25 تغريدة 67 قراءة Aug 12, 2021
¶ ابن الرومي
ولد أبو الحسن علي بن العباس بن جريج  بالعقيقة ببغداد في ظل الدولة العباسية في 25 يونيو عام 836م، وبها نشأ وكان مسلماً موالياً للعباسيين.
ومات فيها مسموماً، قيل: دس له السمَّ القاسم بن عبيد الله (وزير المعتضد) وكان ابن الرومي قد هجاه. قال المرزباني: لا أعلم أنه مدح أحداً من رئيس أو مرؤوس، إلا وعاد إليه فهجاه، ولذلك قلّت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء وكان سبباً لوفاته.
عُرف ابن الرومي بأنه من أشهر الشعراء المولّدين في القرن الثالث الهجريّ في العصر العباسيّ، ويمتاز شعره بالسلاسة، والعذوبة، والإطناب، وقد تميّز معظم شعره بأنّه هجاء بصورة كاريكاتورية.
ورث عن والده أملاكاً كثيرة أضاع جزء كبير منها بإسرافه ولهوه، أما الجزء الباقي فدمرته الكوارث حيث احترقت ضيعته، وأتى الجراد على زرعه، وجاء الموت ليأخذ منه عائلته واحداً تلو الآخر،فبعد وفاة والده،توفيت والدته ثم أخوه الأكبر وخالته،وبعد أن تزوج توفيت زوجته وأولاده الثلاثة.
إنجازات إبن الرومي :
      ابن الرومي شاعر كبير من العصر العباسي، من طبقة بشار والمتنبي، شهدت حياته الكثير من المآسي والتي تركت آثارها على قصائده، تنوعت أشعاره بين المدح والهجاء والفخر والرثاء، وكان من الشعراء المتميزين في عصره، وله ديوان شعر مطبوع
وفي شعر ابن الرومي تتبدى الجزالة والفخامة، فخامة اللغة العربية، ودقة مراميها في شعره. كما عُرف بإجادته الكثير من الأشكال الشعرية والتي جاء على رأسها الهجاء، فكان هجاؤه للأفراد قاسي يقدم الشخص الذي يقوم بهجاؤه في صورة كاريكاتورية ساخرة مثيرة للضحك.
كما قام ابن الرومي بمدح أبي القاسم الشطرنجي، والقاسم بن عبد الله وزير المعتضد، وأجاد في وصف الطبيعة، وتفوق في هذا عن غيره من الشعراء، وقد تفاعل وجدانياً مع عناصرها وأجوائها، فقام بالتعبير عنها ومن خلالها، وأغرم بها.
حياة إبن الرومي الشخصية:
عاش ابن الرومي معظم أيامه في عزلة و إنزواء ,نکب بجميع أفراد أسرته، بأبيه وأمه و أخيه وخالته، ثم بقي لا معين له في الدهر يعضده ولا ملاذ له في الشدائد يدخل العزاء علی نفسه وکان قد تزوّج ليجد راحة بعد العناء وأمناً بعد القلق وأنساً يدفع الوحشه .
رزق بثلاثة أولاد رأی فيهم نعمة الإيراق بعد اليباس وإطلالة الأصل بعد اليأس، وأصغر هؤلاء هبة الله وأوسطهم محمد، وأمَّا أکبرهم فلم يذکر اسمه، ولکن الدواهي لم تغفل عينها وعن إيذائه، فأقبل الموت ينتزع من دنياه الواحد تلو الآخر من صبية، حتی ثکلهم جميعاً فبکاهم، ثُم فقد أمهم بعدهم وبکاه
أبدع ابن الرومي في الرثاء وذلك نظراً لما عاناه في حياته من كثرة الآلام والكوارث التي تعرض لها، وكان رثاؤه الذي قاله في ابنه الأوسط يعبر عن مدى الألم والحزن في نفسه، كما له رثاء في "خراب البصرة"
وتتجلى عاطفة ابن الرومي، وقوة شعره في حادثة وفاة ابنه محمد إثر مرض داهمه، وهو في هذا الشعر ينتقي الكلمات بعناية لتعبّر عمّا في مكنونه من الألم والضيق والحسرة، ومن الفقد والوجع بعد وفاة فلذة كبده
وقال في ابنه محمد اللذي مات الاول من عائلته :
بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي
            فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي
بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى
          فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي
ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها
             من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتي
              فلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ
