ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

28 تغريدة 739 قراءة Aug 10, 2021
خطفت بجمالها الأخاذ لب والي بغداد العثماني، وجعلته ينحدر من أعالي عقلانيته المفترضة إلى أحراش مراهقته وجنونه، لكنها كانت من العفة والشجاعة بحيث منعته وصدته في ملحمة حياتية وشعبية لا تزال تروى حتى اليوم، من هي وما القصة؟ ولماذا صارت رمزًا وطنيا عراقيا؟!
حياكم تحت❤️🌹
في أواخر القرن التاسع عشر، استقبل بيت السيد أوهانسيان الكائن على ضفاف نهر دجلة ببغداد مولودته البكر، التي اختار لها اسم سارة، كان هذا وسط أجواء حالمة تقاطعت فيها الأسرة شديدة الثراء والمكانة مع فرحتها المنتظرة.
تعود أصول الأب أوهانسيان إلى أرمن العراق، وهو حينذاك أحد أشهر المرابين في بغداد، حيث وظف أمواله في إقراض الناس بالفائدة، ونشط تجاريًا في أوجه كثيرة من المعاملات، أمور سلمته إلى ثراء منقطع النظير، فكثرت أملاكه وأراضيه الى حد ضُرِب بها المثل.
سعادة وثراء مقيم ودعة ورخاء عيش حُفت به سارة خلال طفولتها، حيث عاشت مع أبويها وأختها الصغرى في قصر منيف على ضفاف دجلة، واستمرت الأمور هكذا، قبل أن تنقلب سريعًا على نحو غير متوقع، لقد باتت سارة في مهب الريح بعد أن غيب الموت على التوالي أبيها وأمها وأختها.
صدمة كبرى، أفاقت منها سارة فلم تجد أحدا ليرعاها وهي حينذاك لا تزال في الخامسة عشر من عمرها، هنا تصدر للأمر عمها سيروب وعمتها صوفي، حيث أقامت سارة لدى الأخيرة، فيما تولى عمها أمر الأملاك والثروة واستحال وصيًا عليها بصفته الأقرب إليها.
في عام 1910 كانت بغداد على موعد مع والٍ عثماني جديد هو ناظم باشا، رجل عسكري مهيب له باعه ومناصبه المرموقة في الجيش العثماني، وله من السطوة والنفوذ ما يسمح له بفعل ما يشاء، قدم بغداد وبدأ في رسم بعض ملامح الإحسان إلى هذه البلاد عله يحظى ببعض التقدير الذي افتقده سابقوه !
مستشفى الغرباء تم تطويرها وصارت جاهزة للافتتاح، كان سببا جيدًا يستطيع الوالي من خلاله المرور إلى مآربه السياسية، افتتح المستشفى وعلى هامش الافتتاح أقام حفلا مختلطًا على ظهر أحد البواخر النهرية، حفل دعا إليه أعيان بغداد وجل القناصل وأفراد البعثات الدبلوماسية الأجنبية في العراق.
حفل مهيب لم يفت سارة وعمتها حضوره بوصفهما من أكابر أثرياء بغداد، كانت عادة النساء العراقيات تغطية وجوههن بالبوشية، لذلك مرت سارة إلى الحفل وهي مرتدية إياه، لكن مع الأجواء المختلطة والحضور الأجنبي مالت إلى تحرير وجهها منه، فتحرر معه جمالها ولاح براقًا يخطف الألباب.
استرق وجهها انتباه الحاضرين، ولم يكن ناظم باشا استثناءً، بل لقد تجاوز الأمر معه حدود الانتباه، فاسترقت الفتاة هيبته وشيبته واستحال أمامها مراهقا يرنو إليها رغم فارق السن وينتظر منها نظرة إجابة تبل صداه، لكن الصغيرة لم يدر في خلدها أي من طموحات الآخرين فيها.
