيعة،
وغرض التهمة أنْ يخلِّصوا يزيد وأتباعه ومحبِّيه من وصمة العار التي تلاحقهم أبد الدهر ،ولكن هذا لا يخفى على ذوي العقول الواعية ، إذ قليل من التأمُّل يكفي ، ولكي يتّضح الأمر جيِّداً علينا أنْ نعرف مذهب أهل الكوفة في زمان شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) ، فنقول :
إنّ الشيعة بالمعنى الخاصّ فرقة قليلة جداً في ذلك الزمان ، ومع قلَّتهم كانت طائفة منهم تقطن الكوفة ، فهم بالنسبة إلى أهل الكوفة عدد قليل جداً ، ومَن راجع واطّلع على سكان الكوفة آنذاك وجد هذا المعنى ملموس .
ثمّ إنّ الكوفة بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وانتقال الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المدينة ، وتسلُّم معاوية للسلطة ، كانت تحت إمرة بني اُميّة . وكان همُّ معاوية بن أبي سفيان حينما استتبَّ له الأمر التضييق على الشيعة وتفريقهم وإبعادهم عن الكوفة
منذ سنة إحدى وأربعين ، كما يدلّ على ذلك كتاب معاوية إلى المغيرة بن شعبة عندما ولاه الكوفة في تلك السنة .
فقد روى الطبري ذلك في تاريخه ، قال :
من حديث حجر بن عدي الكندي ( رحمه الله ) وأصحابه : أنّ معاوية بن أبي سفيان لمَّا ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 هـ دعاه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمَّا بعد ، فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ،
..
وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعلُّم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة ، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي . ولست تاركاً إيصاءك بخصلة : لا تتحم عن شتم عليٍّ وذمِّه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب عليٍّ والإقصاء لهم وترك
الاستماع منهم ، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه ، والإدناء لهم والاستماع منهم .
ثمّ جعل معاوية على الكوفة زياد ابن أبيه ، فلمْ يترك من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) أحداً إلاّ قتله أو عذَّبه أو شرَّده إلاّ قليلاً ممّن لمْ يُعرف بالتشيُّع .
فقد روى الطبري ما يبيِّن ذلك عند ذكره ما جرى بين هانئ بن عروة ( رحمه الله ) وعبيد الله بن زياد ، قال :
فقال عبيد الله : يا هانئ ، أمَا تعلم أنّ أبي قدم هذا البلد ، فلمْ يترك أحداً من هذه الشيعة إلاّ قتله غير أبيك وغير حجر ؟ وكان من حجر ما قد علمت . . .
وقال عبد الحميد المعتزلي :
وروى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث ، قال : . . . وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليّ ، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة ، وضمَّ إليه البصرة ، فكان يتتَّبع الشيعة وهو بهم عارف ؛
لأنّه كان منهم أيّام عليّ (عليه السلام) ، فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل وطرّفهم ، وشرَّدهم عن العراق ، فلمْ يبقَ بها معروف منهم .  .  . إلخ
ويدلّ على ذلك الحقائق التاريخيّة التي تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ، من أنّ مَن خرج في ثورة التوَّابين وثورة المختار ليسوا ممن يسكن الكوفة فعلا ، بل هم ممّن تجمَّعوا من أماكن متفرِّقة حتّى استعدُّوا ، فخرجوا لقتال بني اُمية وأنصارهم من أهل الكوفة والشام،
وهذا يدلُّ أيضاً على قلَّة الشيعة في الكوفة .
الأمر الخامس : كثرة الاُمويّين وأتباعهم في الكوفة آنذاك
ويتّضح هذا بدلالات كثيرة نذكر منها ما يلي :
الدلالة الأولى :
أنّ موت معاوية بن أبي سفيان قريب جداً من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ، والكوفة كانت تحت إمرته وتدين بدينه ،
ففيها الكثير الكثير من الموالين لهم ، ويكفي أنّ أغلب رؤساء قبائل الكوفة الذين تأتمر القبيلة بأمرهم وتسير على دينهم إلاّ مَن شذَّ ، كانوا معهم ، ولا ريب أنّ تفرُّقهم عن الكوفة يحتاج إلى زمن طويل ، ولا يكون إلاّ بانهيار الدولة الاُمويّة .
الدلالة الثانية :
تعامل يزيد مع الكوفة في هذه الظروف التي كتب فيها الآلاف بالبيعة للإمام الحسين ، على أنّها تحت إمرته وسيطرته ، فقد قال لابن زياد : كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة أنّ مسلم بن عقيل يجمع الجموع . ثمّ أمره بأنْ يذهب إلى الكوفة ، ويبحث عن مسلم بن عقيل ويقتله .
