الأخلاق والدين؛اتصال أم انفصال؟
كثيراً ما تسمع «فلان غير متديّن لكن أخلاقه عالية، وفلان متديّن وهو سيء الأخلاق»،أو تسمع ثناء الناس على أخلاقيات عند الغرب وويتحسرون على افتقاد كثير من المسلمين لمثلها!
كثيراً ما تسمع «فلان غير متديّن لكن أخلاقه عالية، وفلان متديّن وهو سيء الأخلاق»،أو تسمع ثناء الناس على أخلاقيات عند الغرب وويتحسرون على افتقاد كثير من المسلمين لمثلها!
أليس المفترض أن يكون المتديّن خلوق،وغير المتديّن سيء الأخلاق؟
هكذا يساق التساؤل!
العلاقة بين الدين والأخلاق علاقة دقيقة جداً،وأثارت اهتمام الفلاسفة والباحثين،وجزء كبير من الإشكال هو عدم تصور ما بين الدين والأخلاق من انفصال واتصال!
هكذا يساق التساؤل!
العلاقة بين الدين والأخلاق علاقة دقيقة جداً،وأثارت اهتمام الفلاسفة والباحثين،وجزء كبير من الإشكال هو عدم تصور ما بين الدين والأخلاق من انفصال واتصال!
نعم! الأخلاق والدين ليسا منفصلين تمام الانفصال،ولا متصلين تمام الاتصال،بل ثمّ اتصال وانفصال في آن وبإدراك ذلك تنحلّ إشكالات كثيرة!
أذكر أول مرة نُبّهت لهذه القضية؛ حين أثار أحد الأطباء النفسيين هذه المسألة فقال «حديث "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ" دليل على أن هناك دين وهناك أخلاق، ووجود أحدهما لا يعني لزوم وجود الآخر».
أثار هذا الكلام اهتمامي للتأمل في الموضوع أكثر!
وبَدَأتْ تمرّ أمام عيني صور كثيرة جداً، أناس متدينون وذوي خلق، وآخرون تنقصهم أخلاق كثيرة، وصنف ثالث إما أنهم قليلو التدين، أو لا ينتمون لهذا الدين أصلاً لكنهم على خلق عالٍ جداً، ورابع: لا دين ولا أخلاق 😅
وبَدَأتْ تمرّ أمام عيني صور كثيرة جداً، أناس متدينون وذوي خلق، وآخرون تنقصهم أخلاق كثيرة، وصنف ثالث إما أنهم قليلو التدين، أو لا ينتمون لهذا الدين أصلاً لكنهم على خلق عالٍ جداً، ورابع: لا دين ولا أخلاق 😅
هذه قسمة رباعية عقلية، وواقعية أيضاً.
ولما تأملت عدداً من النصوص الشرعية تبيّن لي:
١- الانفصال بين الدين والأخلاق!
والمقصود أن الدين ليس مصدراً وحيداً للأخلاق، بل ثم مصدر آخر وهو "العقل".
ولما تأملت عدداً من النصوص الشرعية تبيّن لي:
١- الانفصال بين الدين والأخلاق!
والمقصود أن الدين ليس مصدراً وحيداً للأخلاق، بل ثم مصدر آخر وهو "العقل".
وهذا جار على مذهب من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي، وهو أن ثم "سجايا" حسنة ترتضيها العقول وتستحسنها، بغض النظر عن تأييد الدين لها.
أي أنه لو لم يأتِ دين، لكان العمل بهذه الأخلاق مستحسن مطلوب، ولكان تركها والعمل بخلافها مستقبح منهي عنه.
أي أنه لو لم يأتِ دين، لكان العمل بهذه الأخلاق مستحسن مطلوب، ولكان تركها والعمل بخلافها مستقبح منهي عنه.
يؤيد هذا قول النبي ﷺ «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ففي الحديث أن ثمّ أخلاق سابقة للدين. (وأقف هنا لبيان الانفصال فقط).