على حينََ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِ
              وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ
طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ
             بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ
لقد أنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَها
           وأخْلَفَتِ الآمالُ ما كان من وعْدِ
لقَد قلَّ بين المهْد واللَّحْد لُبْثُهُ
       فلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ
تَنَغَّصَ قَبْلَ الرِّيِّ ماءُ حَياتِهِ
                وفُجِّعَ منْه بالعُذُوبة والبَرْدِ
ألَحَّ عليه النَّزْفُ حتَّى أحالَهُ
            إلى صُفْرَة الجاديِّ عن حُمْرَةِ الوَرْدِ
وظلَّ على الأيْدي تَساقط نَفْسُه
            ويذوِي كما يذوي القَضِيبُ من الرَّنْدِ
يَالكِ من نَفْس تَسَاقَط أنْفُساً
                    تساقط درٍّ من نِظَام بلا عقدِ
عجبتُ لقلبي كيف لم ينفَطِرْ لهُ
             ولوْ أنَّهُ أقْسى من الحجر الصَّلدِ
بودِّي أني كنتُ قُدِّمْتُ قبْلَهُ
                وأن المنايا دُونَهُ صَمَدَتْ صَمْدِي
ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي
                 وللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ
فما فيهما لي سَلْوَةٌ بَلْ حَزَازَةٌ
            يَهِيجانِها دُونِي وأَشْقَى بها وحْدي
وأنتَ وإن أُفْردْتَ في دار وَحْشَةٍ
                فإني بدار الأنْسِ في وحْشة الفَرْدِ
أودُّ إذا ما الموتُ أوْفَدَ مَعْشَراً
               إلى عَسْكَر الله أنِّي من الوفْدِ
ومن كانَ يَسْتهدِي حَبِيباً هَدِيَّةً
           فَطَيْفُ خيَال منك في النوم أسْتَهدي
عليك سلامُ الله مني تحيةً
            ومنْ كلِّ غيْثٍ صادِقِ البرْقِ والرَّعْدِ
وكان ابن الرومي يتطيّر من جار له، فإذا رآه، ولو من ثقب الباب، فلا يخرج من بيته، ثم يخلع ثيابه التي كان ارتداها منذ لحظات. ويبدو في شعره مدركاً لما فيه من تطيّر فيقول في قصيدة:
ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة
رهبت اعتساف الأرض ذات المناكبِ
فما زلت في خوفٍ وجوعٍ ووحشةٍ
وفي سهر يستغرق الليل واصبِ
يؤرقني سقفٌ كأني تحته
من الوكف تحت المدجنات الهواضبِ
وما زال يبغيني الحتوف مواربا
يحوم على قتلي وغير مواربِ
فطوراً يغاديني بلصٍّ مصلّت
وطوراً يمسيني بورد المشاربِ
بعد ان ذكرنا انه كان متشائماً فلما ماتوا جميع اهله زوجته وجميع أبنائه أتاه ابن الموسوس في العزاء وقال له ابيات شعريه تواسي ابن الرومي قال فيها :
ولمّا رأيتُ الدهرَ يؤذن صرفه
بتفريق ما بيني وبين الحبائبِ
رجعتُ على نفسي فوطّنتها على
ركوب جميل الصبر عند النوائبِ
ومن صحب الدنيا على جور حكمها
فأيامه محفوفة بالمصائبِ
فخُذْ خلسةً من كل يوم تعيشه
وكن حذراً من كامنات العواقبِ
ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرح
تطيُّرَ دارٍ أو تفاؤل صاحبِ!
أما ابن الرومي، فبعدما سمع كلمات القصيدة من هذا الموسوس، وخاصة ما ورد فيها، من وجوب أن يطرح عنه التطيّر، ويقوم باستراق اللحظات الجميلة في كل يوم يعيشه، فقد "بقيَ باهتاً" ثم "حلف ابن الرومي، ألا يتطيّر أبداً!" أو "واللهِ، ما تطيّرتُ بعد هذا"
لقد أدت تلك القصيدة التي ينسبها البعض وهماً، إلى ابن الرومي نفسه، علماً أن الرواة الأصليين نقلوها على أنها لبرذعة، وأن ابن الرومي حفظها منه خاصة وأنه يطالبه فيها بترك أوهامه ووساوسه، إلى طلاق ابن الرومي، من تطيّره الذي كان يثقل كاهله ويرهق من حوله، بل أودى بحياة بعضهم عطشاً.

جاري تحميل الاقتراحات...