فهذا يدلّ على وجود الكثير من أنصار بني اُميّة في الكوفة ، إذ لا تكون إمرة وسيطرة على مكان في ظروف استعدَّت فيها الآلاف لمخالفة ومقابلة بني اُميّة إلاّ بوجود العتاد والعدَّة المعتدِّ به .
الدلالة الثالثة :
أنّه لا يُعقل من مثل ابن زياد (لعنه الله) أنْ يأتي من البصرة إلى الكوفة بعدد قليل من الرجال ، في قبال الآلاف من أهل الكوفة الذين كتبوا إلى الإمام الحسين، إلاّ مع علمه بأنّ أهل الكوفة بأجمعهم موالون لبني اُميّة حتّى مَن كتب إلى الإمام الحسين إلاّ القليل منهم !
الدلالة الرابعة :
خطبة ابن زياد في جامع الكوفة بمجرَّد وصوله إليه ، إذ كيف تسنَّى له أنْ ينزل الجامع وينادي في الناس بالجماعة ـ قبل أنْ يفعل أيَّ شيء ـ ويحضر عنده ذلك الجمع الغفير ، ويهدِّدهم بالقتل والحرمان وغيره مع وجود الآلاف التي بايعت الإمام الحسين (عليه السلام) ؟!
فما ذلك إلاّ لوجود الآلاف المؤلّفة ـ من أنصار بني اُميّة ـ المستعدّة لنصرتهم ودفع الآلاف التي بايعت الإمام الحسين (عليه السلام) عنهم .
الدلالة الخامسة :
إرسال عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد بجيش عدده أربعة آلاف مقاتل من أهل الكوفة ، لقتال الديلم الذين استولوا على دستبي ، فهل جاء ابن زياد الكوفة إلاّ لقتال مسلم بن عقيل (عليه السلام) ، وقتال الإمام الحسين (عليه السلام) ؟
فإرسال جيش بهذا العدد في هذه الظروف يدلّ بوضوح على استتباب الأمر في الكوفة لبني اُميّة ، وكثرة أنصارهم فيه ؛ إذ لا تخضع الألوف إلاّ بالألوف .
الدلالة السادسة :
خروج الآلاف المؤلَّفة من أهل الكوفة لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) يدلّ بوضوح ـ إلاّ عند من أعمى الله قلبه ـ على أكثريّة الاُمويّين وأنصارهم في الكوفة ؛ إذ لا يُعقل من عبيد الله بن زياد أنْ يرسل شيعة الإمام الحسين(عليه السلام) إلى الإمام الحسين (عليه السلام)
وهو يعلم بأنّ فعله هذا يقلب الموازين رأساً على عقب على بني  اُميّة  ، فجميع من خرج لقتاله (عليه السلام) هم من الاُمويّين وأنصارهم .
المتطرِّفون من أهل الخلاف لايختلفون عن قتلة الحسين (عليه السلام)
قتلة سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين لا يختلفون عن غيرهم من أهل الخلاف القائلين بإمامة آل أبي سفيان ، فأهل الخلاف المتطرِّفون شيعة وأنصار لهم ، وقتلة الحسين شيعة وأنصار لهم ، فما الفرق ؟!
ولهذا لا تجد من هذه الفرقة مَن يخطّئ يزيد بن معاوية فضلاً عن أبيه ، فيسدِّدون أعمالهم ويعتذرون لهم ، وما ذلك إلاّ لاعتقادهم بإمامتهم .
وأمَّا الشيعة الإماميّة ، فلا يختلف اثنان في أنّهم أعداء آل أبي سفيان ، وأعداء أنصارهم إلى يوم القيامة وأنّهم أنصار أهل البيت (عليهم السلام) حقّاً ، فلينظر المسلم من إمامه يوم القيامة ، أهُم أهل البيت (عليهم السلام) أمْ أعداؤهم ؟
وقد قال الله تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ).
وقد تتبَّعنا قتلة الحسين (عليه السلام) فما وقع نظرنا على أحد منهم إلاّ وجدناه من أنصار بني اُميّة . ونظرنا إلى موقف أهل الخلاف منه فلمْ نجدهم إلاّ وقد وثَّقوه وأثنوا عليه واتّبعوه وقبلوا روايته .