أيضاً: قول النبي ﷺ «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهوا» فأثبت النبي ﷺ -هنا- خيرية قبل الإسلام (= الجاهلية) وهذه الخيرية هي السجايا الحسنة التي كان يفعلها الناس لأنها مما اتفق العقلاء على استحسانها حتى مع افتقاد الدين (= الجاهلية فترة ما قبل الإسلام).
فمثلاً كان عبدالله بن جدعان -من سادات قريش مات قبل الإسلام- يقوم بجملة من الأعمال الحسنة (= أخلاق)؛ كإقراء الضيف وحسن الجوار وصلة الرحم.
وكانت قريش قد تحالفت حلفَ الفضول -قيل في بيت ابن جدعان- لنصرة المظلوم فلا يُظلم بمكة أحد وهو الحلف الذي أثنى عليهﷺ وعزم على قبوله لو دعي.
وكانت قريش قد تحالفت حلفَ الفضول -قيل في بيت ابن جدعان- لنصرة المظلوم فلا يُظلم بمكة أحد وهو الحلف الذي أثنى عليهﷺ وعزم على قبوله لو دعي.
أيضاً: حديث «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه» دليل على وجود انفصال بين الدين والأخلاق، ومفهوم الحديث أنه إذا جاء من نرضى دينه دون خلقه لم نكن مُلزمين بتزويجه، فيمكن أن يأتي متدين غير خلوق!
٢- حال الاتصال بين الدين والأخلاق.
وهي أن يكون للدين مدخل في الأخلاق، وذلك إما عبر التأسيس أو التكميل؛ إما :
أ/ "تأسيس" أخلاق لم تكن موجودة، أو
ب/ "تكميل"أخلاق موجودة وإيصالها الغاية والتمام.
وهي أن يكون للدين مدخل في الأخلاق، وذلك إما عبر التأسيس أو التكميل؛ إما :
أ/ "تأسيس" أخلاق لم تكن موجودة، أو
ب/ "تكميل"أخلاق موجودة وإيصالها الغاية والتمام.
أ/ فمثلاً كان من أخلاق الجاهلية قتل البنات والاستياء الكبير حدّ ظلمة الوجه إذا بُشّر أحدهم بالأنثى،فجاء الإسلام بنفي هذا الخلق ومنه تماماً، و(تأسيس) خلق مناقض له تماماً وهو الاهتمام والرعاية الكبيرة للبنات..
فقال ﷺ «من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كنّ له سترًا من النار»
أيضاً: كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بمقابلة الظلم بظلم أشد منه، فقال شاعرهم:
ألا لا يـجـهـلـنْ أحـد عـلـينـا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
جاء الإسلام بنقيض ذلك تماماً فقال عزّ وجل «ادفع بالتي هي أحسن السيئة».
أيضاً: كان بعض أهل الجاهلية يتفاخر بمقابلة الظلم بظلم أشد منه، فقال شاعرهم:
ألا لا يـجـهـلـنْ أحـد عـلـينـا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
جاء الإسلام بنقيض ذلك تماماً فقال عزّ وجل «ادفع بالتي هي أحسن السيئة».
والنبي ﷺ قال لقريش الذين آذوه وأخرجوه «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
أيضاً: قال ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهذا خُلق جاء الإسلام بتأسيسه، يجعل المجتمع أكثر تآلفاً وأبعد عن المشاحة والأنانية المسببة للبغضاء والمعاداة. وهو خلق لا تجده في الشرائع والفلسفات الوضعية.
أيضاً: قال ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهذا خُلق جاء الإسلام بتأسيسه، يجعل المجتمع أكثر تآلفاً وأبعد عن المشاحة والأنانية المسببة للبغضاء والمعاداة. وهو خلق لا تجده في الشرائع والفلسفات الوضعية.
