لا بد أنه مرَّ عليك هذا النوع من الجدالات.. طرفان، أحدهما: يبين وجوب عبادة من العبادات، والآخر: ينافح عن سنيِّتها؛ لا ليفعلها بل ليتخذها عذرًا ومسوغا للترك.. ظاهرُ نقاشه غيرةٌ على الواجبات أن يدخل فيها ما ليس منها، وباطنه حطٌّ من المستحبات لتكون في مرتبة المباحات!
لا أتكلم هنا عن الواجبات التي اُختلف في سنيتها، فلهذه موطنها... بل حديثي كله عن السنة التي لا يُختلف أنها سنة، كيف انتقل نظر كثير من الناس لها من أنها فرصة للتقرب إلى الله، وجبر الواجبات، إلى أن تكون متروكات بعد كونها مندوبات... إلى أن تصبح هي والمباحات سواء!
أي قارئ لسيرة الصحابة يلحظ دقة حساسيتهم لأوامر النبي ﷺ، وملاحظتهم لحثِّه وندبه وإشارته وكل ما يُفهم منه طلب الامتثال والاقتداء على أي وجه كان؛ بل يحمل بعضَهم باعثُ الحب إلى محاكاة النبيﷺ ومشابهته حتى في الأمور العادية؛ التي قد لا تدخل في دوائر التكليف؛ إلا من جهة الحب والتعظيم.
روى مسلم في صحيحه عن أُمِّي واُمِّكم أمِّ حبيبة -زوج النبيﷺ- أنها سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُني له بهن بيت في الجنة»، قالت أم حبيبة: "فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ!".
ثم تعاقب رواة الحديث: عنبسة بن أبي سفيان وعمرو بن أوس والنعمان بن سالم على هذا القول؛ كلهم يقول: "ما تركتها منذ سمعتها من فلان!". هكذا نظروا للسنن، أنها تُفعل لا تترك!
طلبت فاطمة بنت النبيﷺ يومًا منه أن يعطيها خادمًا، فقال لها ولزوجها علي: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ قالوا: بلى، فقال: إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين، واحمداه كذلك، وكبراه أربعًا وثلاثين...
قال علي -رضي الله عنه-: فما تركتها منذ علمنيها رسول الله ﷺ! قال بعض جلسائه: ولا ليلة صِفّين؟ قال: ولا ليلة صفين.. رضي الله عنك أبا الحسن!
وصلى النبيﷺ يومًا بالصحابة الكرام، فنزع حذاءه وهو في صلاته، فرأه الصحابة من خلفه، ولم يعلموا سبب ذلك، ولم يُشِر لهم النبيﷺ بشيء؛ لكنهم نزعوا أحذيتهم جميعًا.. لما فرغوا من الصلاة، سألهم لم فعلتم ذلك؟ قالوا: رأيناك فعلت ففعلنا! فأخبرهم أنه إنما نزعها لنجاسة فيها أخبره بها جبريل!
هل تتخيل أن واحدًا من هؤلاء الصحب الكرام الذين بمجرد رؤيتهم لفعل فعله الرسول ﷺ امتثلوا، سيجادل في واجب من الواجبات ليحُطَّه عن مرتبته إلى السُّنية ليتركها؟! أم هل تتصور أن واحدًا منهم يبلغه التحضيض من رسول الله ﷺ على فعل مستحب، فيقول: "لا هذه سنة وليست واجبًا"؟!
تتبعُ مواقف الصحابة وتعظيمهم لسنن النبي ﷺ يطول جدًا، ولا أبالغ لو قلت: أن الصحابة لم يكونوا يفرِّقون كثيرًا بين أوامره ﷺ هل كانت على وجه الإلزام أم لا؟! ولا عجب، فمقام حبهم للنبي ﷺ، وحرصهم على اتباعه، واستشعارهم منَّة الله عليهم ببعثته، كل هذا وما شاهدناه من سيرتهم يأبى ذلك!
قال ابن تيمية: "وليُعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل... لكن إذا وُجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه"، فإذا كان هذا في حق علماء الأمة فكيف هو مقام الصحب الكرام؟!
المستحب بلغة النحويين: اسم مفعول يدل على حدث وما وقع عليه الحدث؛ والحدث هنا: الحب، وما وقع عليه: العبادة المعينة، والذي أوقعه صاحب الشريعة.. أهذه رتبة محبوبات الله ومحبوبات رسوله ﷺ في النفوس؟!
بالله عليك، أيليق أن تكون رتبة ما أراده الله منك، وأحبه لك، ورتَّب له الثواب، وجعله سبيلًا لنيل محبته؛ ولو كان على غير وجه الإلزام بهذه الرتبة؟!
ينظر بعضُ الناس نظرةً عوراء للمستحبات، يُصوِّب نظره إلى (ولا يعاقب تاركه) ويتعامى عن (يثاب فاعله)، وكأنه مستغنٍ عن ثواب الله تعالى، وكأن واجباته قد كملت، وأنه ليس بحاجة لما يُرَقِّع به تخريقاتِ تفريطه في الواجبات!
ترك المستحبات بالكلية قد يوقع العبد في الحرج؛ لا من جهة مؤاخذته على تركها، وإنما من جهة أنه لا يجد من التطوعات ما يجبر به نقص الواجبات، الذي لا يسلم منه في الغالب أحد؛ فيكون الترك الدائم لها بالكلية كالإخلال بشيء من الواجب!
المستحبات بوابة حب الله الكبرى ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللهَ فَاتَّبِعوني يُحبِبكُمُ اللهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم﴾، وقال الله في الحديث القدسي: " ... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ..".
جاري تحميل الاقتراحات...