وعطفنا النظر إلى موقف الشيعة الاثني عشريّة من هؤلاء الأرذال ، فلمْ نجدهم إلاّ وقد نبذوهم وتركوهم ولعنوهم ، ورأوا البراءة منهم واجبة ، ومودَّتهم محرَّمة ومخرجة من المذهب و. . . و. . .
وللشيعة شهد الذهبي ، قال في كلامه عن ابن زياد :
قلت : الشيعي لا يطيب عيشه حتّى يلعن هذا ودونه ، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم ، وأمرهم إلى الله.
وما أدري كيف يتبرّأ منهم ، وجميع مَن خرج على الإمام الحسين مطيعون ـ في نظر هؤلاء ـ لله في ما فعلوه من ذبح وقتل ،
وسلب وهتك أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) ، نصرة ليزيد بن معاوية . فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ما يدلّ على طاعة هؤلاء الأرجاس ، واللفظ للأوّل قال :
عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، قال : مَن كره من أميره شيئاً ، فليصبر؛ فإنّه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهليّة .
وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه ، فليصبر عليه ؛ فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية .
وقتلة الحسين لم يُفارقوا هذه الجماعة المتمثِّلة في يزيد بن معاوية، فهم مطيعون وصابرون،ولو خرجوا كما خرج الإمام الحسين لماتوا ميتة جاهلية!
فهذا شمر بن ذي الجوشن من المصلِّين والداعين الله . وممّن امتثل ما رواه البخاري ومسلم ، فقد روى ابن عساكر قال :
عن أبي إسحاق قال : كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي يُصلّي معنا الفجر ، ثمّ يقعد حتّى يصبح ، ثمّ يُصلّي ، ثمّ يقول : اللهمّ ، إنّك شريف تحبّ الشرف ،
وإنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي . قلت : كيف يغفر الله لك ، وقد أعنت على قتل ابن رسول الله (صلَّّى الله عليه وآله) ؟ قال : ويحك ! كيف نصنع ؟ إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلمْ نُخالفهم ، ولو خالفناهم كنَّا شرّاً من هؤلاء الحُمر السقاة .
وروى أيضاً :كان شمر بن ذي الجوشن ـ يقول الضبابي ـ لا يكاد أو لا يحضر الصلاة ، فيجيء بعد الصلاة فيُصلّي ، ثمّ يقول : اللهمّ ، اغفر لي ، فإنّي كريم لمْ تلدني اللئام .
قال ، فقلت له : إنّك لسيء الرأي ، تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عيله وآله) ،
فقال : دعنا منك يا أبا إسحاق ، فلو كنَّا كما تقول أنت وأصحابك كنَّا شرّاً من الحمراء السقات .
وهذه الروايات تدلّ على أنّ قتلته (عليه السلام) مثل باقي أهل الخلاف ممّن يعتقدون بإمامة يزيد بن معاوية ويعترفون بسلطانه ، فهو عند هذا الصنف يجب اتّباعه في قتل الإمام الحسين سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وريحانته ، ومن حربه حربه ، وسلمه سلمه ، وبغضه بغضه ، وحبّه حبّه .
قال السخاوي :
وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن ـ يعني : الهيثمي ـ يُبالغ في الغضّ منه ، أي : من ابن خلدون ، فلمَّا سألته عن سبب ذلك ، ذكر أنّه بلغه أنّه ذكر الحسين بن عليّ في تاريخه ، فقال : قُتل بسيف جدِّه . ولمَّا نطق شيخنا بهذه اللفظة أردفها بلعن ابن خلدون وسبِّه وهو يبكي .
قال شيخنا في رفع الإصر : ولمْ توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن ، وكأنّه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها.
وقال الآلوسي :
قال ابن الجوزي في كتابه السرّ المصون: من الاعتقادات العامّة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أنْ يقولوا : إنّ يزيد كان على الصواب ، وإنّ الحسين أخطأ في الخروج عليه . ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت له البيعة وألزم الناس بها ، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح ،
وقال المناوي في تعريضه بابن العربي :
وقد غلب على ابن العربي الغضُّ من أهل البيت (عليهم السلام) حتّى قال : قتله بسيف جدِّه .
فحال هؤلاء وأمثالهم حال الذين وجدوا في ذلك الزمان وقاتلوا الحسين (عليه السلام) ، ونصروا يزيد بن معاوية دفاعاً ودباً عنه ، لكي لا يموتوا ميتة جاهليّة .
وما أقول إلاّ : الحمد لله على الولاية لمحمّد وآله (عليهم السلام) والبراءة من أعدائهم إلى يوم الدين ، والحمد لله الذي قال : ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)

جاري تحميل الاقتراحات...