ب/ التكميل، فيأتي الدين (= الإسلام) لأخلاق حسنة موجودة فيكمّلها ويوصلها لتمامها وغايتها التي لم يكن بمجرد العقل يمكن الوصول إليها، وهذا معنًى ظاهر في قوله ﷺ «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فثمّ تفاصيل في الأخلاق ليس للعقل القدرة للوصول إليها جاء الدين بتتميمها.
فمثلاً:
فمثلاً:
نصرة المحتاج؛ خلق عظيم اتفقت البشرية على القيام به والتواصي عليه، كما حصل في "حلف الفضول" الذي قام في الجاهلية.
لكن الدين (=الإسلام) جاء بمعنى متمّم لهذا الخلق العظيم حين قال ﷺ «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» وبيّن أن نصرته ظالماً بمنعه عن الظلم، فالظالم محتاج في حقيقة الأمر لمن يحجزه عن الظلم، فهذا معنى مكمّل للنصرة لم تكن تعرفه البشرية من قبل.
ما سبق هو «الناحية النظرية» أو كما يقول بعض من نحب «الجانب الفلسفي» 😅 في العلاقة بين الدين والأخلاق، لكن ثمّ جانب إلزامي في الشريعة يلزم المسلم أن يتحلى بالقيم الأخلاقية، ويظهر هذا في تعليق مكارم الأخلاق بالإيمان، وأن مقتضى الإيمان العمل بمكاوم الأخلاق…
كقوله ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وقوله ﷺ «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» وهو حديث يشمل بعمومه ما يتعلق بالعلاقات مع الناس!!
هذا الجانب الإيماني هو الذي تميز به دين الإسلام، ففي الوقت الذي تسمع الدعوة إلى حسن التعامل لأجل (كسب الأصدقاء)، و(الترقي في المراتب الوظيفية) و(اكتساب السمعة الحسنة) لا تجد لهذا كله ذكراً في نصوص الشريعة، بل الالتزام بالأخلاق الحسنة هو مقتضى إيمانك بالله عزّوجل.
أخيراً: لماذا نرى متدينين ولديهم نقص ظاهر في الأخلاق، وغير متدينين، بل ربما غير مسلمين أيضاً ومستواهم الأخلاقي عالٍ جداً؟؟
فنقول أولاً: هذا السؤال مبني على تعليق للتدين بأمور ظاهرية ومحددة وبالتالي فعدم حصول هذه المظاهر دليل على عدم التدين، وهذا خطأ.
فنقول أولاً: هذا السؤال مبني على تعليق للتدين بأمور ظاهرية ومحددة وبالتالي فعدم حصول هذه المظاهر دليل على عدم التدين، وهذا خطأ.
فإن تحديد من هو المتدين؛هو بمجموع سلوك الفرد،لا بمظاهر محددة،فربما تجد رجلاً مقصراً في قليل من مظاهر التدين،لكنه "محافظ" على الصلاة وبقية أركان الإسلام،لديه غيرة دينية شديدة قد تفوق بعض من يوصف بالتدين،ملتزم بمكارم الأخلاق حتى يضرب المثل بأخلاقه،فلماذا نُخرج هذا من مسمى التدين؟؟؟
فإذا اتفقنا على هذا،بقي أن نقول أن الأخلاق جزء من أوامر الدين التي يجب على المسلم اتباعها،فإذا قصّر في هذا الجانب فهو كتقصيره في جوانب أخرى قد تكون أشد أهمية،فمثلاً:تجدنا نستغرب من متدين لديه نقص في الأخلاق،لكننا نسمعه يغتاب في المجالس فلا يثير استغرابنا،
بل ربما نصفه بالتقصير في هذا الجانب ولا نثير هذا السؤال السابق (كيف متدين يغتاب)، وعليه فاعط الأخلاق وزنها الحقيقي من التدين، واجعلها مظهراً من مظاهر التدين ومقياساً من مقاييسه، فإذا الترم بها الفرد فقد زاد من مستوى التدين، لا أن نجعل الأخلاق منفصلة تماماً عن التدين!
جاري تحميل الاقتراحات...