طوى ناظم باشا المسافات ومال بحديثه إليها، فرحبت به على خجل، ووجدت في هذا التواصل فرصة مناسبة لشكوى عمها، الذي استغل وصايته عليها وسطا على بعض أموالها، حيث طلبت من الوالي نصرتها ومساعدتها في فسخ هذه الوصاية، وإسنادها إلى مطران الكنيسة الأرمينية.
وعد ناظم باشا سارة وعمتها صوفي بالتحقيق في الأمر، ولم يمض كثير من الوقت حتى بعث في طلب عمها سيروب وولده تانييل، وطلب منهما تقديم كشف متكامل بما تحت عهدتهما من أملاك وأموال خاصة بسارة، استبشرت سارة وعمتها خيرًا، لكن لم يفت كثير وقت حتى سارت الأمور في منحى مغاير.
لقد تقاطعت مصلحة ناظم باشا مع العم سيروب، فالأول يريد سارة محظية له، والثاني يريد أن يستمر في الاستئثار بأملاكها وأراضيها، هنا تغير كل شيء، ووعد العم سيروب الوالي العثماني ناظم باشا أن تكون سارة محظية له، وبالفعل بدأت أولى خطوات العم في هذا الاتجاه.
بدأت أولى خطوات العم وابنه حين ذهبا إلى سارة وأخبراها عن رغبة ناظم باشا في الزواج منها، هنا تحطمت آمال سارة في الوالي، وعارضت بقوة هذا الطلب ورفضته إلى ذلك الحد الذي طردت معه عمها وابنه من بيتها، لما تكشف أمامها من نوايا سيئة.
وصل موقف سارة إلى الوالي، ووجد فيه صفعة لهيبته ومقامه السامي، فهي لا تمتلك ما يمتلكه من سلطان واقتدار، ناظم باشا الذي لم يجرب يومًا معنى الرفض، ها هو يتجرعه اليوم وعلى يد من؟ فتاة بغدادية صغيرة وحيدة لا ظهر لها ولا سند ولا تملك من أمرها شيئًا.
انتقامًا لما حدث قرر الوالي القبض على الفتاة، لذلك أوعز إلى قوات الدرك خاصته بالذهاب إلى قصرها وإحضارها أمامه على الفور، ذهبت القوات لتنفيذ الأمر، وفي اللحظة التي همت أن تقتحم القصر، تسلقت الفتاة السور الفاصل بينها وبين القصر المجاور واحتمت بصاحبه.
لم يكن القصر المجاور لها إلا منزلا للقنصل الألماني، الذي حجبها حينًا عن القوات، لكنه خشي أن يتسبب الأمر في أزمة دبلوماسية بين العثمانيين وبلاده، لذلك بادر إلى تهريب الفتاة بعيدًا عن قصره، واختار له دار أحد وجهاء بغداد من ذوي المكانة، وهو السيد عبد الرحمن الكيلاني نقيب الأشراف.
عملًا بنصرة الضعيف آوى النقيب الفتاة في بيته ووفر لها حماية مطلقة، حيث لم يتجرأ الوالي على اقتحام بيت النقيب نظرًا لمكانته، لكن من جهة أخرى وزع قوات الدرك خاصته حول محيط المنزل والمنطقة محاصرين لها ومنتظرين لحظة يمسكون فيها بالفتاة المقصودة.
ظلت الفتاة حبيسة منزل النقيب، يُخشى عليها من الخروج، في نفس الوقت الذي شاعت فيه القصة بين العامة وتعاطف الجميع مع الفتاة، بل وأتى الفن ليضع الأمر في إطار ملحمي، حين حيكت الأحداث في أشكال اغنيات شعرية، ليستنفر الجميع على أمل إنقاذ الفتاة من أيدي الوالي.
تصدر تانييل ابن عم سارة الأحداث مرة أخرى، حين حاول (بايعاز من الوالي)اختطافها من حديقة منزل النقيب المطل على دجلة باستخدام زورق ، لكن صرختها التي بلغت الأفاق أتت ثمارها، وركض الأهالى والفلاحين المحيطين بالمنزل نحوها حيث أوسعوا ابن عمها ضربًا، ليعود أدراجه إلى زورقه ويفر هاربًا.
على الرغم من انتشار قوات الدرك حول منزل النقيب ينتظرون لحظة خروج سارة كي ينقضوا عليها، إلا أن سارة بمساعدة الأهالي الذين صرفوا أنظار الحراس عن المنزل، استطاعت الفرار منه متنكرة في زي راهبة، فيما ساعدها آخرون في الوصول إلى البصرة واستقلال باخرة بريطانية ترسو هناك.
في تلك الأثناء كانت بغداد تضج بالقصة والتعاطف، وأمام الاستهجان والاحتجاجات الشعبية العارمة رضخ الباب العالي في اسطنبول لمطالب العراقيين وانحنى للعاصفة بعزل ناظم باشا من ولاية بغداد وعودته إلى مسؤولياته في الجيش العثماني مرة أخرى دون عقاب او تحقيق!
رغم عزله في 17 مارس 1911 وإعادته إلى اسطنبول، إلا أن مطاردة ناظم باشا لسارة لم يتوقف، فأبحر بنفسه إلى بومبي للبحث عنها وتتبعها لكن دون جدوى، فقد انتقلت سارة منها إلى باريس، والتي وجدت فيها ذلك الهدوء والراحة التي تمنتها وتزوجت هناك عام 1913 من أحد العراقيين الأرمن.
كان عام زواجها هذا هو نفس العام الذي اغتيل فيه ناظم باشا باسطنبول خلال أحداث ما عرف بالغارة على الباب العالي، وطويت بهذه الوفاة الفصل المثير في قصة سارة خاتون، لتعود أدراجها لاحقًا إلى بغداد فرحة مطمئنة يحيط بها ابن وابنة وزوج محب، وذلك بعد سنوات قليلة قضتها في باريس.
عادت سارة إلى بغداد واستردت أملاكها وباشرت إدارتها بنفسها، وذلك في الوقت الذي كان فيه المهجرين الأرمن يفدون إلى العراق من كل اتجاه هربًا من الإبادة الجماعية التي نفذها العثمانيون بحقهم، والتي راح ضحيتها وفق بعض التقديرات ما يقرب من مليون ونصف أرميني.
هنا وجدت سارة ذاتها أمام مسؤولية اجتماعية وإنسانية تحتم عليها مساعدة هؤلاء المهجرين ورعايتهم، فأسست مع آخرين هيئة نسوية لمساعدة المهجرين الأرمن، وتولت تقديم الطعام والملابس لكثير منهم على مدى سنوات طوال، ولم يتوقف الأمر عند تقديم الدعم المادي.
امتد جميل سارة خاتون إلى بيع أجزاء كبيرة من أراضيها بأسعار رمزية إلى الأرمن المهجرين الذين لا يجدون مأوى لهم، فيما يعرف حاليًا بمنطقة كامب سارة، واستمرت سارة على هذا النمط المعطاء إلى تلك الدرجة التي فقدت معها جل أملاكها، وأصبحت خاوية الوفاض من أي ملمح للثراء.
اجتمع على سارة كذلك كثير من عمليات النصب و سوء إدارة وإسراف شديد من أبنائها، أفضى بها في الأخير إلى فقر مدقع، عاشت من بعده حياتها في عون من الناس، لكنها رغم هذا الفقر لم تفقد مكانتها واحترام الناس لها، بل ظلت في قلوب العراقيين وذاكرتهم رمزًا للعطاء والتفاني ومقاومة السلطة والتجبر
توفيت سارة خاتون عام 1960 تاركة وراءها قصة تراثية عبقة اجتمعت عليها الفنون المختلفة بالذكر والتأريخ عبر الغناء والسير الشعبية والتجسيد الدرامي، منها مسلسلاً تلفزيونيا يحمل اسمها من إنتاج عام 2006.

جاري تحميل الاقتراحات...